المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

(1)   ‌ ‌كتاب الإيمان 1 - ‌ ‌ باب من الصحاح: 1 - 1 - قال عمر - تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة - جـ ١

[ناصر الدين البيضاوي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة الأولىفي بيان طريق روايتي لهذا الكتاب

- ‌المقدمة الثانيةفي بيان فضل الفن من العلم على سائر الفنون

- ‌المقدمة الثالثةفي بيان تناسب الكتاب والسنة

- ‌المقدمة الرابعةفي بيان أنواع الحديث

- ‌كتاب الإيمان

- ‌ باب

- ‌ بابالكبائر وعلامات النفاق

- ‌فصلفي الوسوسة

- ‌ بابالإيمان بالقدر

- ‌ بابإثبات عذاب القبر

- ‌ بابالاعتصام بالكتاب والسنة

- ‌كتاب العلم

- ‌كتاب الطهارة

- ‌ بابما يوجب الوضوء

- ‌ بابأدب الخلاء

- ‌ بابالسواك

- ‌ بابسنن الوضوء

- ‌ بابالغسل

- ‌ بابمخالطة الجنب وما يباح له

- ‌ بابأحكام المياه

- ‌ بابتطهير النجاسات

- ‌ بابالمسح على الخفين

- ‌ بابالتيمم

- ‌ بابالغسل المسنون

- ‌ بابالحيض

- ‌ بابالمستحاضة

- ‌كتاب الصلاة

- ‌ باب

- ‌ بابالمواقيت

- ‌ بابتعجيل الصلاة

- ‌فصل

- ‌ بابالأذان

- ‌ بابفضل الأذان وإجابة المؤذن

- ‌ بابالمساجد ومواضع الصلاة

- ‌ بابالستر

- ‌ بابالسترة

- ‌ بابصفة الصلاة

- ‌ بابما يقرأ بعد التكبير

- ‌ بابالقراءة في الصلاة

- ‌(باب الركوع)

- ‌ بابالسجود وفضله

- ‌ بابالتشهد

- ‌ بابالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفضلها

- ‌ بابالدعاء في التشهد

- ‌ بابالذكر بعد الصلاة

- ‌ بابما لا يجوز من العمل في الصلاةوما يباح منه

- ‌ بابسجود السهو

- ‌ بابسجود القرآن

- ‌ بابأوقات النهي عن الصلاة

- ‌ بابالجماعة وفضلها

- ‌ بابتسوية الصف

- ‌ بابالموقف

- ‌ بابالإمامة

- ‌ بابما على الإمام

- ‌ بابما على المأموم من المتابعةوحكم المسبوق

- ‌ بابمن صلى صلاة مرتين

- ‌ بابالسنن وفضلها

- ‌ بابصلاة الليل

- ‌ بابما يقوله إذا قام من الليل

- ‌ بابالتحريض على قيام الليل

- ‌ بابالقصد في العمل

- ‌ بابالوتر

- ‌ بابالقنوت

- ‌ بابقيام شهر رمضان

- ‌ بابصلاة الضحى

- ‌ بابالتطوع

- ‌ بابصلاة التسبيح

- ‌ بابصلاة السفر

- ‌ بابالجمعة

- ‌ بابوجوبها

- ‌ بابالخطبة والصلاة

- ‌ بابصلاة العيد

- ‌فصلفي الأضحية

- ‌ بابصلاة الخسوف

- ‌فصلفي سجود الشكر

- ‌ بابالاستسقاء

- ‌فصلفي صفة المطر والريح

- ‌كتاب الجنائز

- ‌ بابعيادة المريض وثواب المرض

- ‌ بابتمني الموت وذكره

- ‌ بابما يقال لمن حضره الموت

- ‌ بابغسل الميت وتكفينه

- ‌ بابالمشي بالجنازة والصلاة عليها

- ‌ بابدفن الميت

- ‌ بابالبكاء على الميت

- ‌كتاب الزكاة

- ‌ باب

- ‌ بابما تجب فيه الزكاة

- ‌ بابصدقة الفطر

- ‌ بابمن لا يحل له الصدقة

- ‌ بابمن لا تحل له المسألةومن تحل له

- ‌كتاب الصوم

- ‌ باب

- ‌ بابرؤية الهلال

- ‌فصل

- ‌ بابتنزيه الصوم

- ‌ بابصوم المسافر

- ‌ بابصيام التطوع

- ‌فصل

- ‌ بابليلة القدر

- ‌ بابالاعتكاف

- ‌كتاب فضائل القرآن

- ‌ باب

- ‌فصل

الفصل: (1)   ‌ ‌كتاب الإيمان 1 - ‌ ‌ باب من الصحاح: 1 - 1 - قال عمر

(1)

‌كتاب الإيمان

1 -

‌ باب

من الصحاح:

1 -

1 - قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى

عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وأسند

ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه، فقال: يا محمد أخبرني

عن الإيمان، فقال: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله

واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " فقال: صدقت، قال:

فأخبرني عن الإسلام، قال: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن

محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة ووتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان،

وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " قال: صدقت، قال: فأخبرني

عن الإحسان، قال: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن

تراه فإنه يراك " قال: فأخبرني عن الساعة قال: " ما المسؤول عنها

ص: 25

بأعلم من السائل " قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: " أن تلد الأمة

ربتها وأن ترى الحفاة العراة العلة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان "

ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال لي:" يا عمر أتدري من السائل؟ "

قلت: الله ورسوله أعلم قال: " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر

دينكم " ورواه أبو هريرة رضي الله عنه وفي روايته: " وأن ترى الحفاة

العراة الصم البكم ملوك الأرض في خمس لا يعلمهن إلا الله: (إن الله

عنده علم الساعة وينزل الغيث) الآية.

