الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نور الدين لا يقعد أحد حتى يأمره نور الدين بالقعود، إلَاّ نجم الدين فإنَّه كان إذا دخل قعد من غير إذن (1)
2 - الوزير:
بدأت حياة صلاح الدين العامَّة بمرافقة عمّه أسد الدين شيركوه إلى مصر على رأس جيش جهَّزه نور الدين لإعادة الوزير شاور (2) إلى منصبه؛ فقد استصحبه عمه معه عن كراهية منه لذلك، ليكون مقدَّم عسكره ومستشاره، فوصلوا إلى (القاهرة) في الثاني من جمادى الآخرة سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمئة الهجرية (1162 م)، ونصروا شاور على خصمه الذي يقال له الضرغام، وأعادوه إلى منصب الوزارة، ثم غادروا القاهرة في السابع من ذي الحجّة سنة ثمانٍ وخمسين وخمسمئة الهجرية (3).
وبلغ شاور أنَّ أسد الدين يزمع الاستيلاء على مصر، فكاتب الإفرنج، واتَّفق معهم على الحركة إلى مصر بقواتهم لصدّ جيش أسد الدين.
وبلغ ذلك أسد الدين والملك العادل نور الدين، فاشتدَّ خوفهما على مصر أن يستولي عليها الإفرنج.
وتجهَّز أسد الدين، وأنفذ معه الملك العادل نور الدين القوات
(1) النجوم الزاهرة 6/ 6.
(2)
اسمه الكامل: أبو شجاع شاور بن مجير بن نزار بن عشائر بن شاس السعدي؛ انظر ترجمته في: وفيَّات الأعيان، لابن خلكان.
(3)
النوادر السلطانية 36 - 37.
العسكرية، وألزم صلاح الدين بالمسير مع عمه على كراهية منه لذلك.
وتحرَّك جيش أسد الدين من دمشق في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وخمسمئة الهجرية (1166م)، وكان وصولهم إلى مصر مقارباً لوصول الإفرنج إليها.
ودارت معارك طاحنة بين جيش أسد الدين من جهة وبين جيش شاور والإفرنج من جهة أخرى، حتى عاد الإفرنج إلى بلادهم، وعاد أسد الدين إلى (دمشق) أيضاً.
وكان سبب عوْد الإفرنج؛ أنَّ نور الدين جرَّد الجيوش إلى بلاد الإفرنج، فاستعاد (المنيطرة)(1) منهم، فلمَّا علِمَ الإفرنج بذلك خافوا على بلادهم ورحلوا عن مصر.
وكان سبب عوْد أسد الدين ضعف جيشه بسبب ما تكبَّده من خسائر في معاركه، ولكنه لم يعد حتى صالح الإفرنج على أن ينصرفوا كلهم عن مصر (2).
ولكنَّ الفرنج حشدوا قواتهم وخرجوا يريدون مصر، ناكثين لجميع ما استقرَّ مع المصريين وأسد الدين من الصلح والعهود، طمعاً في احتلال مصر. فلمَّا بلغ ذلك نور الدين جهَّز أسد الدين وبعثه على رأس جيش، فوصل إلى (القاهرة) في أثناء ربيع الأول سنة أربع وستين وخمسمئة الهجرية (1168م)، وكان مع الحملة صلاح الدين الذي ألحَّ عليه عمه أسد الدين للخروج معه، لأنَّه لم يكن يستطيع
(1) المنيطرة: حصن بالشام قريب من طرابلس.
(2)
النوادر السلطانية 37 - 38.
الاستغناء عنه قائداً ومدبِّراً ومشيراً، فانصاع صلاح الدين لإلحاح عمه، وكان يقول عن خروجه هذا:"كنت أكره الناس للخروج في هذه الدفعة، وما خرجت مع عمّي باختياري".
وحين علم الإفرنج بوصول أسد الدين إلى مصر عن اتفاق بينه وبين أهلها، رحلوا راجعين إلى (القدس) خائبين.
وأراد أسد الدين أن يضع حدّاً نهائياً لأطماع الإفرنج في مصر، ولمحاولات (شاور) استدعائهم سرّاً وعلانية لإسناده، لذلك قضى أسد الدين على شاور، وتولى الوزارة مكانه؛ ولكنَّه توفي في الثاني والعشرين من جمادى الآخرى سنة أربعٍ وستين وخمسمئة (23 آذار - مارس 1169م) بعد أن مكث يدبّر الأمور خلال هذه المدّة القصيرة، فتولَّى مقاليد الوزارة صلاح الدين (1).
تولى صلاح الدين الوزارة وعمره اثنتان وثلاثون سنة، استغل كل لحظة من لحظاتها للارتشاف من مناهل العلم وممارسة التجارب العملية. أما أساتذته في العلم فسيرد ذكرها وشيكاً، وأمَّا أساتذته في السياسة والحرب فهم: نور الدين الشهيد، وأبوه نجم الدين، وعمّه أسد الدين شيركوه الذي لم يأخذ حقه كاملاً من المؤرّخين العرب والمسلمين، ولكن المؤرّخين الأجانب عرفوا له قدره، فقال في موته (ستفن سن) ما ترجمته: "إنَّ الخدمات التي أداها عمل شيركوه للإسلام والمسلمين لَجديرة بأن يكتبها التاريخ على صفحاته بأحرف من الذهب، لأنَّه بعد مضيّ عشرين سنة على توليته أمرَ مصر عادت مدينة القدس إلى أيدي المسلمين، كما عاد كثير من البلاد التي كانت بيد الإفرنج،
(1) انظر التفاصيل في: النوادر السلطانية 40 - 41.