الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جيش المسلمين ولم يولهم قيادة السرايا والجيوش.
وما أصدق قولة خالد بن الوليد رضي الله عنه: "ما ليلة يُهدى إليّ فيها عروس أنا لها محب، أو أُبشّر فيها بغلام، أحب إليّ من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبّح بهم العدو، فعليكم بالجهاد"(1).
ذلك هو أثر الإيمان العميق في إعداد الجندي المسلم ليكون مقاتلاً رهيباً، لذلك كان خير القرون قرن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الذي يليه والذي يليه كما قال عليه الصلاة والسلام، في المجالات كافة، ومنها المجال العسكري إعداداً وتربية عسكرية، وإصراراً على النصر وتعميقاً لإرادة القتال، وحرصاً على تطبيق الجهاد الإسلامي نصاً وروحاً.
12 - المثال الشخصي:
أ) لقد كان قادة الفتح الإسلامي من الصحابة والتابعين مثالاً شخصياً يحتذي بهم جنودهم ويتأسى بهم الغالبون والمغلوبون على حد سواء.
كانوا التطبيق العملي للإسلام بما فيه من تكاليف الجهاد بالأموال والأنفس لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. كانوا يسخِّرون مصالحهم الذاتية لمصلحة المسلمين العامة، وكانوا يؤثرون مصالح المسلمين على مصالحهم الذاتية.
لم تغيرهم المناصب، لأنهم كانوا أرفع من المناصب، ولم تغيرهم
(1) الإصابة 2/ 99.
الأموال، لأنها كانت بأيديهم لا في قلوبهم.
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع له بالخلافة، قالت جارية من الحي:"الآن لا تحُلَبُ لنا منائح دارنا"، فسمعها أبو بكر فقال:"بلى! لعمري لأحلبنّها لكم، وإني لأرجو ألا يغيّرني ما دخلت فيه عن خُلق كنت عليه"، فكان يحلب لهم.
وكان رجلاً تاجراً، فكان يغدو كل يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع. ونظر في أمره فقال:"لا والله، ما تصلِح أمور الناس التجارة، وما يصلحهم إلا التفرغ لهم والنظر في شأنهم، ولا بد لعيالي مما يصلحهم"، فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوماً بيوم، ويحج ويعتمر. فلما حضرته الوفاة قال:"ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال شيئاً، وإن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم"، فدفع ذلك إلى عمر، ولقوحاً وعبداً صيقلاً (1) وقطيفة ما تساوي خمسة دراهم، فقال عمر:"لقد أتعب مَن بعده".
وكان كل ما أنفقه من بيت المال في ولايته ثمانية آلاف درهم (2)!!!
ب) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبة له: "
…
وإني امرؤ مسلم وعبد ضعيف إلا ما أعان الله عز وجل. ولن يغيّر الذي
(1) الصقيل: شحاذ السيوف وجلاؤها، وهي مهنة العبد الذي أعيد إلى بيت مال المسلمين.
(2)
الطبري 3/ 432 - 433، طبعة دار المعارف - القاهرة 1382هـ.
وليت من خلافتكم من خلقي شيئاً إن شاء الله، إنما العظمة لله عز وجل وليس للعباد منها شيء، فلا يقولن أحد منكم: إن عمر تغيّر منذ ولي، أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبيّن لكم أمري، وأيما رجل كانت له حاجة أو ظلم مظلمة أو عتب علينا في خلق فَلْيُوذِنّي، فإنما أنا رجل منكم" (1).
وقال الأحنف بن قيس (2): "كنا جلوساً بباب عمر، فمرت جارية، فقالوا: سرية أمير المؤمنين! فقال: ما هي لأمير المؤمنين بسرية ولا تحل له، إنها من مال الله! فقلنا: فماذا يحل له من مال الله تعالى؟ فقال: إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلّتان: حلّة للشتاء وحلّة للصيف، وما أحج به وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بَعْدُ رجل من المسلمين"(3).