(كتاب الإيمان)

(من الصحاح)

" قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ

طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر ولا يرى عليه

أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه

إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن

الإيمان، فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم

الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، فقال: صدقت، قال: فأخبرني

عن الإسلام، قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا

رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج

البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن

الإحسان، قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه

ص: 26

يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من

السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن

ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم

انطلق فلبثت مليا، ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت:

الله روسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ".

ورواه أبو هريرة وفي روايته: " وأن ترى الحفاة العراة الصم

البكم ملوك الأرض في خمس لا يعلمهن إلا الله: (إن الله عنده علم

الساعة وينزل الغيث) الآية [لقمان 34]

أي: الساعة معدودة من المغيبات الخمس التي ذكرت في القرآن،

كقوله تعالى: (إن الله عند علم الساعة) الآية.

" بينما " أصله: بين، و (ما) مزيدة معوضة عما يستحقه من

المضاف إليه، ولذلك لا يضاف، (بينا (مثله في المعنى، والألف فيه

حصلت من إشباع الفتحة، قال الشاعر:

فبيناه يشري نفسه قال قائل

لمن جمل رخو الملاط نجيب

والمعنى: بين أوقات أو أحوال نحن جالسون فيها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

زمان طلوع هذا الرجل، أي: بدوه وظهوره.

" الإيمان ": (إفعال) من الأمن بمعنى الطمأنينة، يقال: أمنته

وأمننيه فلان، ثم يقال: أمنته، أي: صدقته، وحقيقته: أمنته عن

ص: 27

التكذيب والمشاقة، وتعديته لتضمنه معنى أقر وأعترف.

و" الله " أصله: (إله) فحذفت همزته معوضا عنها حرف

التعريف، وكذلك قطع الألف وأدخل عليه حرف النداء، فقيل:

يا ألله و (الإله): فعال بمعنى المفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب،

من: أله إلاهة ، أي: عبادة، أو أله ألها، أي: تحير، فإن الفطن

يدهش في معرفة المعبود، والعقول تتحير في كبريائه، فغلب على

المعبود بحق، وأما (الله) فمختص به لا يقع على غيره، واختلف في

أنه وصف أو اسم، فمن زعم أنه اسم احتج بأن صفاته تعالى لا بد لها

من اسم تجري عليه، وسائر الألفاظ الجارية على الله صفات

بالاتفاق، ومن أنكر ذلك تمسك بأن ذاته من حيث هو غير معقول،

فلا يمكن وضع اللفظ له، والظاهر أنه من الصفات الغالبة ز

و (الملائكة) جمع: ملاك على الأصل، كالشمائل جمع: شمال

والتاء لتأنيث الجمع، مشتق من الألوكة بمعنى: الرسالة غلبت على

الجواهر العلوية النورانية المبرأة عن الكدورات الجسمانية، التي هي

وسائط بين الله تعالى والبشر.

و (كتبه): ما أنزل على أنبيائه صلوات الله عليهم، إما مكتوبا على

نحو ألواح، أو مسموعا من الله تعالى من وراء حجاب، أو من ملك

مشاهد مشافه أو مصوت هتاف، وأشار سبحانه إلى هذه الأقسام في

قوله: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا

فيوحي بإذنه ما يشاء) [الشورى 51] وإنما قدم ذكر الملك على الكتاب

ص: 28

والرسل اتباعا لترتيب الواقع، فإنه سبحانه أرسل الملك بالكتاب إلى

الرسول لا تفضيلا للملك عليهما.

والموجب لدخول الإيمان بها في مفهوم الإيمان الصحيح – مع أن

المقصود بالذات معرفة المبدأ والمعاد – أن الناس تنقسم إلى: فطن ذكي

يرى المعقولات كالمحسوسات، ويدرك الغائبات إدراك المشاهدات

ومنهم الأنبياء صلوات الله عليهم، وإلى من ليس هذا صفتهم، بل الغالب

عليهم متابعة الحس ومشايعة الوهم، والعجز عن التخطي إلى ما وراء

ذلك، وهم أكثر الخلق وعامة الناس.

فإذا: لا بد لهم من معلم يدعوهم إلى الحق، ويذودهم عن الزيغ،

ويكشف لهم الحقائق والمغيبات، ويحل عن عقولهم العقد والشبهات،

وما هو إلا النبي صلوات الله عليه، المبعوث لهذا الأمر، وهو – وإن كان

نافذ البصيرة، مشتعل القريحة، يكاد زيتها يضيء، ولو لم تمسسه نار –

يحتاج إلى نور يظهر له الغائبات إظهار نور الشمس للمشاهدات، وهو

الوحي والكتاب، ولذلك سمي القرآن: نورا.

ثم لا بد لهذا النور من حامل يحمله، وموصل يوصله، وهو

الملك المتوسط بين الله ورسوله، فالمرء لا يصير مؤمنا إلا إذا

تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم ما علمه وتحققه بإرشاد الكتاب الواصل غليه

بتوسط الملك، وهو أن له ولجميع ما يشار له في الحدوث والإمكان

صانعا واحدا واجب الوجود وفائض الجود، مقدسا عن سمة

الإمكان ووصمة النقصان.

ص: 29

وهنا أسرار دقيقة لا يتفطن لها إلا الأفراد من الصديقين.

و (اليوم الآخر) يوم القيامة، لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة

المحدودة، والمراد بالإيمان به: الإيمان بما فيه من البعث والحساب،

ودخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، إلى غير ذلك مما ورد النص

القاطع عليه.

