الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تلك هي مجمل الحرب العادلة في الإسلام: ابتعاد من الغدر، ووفاء بالعهود، وإقرار للسلام، ومعاملة إنسانية لغير المحاربين، وتمسك بالمثل العليا الرفيعة في معاملة المغلوبين.
فأين منها حروب القرن العشرين الميلادي؟
4 - الحرب النفسية:
ولكن تعاليم الإسلام لا تسيطر على المسلم الحق وجيش المسلمين حقاً في ميدان القتال فقط، بل تسيطر على المسلم فرداً وعلى جيش المسلمين في أيام السلام أيضاً.
إن الهدف الحيوي من الحرب، هو تحطيم الطاقات المادية والمعنوية للعدو، فإذا انتصر عليه في ميدان الحرب واستطاع أن يحطم طاقاته المادية، فلا بد من جهود أخرى لتحطيم طاقاته المعنوية، ليكون النصر كاملاً يؤدي إلى الاستسلام.
وهنا تبدأ الحرب النفسية التي تستهدف الطاقات المعنوية بالدرجة الأولى وقبل كل شيء.
وفي تاريخ الحروب أمثلة لا تعد ولا تحصى، عن انتصارات استطاعت القضاء على الطاقات المادية، ولكنها عجزت عن القضاء على الطاقات المعنوية، فكانت تلك الانتصارات ناقصة استمرت مدة من الزمن ثم أصبح المهزوم منتصراً والمنتصر مهزوماً.
فكيف يصاول الاسلام الحرب النفسية؟ لعل أهم أهداف الحرب النفسية هي التخويف من الموت
والفقر، ومن القوة الضاربة للمنتصر، ومن محاولة جعل النصر حاسماً بالدعوة إلى الاستسلام، وبث الإشاعات والأراجيف، وإشاعة الاستعمار الفكري بالغزو الحضاري، وإشاعة اليأس والقنوط.
المؤمن حقاً لا يخشى الموت، لأنه يؤمن بأنه لا يموت إلا بأجله الموعود.
قال تعالى: {إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس 10: 49]، وقال تعالى:{فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف 7: 34][والنحل 16: 61]، وقال تعالى:{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران 3: 145]، وقال تعالى:{أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء 4: 78]، وقال تعالى:{لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ} [آل عمران 3: 154].
إن المؤمن الحق، يعتقد اعتقاداً راسخاً، بأن الآجال بيد الله سبحانه وتعالى، وما أصدق قولة خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما حضرته الوفاة:"ما في جسمي شبر إلا وفيه طعنة رمح أو سيف، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء"(1).
والمؤمن حقاً لا يخاف الفقر، لأنه يعتقد اعتقاداً راسخاً، بأن الأرزاق بيد الله سبحانه وتعالى، وأنه يرزق النملة المنفردة في الصخرة المنفردة في البحر المحيط، فكيف ينسى رزقه؟!
(1) أسد الغابة (2/ 95)؛ والاستيعاب (2/ 430).
قال تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ 212} [البقرة 2: 212]، وقال تعالى:{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا 2 وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن} [الطلاق 65: 2 - 3]، وقال تعالى:{فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال 8: 26]، وقال تعالى:{*وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَاّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود 11: 6].
والمؤمن الحق لا يخشى قوات العدو الضاربة، فما انتصر المسلمون
في أيام الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام وفي أيام الفتح
الإسلامي العظيم بعُدة أو عدد، بل كان انتصارهم بالإسلام. قال
تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة 2: 249]،
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ
عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَاّ يَفْقَهُونَ 65 الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ
ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ
أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال 8: 65 - 66].
والمؤمن حقاً لا يقر بانتصار أحد عليه ما دام في حماية عقيدته، فهو لا يستسلم أبداً ولا يفكر بالاستسلام لأنه يؤمن بأن انتصار العدو عليه قد يدوم ساعة ولكنه لا يدوم إلى قيام الساعة، قال تعالى:{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران 3: 140].
والمؤمن حقاً لا يستسلم بعد هزيمته، لأنه يعلم بأن بعد العسر
يسراً، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ
لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقين 63: 8]، وقال تعالى: {وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ
الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [يونس: 10: 65].
والمؤمن الحق لا يصدق الإشاعات والأراجيف، ولا يبث الإشاعات والأراجيف، ويقضي على كل ذلك في مهده، ويفضح مروجيها ولا يسكت عنهم، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات 49: 6]، وقال تعالى:{*لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ} [الأحزاب 33: 60]، وقال تعالى:{وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء 4: 83].
والمؤمن حقاً يقاوم الاستعمار الفكري ويصاول الغزو الحضاري الذي لا طائل من ورائه، لأن له من مقومات دينه وتراث حضارته، ما يصونه من تيارات المبادئ الوافدة التي تناقض دينه وتراثه وتذيب شخصيته وتمحو آثاره من الوجود. قال تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ 1 لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ 2 وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ 3 وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ 4 وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ 5 لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون 109: 1 - 6]، وقال تعالى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف 12: 108].
والمؤمن حقاً لا يقنط أبداً ولا ييأس من نصر الله ورحمته، قال
تعالى: {لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر 39: 53]، وقال تعالى:{وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَاّ الضَّآلُّونَ} [الحجر 15: 56]، وقال تعالى:{وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم 30: 36]، وقال تعالى:{وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت 41: 49].
هذا هو أسلوب الإسلام في مصاولة الحرب النفسية، وبهذه الطريقة السهلة العملية يكافح شرور هذه الحرب.
والذين قرؤوا بعض ما صدر في اللغات الأجنبية عن: (الحرب النفسية)، يجدون الأجانب يعقدون أساليب معالجتها تعقيداً لا مزيد عليه.
ومن موازنة أسلوب الإسلام في معالجتها وأسلوب الأجانب، نجد بوضوح عظمة الإسلام في هذه الناحية.
وبهذه الموازنة الموضوعية بين الأسلوبين، تذكرتُ ما قاله (برنارد شو) في رسالته باللغة الإنكليزية التي سماها:(نداء العمل) وتأكدت من صدق قوله وإنصافه، فقد قال:"إن محمداً يجب أن يدعى: منقذ الإنسانية، ولو أن رجلاً مثله تولى قيادة العالم الحديث، لنجح في حل مشكلاته بطريقة تجلب إلى العالم السلام والسعادة اللذين هو في أشد الحاجة إليهما"(1).
(1) من رسالة بالإنكليزية: (نداء العمل)، مجلة الأزهر، الجزء العاشر، السنة الرابعة، ص 720.