ولكن، ما نوع الحلتين اللتين يرتديهما عمر، وما نفقته في حجه وعمرته، وما نوع قُوته وقوت أهله؟ قال أنس بن مالك رضي الله عنه:"رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين وقد رقع بين كتفيه برقاع لبد بعضها فوق بعض". وقال: "رأيت عمر بن الخطاب يرمي جمرة العقبة وعليه إزار مرقوع بفروٍ، وهو يومئذٍ والٍ"، وقال:"رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميص له"(4).
(1) الطبري 3/ 282.
(2)
انظر تفاصيل سيرته في: قادة فتح بلاد فارس 215 - 246.
(3)
تاريخ عمر 87.
(4)
طبقات ابن سعد 3/ 327؛ وانظر صفة الصفوة 1/ 108.
وأنفق عمر في حجته ستة عشر ديناراً فقال: "يا عبد الله بن عمر! أسرفنا في هذا المال"(1). وأنفق في حجته مرة أخرى خمسة عشر ديناراً (2)، وقد خرج إلى مكة فما ضرب فسطاطاً حتى رجع، وكان يستظل بالنطع (3).
وقدم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه في وفد أهل البصرة على عمر فقالوا: كنا ندخل كل يوم وله خبز ثلاث، وربما وافقناها مأدومة بزيت، وربما وافقناها بسمن، وربما وافقناها باللبن، وربما وافقناها بالقدائد اليابسة قد دقت ثم أغلي بها، وربما وافقناها باللحم الغريض وهو قليل، فقال لنا يوماً: "أيها القوم! إني والله لقد أرى تعذيركم وكراهيتكم لطعامي، وإني لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأرفعكم عيشاً
…
لكني سمعت الله عز وجل ثناؤه عيّر قوماً بأمر فعلوه فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم} (4).
وقال الربيع بن زياد الحارثي (5) لعمر: "إن أحق الناس بطعام ليّن ومركب ليّن وملبس ليّن لأنت"، فرفع عمر جريدة معه وضرب بها رأسه وقال:"أما والله ما أراك أردت بها الله، وما أردت بها إلا مقاربتي"(6).
(1) طبقات ابن سعد 3/ 308.
(2)
المصدر السابق 3/ 279.
(3)
المصدر السابق نفسه، والنطع: بساط من الجلد.
(4)
المصدر السابق نفسه، والآية الكريمة من صورة الأحقاف [46: 20].
(5)
انظر تفاصيل سيرته في: قادة فتح بلاد فارس 164 - 172.
(6)
طبقات ابن سعد 3/ 280.
وكان يستنفق درهمين كل يوم له ولعياله (1)، ولم يركب دابة عام الرّمادة وقال:"والله لا أركبها حتى تحيي الناس"(2). وكانت بطنه تقرقر من الزيت ذلك العام، فكان يقول:"تقرقر!! والله لا تأكله - أي السمن- حتى يأكله الناس"(3).
وكان يقول: "إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم: إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف"(4).
وعوتب عمر فقيل له: لو أكلت طعاماً طيباً أقوى لك على الحق، فقال:"إني تركت صاحبيّ على جادة، فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل"(5).
والمثال الشخصي الذي ضربه عمر للمسلمين في النزاهة والأمانة، جعل كل واحد منهم مثالاً حياً للنزاهة المطلقة والأمانة النادرة. لما قدم على عمر بسيف كسرى ومنطقته ونفائسه قال:"إن أقواماً أدَّوْا هذا لذوو أمانة"، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"إنك عففت فعفّت الرعية"(6).
وبعد طعن عمر وحين كان يعاني سكرات الموت، دخل عليه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فجعل يثني على عمر، فقال: "بأي
(1) المصدر السابق نفسه.
(2)
طبقات ابن سعد 3/ 312.
(3)
المصدر السابق 3/ 313.
(4)
المصدر السابق 3/ 276 و 313.
(5)
البداية والنهاية 7/ 136.
(6)
الطبري 3/ 128.