و (القضاء): هو الإرادة الأزلية، والعناية الإلهية المقتضية لنظام

الموجودات على ترتيب خاص، و " القدر ": تلك الإرادة بالأشياء في

أوقاتها.

والقدرية قالوا: القضاء علمه تعالى بنظام الموجودات، وأنكروا

تأثير قدرة الله تعالى في أعمالنا وتعلق إرادته بأفعالنا، وزعموا أنها

واقعة بقدرتنا ودواع منا، فأثبتوا لنا قدرة مستقلة بالإيجاد والتأثير في

أفعالنا، كما هي ثابتة لله تعالى في أفعاله، ولذلك سماهم النبي صلى الله عليه وسلم:

مجوس هذه الأمة.

و" الإسلام ": هو الانقياد والإذعان يقال: سلم وأسلم واستسلم:

إذا خضع وأذعن، ولذلك أجاب عنه بالأركان الخمسة.

وهذا صريح بأن الأعمال خارجة عن مفهوم الإيمان، وأن الإسلام

والإيمان متباينان، كما أضشعر به قوله تعالى (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا

أسلمنا) [الحجرات: 14] وإليه ذهب أبو الحسن الأشعري رحمه الله.

وقال بعض المحدثين وجمهور المعتزلة: الإيمان والإسلام

عبارتان عن معبر واحد، وهو المجموع من التصديق بالجنان، والإقرار

ص: 30

باللسان والعمل بالأركان.

ويرد عليهم: أنه سبحانه عطف الأعمال الصالحة والانتهاء عن

المعاصي على الإيمان في مواضع لا تحصى، ولو كانت الأعمال

داخلة في الإيمان لما حسن ذلك. وعلى المحدثين خاصة أنه لو كان

كذلك للزم خلروج الفاسق بفسقه عن عداد المؤمنين، كما قاله

المعتزلة، ولكنهم أشد الناس إنكارا لهذه المقالة.

فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى {إن الدين عند الله الإسلام}

[آل عمران:19]{رضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة:3] (ومن يبتغ غير

الإسلام دينا فلن يقبل منه) [آل عمران: 85] فإن الإيمان لو كان مغايرا

للإسلام لم يكن عند الله دينا، ولما كان مرضيا ولا ومقبولا؟! وبقوله

عليه السلام:" الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا

الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "؟!

قلت: الآيات تدل على أن الشرائع والأعمال المغايرة للإسلام

غير مقبولة، ولا معتد بها، ولا يلزم من ذلك أن يكون ما ليس من قبيل

الأعمال كذلك، مع أن الآيتين الأوليين لا تفيدان الحصر، والإيمان

المذكور في الحديث مجاز، لأن إماطة الأذى عن الطريق ليس من

مفهوم الإيمان الحقيقي وفاقا، والتصديق القلبي ليس خارجا عنه.

والحديث أخرجه عن الشعب البضع والسبعين، إذ لو دخل فيه

لزم أن يكون القول أفضل من العقد، وليس كذلك.

ص: 31

ووجه التجوز: أن الإقرار اللساني يعرب عن التصديق النفساني

والعمل يصدقه من حيث إنه من ثمراته ونتائجه.

فإن قلت: فعلى هذا لا يزيد ولا ينقص، وقد قال تعالى {ويزداد

الذين آمنوا إيمانا} [المدثر:31]{فأما الذين آمنوا فزادهم إيمانا} [التوبة:124]

{ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [الفتح: 4]؟!

قلت: المعنى: أن تصديقهم يتضاعف بنزول آية بعد أخرى،

فإنهم لما كانوا مؤمنين بآية، ثم نزلت آية أخرى وآمنوا بها أيضا، تعدد

إيمانهم وازداد.

هذا وإن التصديق لو جاز فيه التقليد قبل التنقص والاشداد

ضعفا وقوة، وهو ظاهر، وكذا إن لم يجوز، لأنه يقوى برسوخه في

النفس بكثرة ممارسته وتعاضد أدلته والألف به، فإن له تأثيرا في

ذلك، وكثيرا ما لأجله يتشابه النظري بالضروري، وتتفاوت الأوليات

في الجلاء.

(وإقامة الصلاة): تعديل أركانها، من أقام العود: إذا قومه وسواه،

أو إدامتها والمحافظة عليها، من قامت السوق: إذا نفقت واستديمت،

والصلاة: (فعلة) من: صلى بمعنى دعا، أو حرك الصلوين، فإن المصلي

يفعله في ركوعه وسجوده، كالزكاة بمعنى: نما أو طهر، فإن المال يزيد

بأداء الزكاة ويطهر بها.

و (الصوم) في اللغة: الإمساك، و (الحج) هو القصد، فخصا

بهذين النوعين عن الإمساك والقصد، و (البيت) اسم جنس غلب

ص: 32

على الكعبة، وصار له مثل: النجم للثريا، والسنة لعام القحط.

و" الإحسان " ها هنا بمعنى: الإخلاص والجد في الطاعة، ولذلك

فسره بذلك، فإن من زاول طاعة الملك في حضرته كان أجد وأنشط في

عمله، وأطمع في معروفه، وأخوف من تأديبه على تقصيره وسوء

صنيعه، وذلك بسبب اطلاعه على حاله، وعلمه بأفعاله، لا لرؤية المطاع

إياه، وهو بمعنى قوله:" وإن لم تكن تراه فإنه يراك ".

والظاهر أن عدم التصديق عقب من هذا الجواب من إغفال بعض

الرواة، فإن مسلم بن حجاج – رحمه الله – رواه عن أبي هريرة رضي الله عنه وذكر

في طريقه عمر رضي الله عنه ، أنه قال – يعني عمر – بعد قوله:" فإنه يراك " في كل

ذلك يقول له:" صدقت " وبتقدير أن يكون من جبريل فسببه ظهور

الجواب وجلاؤه.

ومدة بقاء هذا العالم، وتعين الوقت الذي تقوم فيه الساعة، سر

استأثره الله بعلمه، لا يعرفه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولذلك قال

عليه الصلاة والسلام:" ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " أي:

تساويا في عدم العلم بها.

وقال في رواية أبي هريرة: " في خمس لا يعلمهن إلا الله "، أي:

الساعة معدودة في خمس، واستدل بقوله تعالى {إن الله عنده علم

الساعة} [لقمان: 34].

والحكمة في هذا السؤال والجواب: هو الفصل بين ما يمكن

معرفته ويحسن النظر فيه، وما لا يمكن ولا يفيد الخوض فيه والسؤال

ص: 33

عنه، والإقناط الكلي لمن يطمع التطلع.

و (الأمارة): العلامة، وتأنيث " ربتها " على تأويل النفس أو

النسمة، وقد روي:" ربها " هو ولد المستولدة عن السيد، وتسمية

" ربتها " إما لأجل أنه سبب عتقها، أو لأنه ولد ربها أو مولاها بعد

الأب، وذلك إشارة إلى قوة الإسلام، لأن كثرة السبي والتسري دليل

على استعلاء الدين واستيلاء المسلمين، وهي من الأمارات، لأن قوته

وبلوغ أمره غايته منذر بالتراجع والانحطاط المؤذن بأن القيامة ستقوم،

لامتناع شرع آخر بعد، إذ هو آخر الأديان والهدى، واستمرار عادته

سبحانه على أن لا يدع عباده أبدا سدى.

و" الحفاة " جمع: حاف، وهو الذي لا نعل له، من: حفي يحفى

حفية وحفاية، و" العراة " جمع عار، و" العالة " جمع: عائل، من:

عال بمعنى كثر عياله، أي: يغلب الأرذال، ويذل الأشراف، ويتولى

الرئاسة من لا يستحقها، ويتعاطى السياسة من لا يحسنها.

و" لبثت مليا "، أي: زمانا طويلا.

و" جبريل ": ملك يتوسط بين الله ورسله، ومن خواص الملك أن

يتمثل للبشر، فيراه جسما مشكلا محسوسا، ثم إن هذا المثل بقوة

ملكية، أو ملكية نفسانية؟ فيه خلاف، وتفاوت الحاضرين عند نزول

الوحي في ذلك دليل على الرأي الثاني، وتحقيق القول فيه تطويل

وعدول عن المقصود.

ص: 34

2 -

3 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها

إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ".

" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع

وسبعون شعبة، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن

الطريق، والحياء شعبة من الإيمان "

(البضع والبضعة) بكسر الباء: ما فوق الواحد دون العشرة،

وقيل: ما فوق الثلاثة، بدليل لحوق التاء به حالة التذكير والعراء عنها

حالة التأنيث، ولا يستعمل إلا مفردا أو نيفا للعشرات، فلا يقال:

بضع ومئة، ولا: بضع وألف، وهو من البضع بمعنى القطع،

ويرادفه: البعض. و (البضع والبضعة) بالفتح: القطعة من الشيء،

وفي الحديث: " فاطمة بضعة مني " والمرة من البضع.

و (الشعبة): الطائفة من الشيء، والغصن من الشجر، والجمع:

شعب، والشعب - بالكسر -: الطريق في الجبل، وبالفتح: القبيلة

العظيمة، والشعوبية: جيل العجم، وتشعب القوم: تفرقوا، فالتركيب

كما ترى دال على التفرق والانقسام.

قوله:" بضع وسبعون " يحتمل أن يكون المراد به التكثير دون

التعديد، كما في قوله تعالى {إن تستغفر لهم سبعين مرة} [التوبة:80]

ص: 35

واستعمال لفظة السبعة والسبعين للتكثير كثير، وذلك لاشتمال السبعة

على جملة أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى فرد وزوج، وكل منهما إلى

أول ومركب، والفرد الأول ثلاثة، والمركب خمسة، والزوج [الأول]

الاثنان، والمركب أربعة، وينقسم أيضا إلى منطف كالأربعة، وأصم

كالستة، والسبعة تشمل جميع هذه الأقسام، ثم إن أريد مبالغة جعلت

آحادها أعشارا.

وأن يكون المراد تعداد الخصال وحصرها، وبيانه: أن شعب

الإيمان – وإن كانت متعددة متبددة – إلا أن حاصلها يرجع إلى أصل

واحد، وهو تكميل النفس على وجه به يصلح معاشه ويحسن معاده،

وذلك بأن يعتقد الحق ويستقيم في العمل، وإليه أشار صلوات الله

عليه، حيث قال لسفيان الثقفي حين سأله في الإسلام قولا جامعا:

" قل آمنت بالله ثم اسقم ".

وفن الاعتقاد ينشعب إلى ست عشرة شعبة.

طلب العلم، ومعرفة الصانع، وتنزيهه عن النقائص وما يتداعى

إليها، والإيمان بصفات الإكرام مثل الحياة والعلم والقدرة، والإقرار

بالوحدانية، والاعتراف بأن ما عداه صنعه لا يوجد ولا يعدم إلا

بقضائه وقدره، والإيمان بملائكته المطهرة عن الرجس المعتكفين في

حظائر القدس، وتصديق رسله المؤيدين بالآيات في ادعاء البنوة،

ص: 36

وحسن الاعتقاد فيهم، والعلم بحدوث العالم، واعتقاد فنائه على

ما ورد به التنزيل، والجزم بالنشأة الثانية وإعادة الأرواح إلى الأجساد

والإقرار باليوم الآخر – أعني بما فيه من الصراط والحساب وموازنة

الأعمال وسائر ما تواتر عن الرسول صلوات الله عليه -، والوثوق على

وعد الجنة وثوابها، واليقين بوعيد النار وعقابها.