شيء تثني عليّ؟ بالإمرة أو بغيرها؟ "، قلت: "بكلٍّ"، قال: "ليتني أخرج منها كفافاً لا أجر ولا وزر" (1).
وقال ابن عباس: "قلت لعمر: مصّر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل بك وفعل"! فقال: "لوددت أني أنجو منه لا أجر ولا وزر"(2).
وقيل له وهو على فراش الموت: "أبشر يا أمير المؤمنين لبشرى الله تعالى بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدِم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة فقال: "وددت أن ذلك كفاف لا عليّ ولا لي" (3).
وقال عبد الله بن عامر: "رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه التبنة، ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني، ليتني لم أكن شيئاً، ليتني كنت نسياً منسياً"(4).
ج) ولما مات خالد بن الوليد رضي الله عنه لم يترك إلا فرسه وسلاحه وغلامه (5)، وقد حبس فرسه وسلاحه في سبيل الله (6)، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"يرحم الله أبا سليمان! لقد كنا نظن به أموراً ما كانت"(7)، إذ كان باستطاعته أن يجمع الأموال الطائلة من فتوحاته الكثيرة، ولكنه أنفقها كلها في سبيل الله، فمات فقيراً.
(1) طبقات ابن سعد 3/ 351.
(2)
المصدر السابق 3/ 351.
(3)
الاستقصا 1/ 21.
(4)
صفوة الصفوة 1/ 109.
(5)
طبقات ابن سعد 7/ 398.
(6)
الإصابة 2/ 100.
(7)
طبقات ابن سعد 7/ 398.
وكان عمير بن سعد الأنصاري (1) من قادة الفتح الإسلامي في أرض الشام، وقد ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدينة حمص (2).
وكتب عمر إلى أهل (حمص): "اكتبوا لي فقراءكم"، فكتبوا إليه أسماء الفقراء، وذكروا فيهم عمير بن سعد رضي الله عنه وكان أميراً عليهم. فلما قرأ عمر اسمه قال:"مَنْ عمير بن سعد"؟! فقالوا: أميرنا!! فقال عمر: "فأين عطاؤه"؟ فقالوا: يخرجه كله لا يمسك منه شيئاً! فوجه إليه عمر بمئة دينار، فأخرجها كلها إلى الفقراء، فقالت له امرأته:"لو كنت حبست لنا منها ديناراً واحداً"، فقال:"لو ذكّرتِني فعلت"(3).
د) وأراد أبو بكر الصديق أن يولِّي أبا عبيدة بن الجراح القيادة العامة في أرض الشام، ولكن أبا عبيدة استعفاه من ذلك (4)، فأصر أبو بكر على رأيه. فلما تحرج موقف المسلمين في أرض الشام واجتمعوا باليرموك، ولىّ أبو بكر خالد بن الوليد منصب القيادة العامة في أرض الشام بدلاً من أبي عبيدة (5) الذي بقي على جند (حمص)(6)، فأعاده عمر بن الخطاب إلى منصب القيادة العامة بعد وفاة أبي بكر (7) وصيّر
(1) انظر سيرته في: قادة فتح العراق والجزيرة 469 - 475.
(2)
طبقات ابن سعد 7/ 402، وابن الأثير 2/ 207.
(3)
ألف باء للبلوي 1/ 443.
(4)
البلاذري 116.
(5)
فتوح الشام، للواقدي 1/ 14، والبلاذري 117، والأغاني 14/ 26.
(6)
ابن الأثير 2/ 155.
(7)
طبقات ابن سعد 7/ 397.
خالداً موضع أبي عبيدة (1).
وكان أبو عبيدة رضي الله عنه، لا يكترث بالمناصب، كما كان لا يكترث بالمال، فقد أرسل عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف درهم وأربعمئة دينار وقال لرسوله:"انظر ما يصنع"! فقسّمها أبو عبيدة بين الناس، فلما أخبر عمرَ رسولُه بما صنع أبو عبيدة قال:"الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا"(2).