وفن العمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

أحدها: ما يتعلق بالمرء نفسه، وهو ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: ما يتعلق بالباطن، وحاصله: تزكية النفس عن الرذائل،

وأمهاتها عشرة: شره الطعام، وشره الكلام، وحب الجاه، وحب المال،

وحب الدنيا، والحقد، والحسد، والرياء، والعجب، وتحلية النفس

بالكمالات، وأمهاتها ثلاثة عشرة:

التوبة، والخوف، والرجاء، والزهد، والحياء، والشكر، والوفاء،

والصبر، والإخلاص، والصدق، والمحبة، والتوكل، والرضا بالقضاء،

وثانيهما: ما يتعلق بالظاهر، ويسمى: فن العبادات، وشعبها ثلاث

عشرة:

طهارة البدن عن الحدث والخبث، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة،

والقيام بأمر الجنائز، وصيام رمضان، والاعتكاف، وقراءة القرآن، وحج

البيت والعمرة، وذبح الضحايا، والوفاء بالنذور، وتعظيم الإيمان،

وأداء الكفارات.

ص: 37

وثانيها: ما يتعلق به، وبخواصه وأهل منزله، وشعبها ثمان:

التعفف عن الزنا ’ والنكاح، والقيام بحقوقه، وبالبر بالوالدين، وصلة الرحم، وطاعة السادة، والإحسان إلى المماليك والعتق.

وثالثها: ما يعم الناس وينوط به صلاح العباد، وشعبها سبع عشرة:

القيام بإمارة المسلمين واتباع الجماعة ومطاوعة أولي الأمر، والمعاونة على البر، وإحياء معالم الدين ونشرها، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحفظ الدين

بالزجر عن الكفر ’ومجاهدة الكفار، والمرابطة في سبيل الله، وحفظ النفس بالكف

عن الجنايات، إقامة حقوقها من القصاص والديات، وحفظ أموال الناس بطلب الحلال، وأداء الحقوق، والتجافي عن المظالم، وحفظ الأنساب وأعراض الناس بإقامة

حدود الزنا والقذف، وصيانة العقل بالمنع عن تناول المسكرات والمجننات بالتهديد

والتأديب عليه، ودفع الضرر عن المسلمين، ومن هذا القبيل: إماطة الأذى عن الطريق.

و"أدناها"أي: أقربها منزلة، وأدونها مقدارا، من الدنو بمعنى القرب، يقال: فلان داني القدر وقريب المنزلة كما يعبر بالبعيد عن ضد ذلك، يقال: فلان بعيد الهمة

بعيد المنزلة، بمعنى: الرفيع العالي، ولذلك استعمله في مقابلة الأعلى، و (الإماطة):الإبعاد،

ص: 38

من: ماط، أي: بعد، والدفع بمعنى المِيَاط.

و"الأذى": في الأصل مصدر، يقال: آذاه يؤذيه أذى وإيذاء وأذية،

فاستعمل فيما يؤذي مطلقا، ثم خص بالخبث والأوساخ، والمقصود

الظاهر منه: صيانة الطرق عما يؤذي المارة وينغص المرور.

و"الحياء ":تغير وانكسار يعتري المرء من خوف ما يلام به

ويعاب، مأخوذ من الحياة، يقال: حيى الرجل، كما يقال: نسي

وحشي، إذا اعتلت النسا والحشا، وكأن الحيي صار لما يعتريه من التغير

والانكسار متنقص الحياة منتكس القوى، ولذلك قيل: مات حياء،

وجمد في مكانه خجلا، وإنما أفرده بالذكر لأنه كالداعي والباعث إلى

سائر الشعب، فإن الحيي يخاف فضاحة الدنيا والآخرة، فينزجر عن المعاصي

ويتثبط عنها.

3 -

5 - وقال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه والده وولده

والناس أجمعين "،رواه أنس.

"عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن

أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ".

المراد بالحب ها هنا ليس الحب الطبيعي التابع للميول والشهوات

النفسانية، فإنه خارج عن حد الاخيار والاستطاعة، بل الحب العقلي

الذي هو: إيثار ما يقتضي العقل رجحانه ويستدعي

ص: 39

اختياره، وإن كان على خلاف الهوى.

ألا ترى أن المريض يعاف الدواء وينفر عنه بطبعه، ويميل إليه باختياره

ويهوى تناوله بمقتضى عقله، لما علم أو ظن أن صلاحه فيه؟!

فالمرء لا يؤمن إلا إذا تيقن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه

صلاح عاجلي، أو خلاص آجلي، وأنه آخذ بحجزه يكفه عن النار من غير

غرض وتوقع عوض.

وقد علم أن الوالد كان غرضه في ابتداء أمره قضاء وطره، وغاية

صمته في كفالته أيام صغره أن يكون ردءا له في كبره، وخلفا له بعد

عمره، وولده إن بر به، فبره أداء لما عليه من سوابق الأيادي والنعم.

وإذا علم ذلك علم قطعا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطف الناس عليه وأنفعهم له،

بل الشفيق الحقيقي هو لا غير، وحينئذ يقضي العقل بترجيح جانبه ولزوم

طاعته، فثبت أن المرء لا يؤمن ولا يعتد بإيمانه حتى يقتضي عقله ترجيح

جانب الرسول صلى الله عليه وسلم على ما سواه من المخلوقات، وهذا أول درجات الإيمان

وكفايتها، وكمالها: أن تتمرن نفسه ويرتاض طبعه، بحيث يصير هواه تبعا

لعقله، مذعنا لأمر [هـ] ،مساعدا على تحصيل فضائله، فيطاوع الرسول صلى الله عليه وسلم

ويرجح جانبه بعقله وطبعه، ويصير الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه عقلا وطبعا،

والإيمان به والإذعان لحكمه ملائما لنفسه موافقا لطبعه، ويلتذ به التذاذا

عقليا، إذ اللذة إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، [لا]

من حيث إنه

ص: 40

مطعوم أو منكوح، ألا ترى أنه قد يشتهي تارة، ويعاف عنه أخرى،

وأن صاحب الجاه كثيرا ما يعرض عن المطاعم الشهية والمناكح البهية

مراعاة لحشمته، وهي وإن لم تكن من المحسوسات فهي من اللذائذ

الخسيسة الحيوانية، وليست بينها وبين اللذائذ العقلية الأبدية – سيما

الكمالات الإيمانية والحالات الوجدانية التي تعرض لأولياء الله المقربين

- نسبة يعتد بها، والشارع – صلوات الله عليه – عبر عن هذه الحالة

بالحلاوة، لأنها أطهر اللذائذ الحسية.

****

4 – 6 – وقال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان

الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله،

ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في

النار " رواه أنس.

" فيما روي أنه قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله

ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره

أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار "

وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان المحصل لتلك اللذة،

لأنه لا يتم إيمان امريء حتى يتمكن في نفسه أن المنعم بالذات والقادر

على الإطلاق هو الله تعالى، ولا مانح ولا مانع سواه

ص: 41

وما عداه وسائط ليس لها في حد ذاتها إضرار ولا إنفاع، وأن الرسول

- صلوات الله عليه – هو العطوف الحقيقي، الساعي في إصلاح شأنه

وإعلاء مكانه، وذلك يقتضي أن يتوجه بشراره نحوه، ويحب ما يحبه،

لكونه وسطا بينه وبينه، وأن يتيقن أن جملة ما وعد به وأوعد حق لا يحوم

الريب حوله يقينا يخيل إليه الموعود كالواقع، والاشتغال بما يؤول إلى الشيء

ملابسة به، فيحب مجالس الذكر رياض الجنة، وأكل مال اليتيم أكل النار،

والعود إلى الكفر إلقاء في النار، فيكرهه كما يكره أن يلقى في النار.

فإن قلت: لم ثنى الضمير ها هنا، ورد على الخطيب قوله:"ومن عصاهما

فقد غوى " في حديث عدي بن حاتم، وأمره بالإفراد؟!

قلت: ثنى الضمير ها هنا إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين،

لا كل واحدة، فإنها وحدها ضائعة لاغية، وأمر بالإفراد في حديث عدي

إشعارا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، فإن قوله:"ومن

عصى الله ورسوله "- من حيث إن العطف في تقدير التكرير، والأصل فيه استقلال كل من المعطوف عليه في الحكم – في قوة قولنا: ومن عصى الله

فقد غوى، ومن عصى الرسول فقد غوى ولا كذلك قول الخطيب:

" ومن عصاهما فقد غوى ".

ص: 42

5 – 8 – وقال:" والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه

الأمة يهودي أو نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من

أصحاب النار " رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

" عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه قال عليه الصلاة والسلام:" والذي نفس

محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم

يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ".

"الأمة " جمع لهم جامع من دين أو زمان أو مكان أو غير ذلك، فأمة

محمد تطلق تارة ويراد بها: كل من كان مبعوثا إليهم وآمن به أو لم

يؤمن، ويسمون: أمة الدعوة، وتطلق أخرى ويراد بها: المؤمنون به

والمذعنون له، وهم أمة الإجابة، وهي ها هنا بالمعنى الأول بدليل قوله

:" ولم يؤمن بي " واللام فيها للاستغراق أو للجنس.

و" يهودي ولا نصراني " صفتان مقيدتان ل "أحد " أو بدلان عنه بدل

البعض عن الكل، واللام للعهد، والمراد بها أهل الكتاب، ويعضده

توصيف الأحد باليهودي والنصراني، والموجب لتخصيصهما دفع

التخصيص فيهما، والإشعار على سائر حال الكفرة بالوجه الآكد الأبلغ

، فإنه لما كان لمتوهم تخصيص ذلك لمن لم يكن أهل الكتاب، ويتوقع

للكتابي بسبب ما له من الإيمان بنبيه والاستسلام لشرعه خلاصا ونجاة =

نص على أنهم – وإن كانوا أصحاب شرع – فإنه لكونه منسوخا لا ينفعهم

ولا يغنيهم، ولا محيص لهم عن الإيمان

ص: 43

به والانقياد له، وإذا كان حال هؤلاء، وهم أولاد الأنبياء وأرباب

الأديان كذلك، فما ظنك بالمعطلة وعبدة الأوثان وأضرابهم؟!

وقولهم: لا يكون كذا إلا وكان – أو يكون – كذا، من المحرفات التي

تستعمل للإثبات الكلي، مثاله: لا يكون طير إلا ويكون له جناحان

أي: كل طير فله جناحان.

ومعنى الحديث: أن كل أحد من هذه الأمة يسمع بي وتتبين له معجزتي،

ثم لم يؤمن برسالتي ولم يصدقني في مقالتي، كان من أصحاب النار، سواء

الموجود ومن سيوجد.