ولما قدم عمر الشام، تلقاه أمراء الأجناد وعظماء أهل الأرض، فقال عمر:"أين أخي"! فقالوا: مَنْ؟ قال: "أبو عبيدة"، قالوا: يأتيك الآن! وجاء أبو عبيدة على ناقة مخطومة بحبلٍ، فسلّم عليه، فقال عمر للناس:"انصرفوا عنا". وسار مع أبي عبيدة حتى أتى منزله فنزل عليه، فلم يرَ في بيته إلا سيفه وترسه، فقال عمر:"لو اتخذت متاعاً - أو قال: شيئاً"، فقال:"يا أمير المؤمنين!! إن هذا سيبلغنا المقيل"(3). وفي رواية أن عمر قال: "اذهب بنا إلى منزلك يا أبا عبيدة"، فقال له:"وما تصنع عندي يا أمير المؤمنين؟! ما تريد إلا أن تعصر عينيك عليّ". ودخل عمر بيت أبي عبيدة، فلم يرَ في البيت شيئاً، فقال:"وأين متاعك؟! لا أرى إلا لبداً وصفحة وشناً (4) وأنت أمير! أعندك طعام"؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة (5)، فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال أبو عبيدة: "قلت لك أنك ستعصر عينيك عليّ يا أمير المؤمنين
…
!
(1) اليعقوبي 2/ 117.
(2)
طبقات ابن سعد 4/ 413.
(3)
المقيل: النوم عند الظهيرة، ويقصد به: الموت.
(4)
الشن: القربة الخلق.
(5)
الجونة: السلة المستديرة.
يكفيك من الزاد ما بلّغك المحل"، فقال عمر: "غيّرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة" (1).
وأراد عمر بن الخطاب أن يستخرج أبا عبيدة من المنطقة التي أصيبت بوباء الطاعون، فكتب إليه:"سلام عليك. أما بعد! فقد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك فيها، فعزمت عليك إذا أنت نظرت في كتابي هذا ألا تضعه من يدك حتى تُقْبِل"، فعرف أبو عبيدة ما أراد عمر، فكتب إليه:"يا أمير المؤمنين! قد عرفت حاجتك إليّ، وإني في جند المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله فيّ وفيهم أمره وقضاءه، فخلني عزيمتك"، فلما قرأ عمر هذا الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين! أمات أبو عبيدة؟ فقال: "لا، وكأن قد"(2). وفعلاً مات أبو عبيدة بطاعون (عمواس)(3) سنة ثمان عشرة الهجرية (639م) في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وهو ابن ثمانٍ وخمسين سنة (4).
هـ) تلك دروس عملية من الصحابة والتابعين تطبيقاً لتعاليم الإسلام بعد التحاق الرسول القائد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام بالرفيق الأعلى، وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم؛ لعل العرب والمسلمين يتعلمون منها ما يجب أن يقدموا إعلاء لكلمة الله في هذه
(1) الإصابة 4/ 12، وأسد الغابة 3/ 86.
(2)
ابن الأثير 2/ 216.
(3)
عمواس: كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس، وهي على أربعة أميال من مدينة الرملة على طريق بيت المقدس، انظر التفاصيل في معجم البلدان 6/ 225.
(4)
طبقات ابن سعد 3/ 414 - 415 و 7/ 385، وابن الأثير 2/ 216، والإصابة 4/ 13، وأسد الغابة 3/ 86، والاستيعاب 2/ 894، ومعجم البلدان 6/ 226.
السنين العجاف التي تداعت عليهم الأمم، واحتل الصهاينة بلادهم وامتهنوا مقدساتهم، وأحرقوا المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
والسؤال الآن: هل يمكن أن يضحي المرء بماله وروحه في سبيل الله بدون الإيمان العميق والتمسك بتعاليم الدين الحنيف؟؟ هل يمكن أن يضحي المرء بماله وروحه وهو محروم من الإيمان العميق بعيد عن التمسك بتعاليم الدين الحنيف؟؟ هيهات
…
هيهات
…
***