****

6 – 9 – وقال:" ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه

وآمن بمحمد، والعبد المموك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل

كانت عنده أمة يطؤها، فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها

ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران " رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه.

" عن أبي موسى الأشعري أنه قال صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لهم أجران: رجل

من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد، والعبد المملوك إذا أدى حق

ص: 44

الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطؤها، فأدبها فأحسن تأديبها

وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران ".

المراد بالكتابي: نصراني تنصر قبل المبعث أو بلوغ الدعوة إليه وظهور

المعجزة لديه، ويهودي تهود قبل ذلك، إن لم تجعل النصرانية ناسخة

لليهودية، إذ لا ثواب لغيره على دينه، فيضاعف باستحقاقه ثواب

الإيمان به، ويدل على ذلك أن البخاري رضي الله عنه روى هذا الحديث وذكر

:" آمن بعيسى " بدل:"آمن بنبيه ".

ويحتمل إجراؤه على عمومه، إذ لا يبعد أن يكون طرآن الإيمان به

سببا لقبول تلك الأعمال والأديان وإن كانت منسوخة، كما ورد في

الحديث أن مبرات الكفار وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم.

****

7 – 10 – وقال:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا

الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا

فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم

على الله، " رواه ابن عمر رضي الله عنه.

" عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى

يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة،

ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق

الإسلام، وحسابهم على الله ".

ص: 45

إذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " أمرت " فهم منه أن الله تعالى أمره، وإذا

قاله الصحابي فهم منه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره، فإن من اشتهر بطاعة رئيس

إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره، وإنما خص الصلاة والزكاة

بالذكر والمقاتلة عليهما أيضا بحق الإسلام، لأنهما أما العبادات البدنية

والمالية، والعيار على غيرهما والعنوان له، ولذلك سمى الصلاة

" عماد الدين " والزكاة: " قنطرة الإسلام "، وأكثر الله سبحانه ذكرهما

مقترنتين في القرآن.

وقوله:" وحسابهم على الله " أي: فيما يسرون به من الكفر والمعاصي

، والمعنى: إنا نحكم عليهم بالإيمان، ونؤاخذهم بحقوق الإسلام،

بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم، والله سبحانه يتولى حسابهم، فيثيب

المخلص، ويعاقب المنافق، ويجازي المسر بفسقه أو يعفو عنه.

8 – 11 – وقال: " من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا،

فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته ".

رواه أنس رضي الله عنه.

" عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من صلى صلاتنا، واستقبل

قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا

تخفروا الله في ذمته ".

ص: 46

إنما لم يذكر سائر الأركان استغناء بالصلاة التي هي عنوان الإسلام،

وإيذانا بأن الواجب أن يكتفى بما يظهر من طلاء الدين وأمارات الإيمان

، وتفوض سرائرهم إلى عالم الغيوب.

وأضاف الصلاة احترازا عن صلاة اليهود والنصارى وسائر أرباب الملل،

وإنما ذكر استقبال القبلة – والصلاة متضمنة لها – لأنه أعرف وأشهر،

فإن كل أحد يعرف قبلتهم، ولا كذلك صلاتهم، وإن قبلتنا لا تلابس

قبلتهم، والصلاة تتشابه في كثير من أعمالها، ثم لما ميز المسلم عن غيره

باعتبار العبادات عقبه بذكر ما يوجب ذلك عادة، وقال:"وأكل ذبيحتنا".

و (الذمة): الأمان، وأذمه: أجاره، أي: له أمان الله من نكال الكفار

وما شرع لهم من القتل والقتال، وخفر يخفر – بالكسر – خفرا فهو خفير

: إذا أجاره، وكذلك خفر يخفر تخفيرا.

قال أبو جندب الهذلي:

يخفرني سيفي إذا لم أخفر

والخفرة – بالضم -: الذمة. وأخفرته يجيء للتعدية إلى مفعول ثان

بمعنى: جعلت له خفيرا، وللسلب بمعنى: غدرت به ونقضت عهده،

وعليه معن قوله:" ولا تخفروا الله في ذمته " أي: لا تعاملوه

ص: 47

معاملة الغادر في نقض عهده واغتيال مؤمنه.

****

9 – 14 - عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: جاء رجل من أهل نجد

ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو

يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خمس صلوات في اليوم

والليلة "، فقال: هل علي غيرهن؟ فقال: " لا إلا أن تطوع "،

قال: " وصيام شهر رمضان "، قال: هل علي غيره؟ قال: "لا إلا أن

تطوع "، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟

فقال: " لا إلا أن تطوع ". قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد

على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أفلح الرجل إن صدق ".

(النجد): ما ارتفع من الأرض، والأراضي الواقعة بين تهامة والعراق

سميت بها لارتفاعها على أراضي تهامة.

" ثائر الرأس ": منتشر شعر الرأس، من: ثار الغبار يثور ثورا وثورانا.

و (دوي الصوت): حفيفه.

وقوله:" فإذا هو يسأل عن الإسلام " معناه: يسأل عن شرائع الإسلام

وأصول أعماله، ولذلك لم يتعرض للشهادة في جوابه، وهذا

ص: 48

إذا قلنا: إن الحديث مغاير لما روى أبو هريرة، وإن قلنا باتحادهما

- كما قاله بعض أصحاب الحديث – فلا حاجة إلى هذا التأويل

ويكون عدم ذكر الشهادة في هذه الرواية لنسيان الراوي أو ذهوله

عنه.

فإن قلت: كيف يصح القول بالاتحاد، وقد أبرم الحكم بالفلاح

في رواية أبي هريرة، وقال:" من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة

فلينظر إلى هذا "، وعلق في هذه الرواية بصدقه؟!

قلت: لعله – عليه السلام – علق أولا بحضرة السائل لئلا يتكل،

أو قبل نزول الوحي فيه والاطلاع على صدقه، ثم أخبر الحاضرين

بذلك، فاقتصر كل واحد من الراويين على نقل أحدهما لذهوله، أو

نسيانه للآخر.

وينبغي لك أن تعلم أن الحديث الواحد إذا رواه راويان، واشتملت

إحدى الروايتين على زيادة، فإن لم تكن مغيرة لإعراب الباقي قبلت،

وحمل ذلك على نسيان الآخر أو ذهوله أو اقتصاره بالمقصود في صورة

الاستشهاد، وإن كانت مغيرة مثل:"في أربعين شاة نصف شاة "

تعارضت الروايتان، وتعين طلب الترجيح.

فإن قلت: كيف قرره الرسول – صلوات الله عليه – على حلفه هذا،

وقد جاء النكير على من حلف أن لا يفعل خيرا، والنهي عنه في قوله

تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا} [البقرة:224]؟!

ص: 49

قلت: المنع عما كان هن عناد أو مراء، ولا شك أن ترك النوافل جائز،

والحلف على المباح غير محرم، وما كان كذلك فالتقرير عليه جائز، ولهذا الكلام محمل آخر، وهو أن السائل كان رسولا، فحلف أن لا يزيد في الإبلاغ على ما سمعت ولا أنقص

****

10 – 15 – وعن ابن عباس أنه قال:" إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم

قال:"من القوم – أو من الوفد؟ "، قالوا: ربيعة، قال: " مرحبا بالقوم –

أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى "، قالوا: يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن

نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من مضر، فمرنا بأمر

فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة، فأمرهم

بأربع، ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، فقال: أتدرون ما

الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا

الله وأن محمدا رسول الله ’ وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان،

وأن تعطوا من المغنم الخمس "، ونهاهم عن أربع: عن الحنتم، والدباء،

والنقير، والمزفت، وقال:" احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم ".

" الوفد " جمع وافد، من: وفد فلان على السلطان، بمعنى:

ص: 50

ورد عليه رسولا إليه، وعبد القيس من ربيعة، وهي قبيلة عظيمة من

قبائل العرب، ومضر في مقابلتهم.

ولفظة "أو" شك من الراوي، و"مرحبا" مأخوذ من: رحب رحبا – بالضم –

إذا وسع، وهو من المفاعيل المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره، والمعنى:

أتيتم رحبا وسعة.

و"غير " حال عن (الوفد) أو (القوم) ، والعامل فيه الفعل المقدر.

و"خزايا ": جمع خزيان، من: خزي بمعنى ذل.

و" ولا ندامى " معناه: ولا نادمين، وغير مراعاة لمطابقة قوله:"غير خزايا ".

وكان العرب في جاهليتهم يعظمون الأشهر الحرم، ويستعظمون القتال فيها

والانتهاب، واستقر ذلك في بدء الإسلام، ثم نسخ.

و (الأمر الفصل) هو المحكم الواضح الذي لا إجمال فيه.

والظاهر أن الأمور الخمسة تفسير للإيمان، وهو أحد أربعة المأمور بها،

والثلاثة الباقية حذفها الراوي نسيانا أو اختصارا.

ويحتمل أن يقال:" أمرهم بالإيمان " ليس تفسير لقوله:" أمرهم بأربع "

بل هو مستأنف، وتفصيله الأربعة المذكورة بعد الشهادة، و"إقام الصلاة "،

: خبر مبتدأ محذوف، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: أمرهم بالإيمان

بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:

شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد

ص: 51

رسول الله، وأمرهم عقيب ذلك بأربع ونهاهم عن أربع، والمأمورات

الأربع: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وإعطاء الخمس.

و" الحنتم " الجرة الخضراء، و" الدباء " بضم الدال: القرع، و"النقير ":

أصل الخشب ينقر، فينبذ فيه، و" المزفت ": المطلي بالزفت وهو القير،

والمقصود بالنهي ليس استعمالها مطلقا، بل التنقيع فيها والشرب منها

ما يسكر، وإضافة الحكم إليها إما لاعتيادهم استعمالها في المسكرات،

أو لأنها أوعية تسرع بالاشتداد فيما يستنقع فيها، فلعلها تغير النقيع

في زمان قريب ويتناوله صاحبه على غفلة، بخلاف السقاء، فإن التغير

إنما يحدث فيه على مهل ومرور زمان فلا يخفى.

والدليل على هذا: ما روى أنه – عليه السلام – قال: نهيتكم عن النبيذ، إلا

في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا ".

11 -

16 – وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله

عصابة من أصحابه:" بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا،

ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في

معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب

في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله عليه فهو إلى الله،

إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك ".

ص: 52

" وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من

أصحابه: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا

أولادكم، ولا تأتون ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف،

فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو

كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه،

وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك ".

(العصابة): الجماعة من العصب، ومنه: العصب، لأنه يشد الأعضاء بعضها ببعض.

و (المبايعة): المحالفة والمعاهدة، شبهت بالمعاملة وومبايعتهم إياه: إلتزام طاعته وبذل

الوسع في امتثال أوامره وأحكامه، ومبايعته إياهم: الوعد بالثواب على ذلك.

و (البهتان): الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، أي: يدهشه ويجعله متحيرا.

و (الافتراء): الاختلاق، والفرية: الكذب، كأنه أخذ من: الإفراء، الذي هو القطع

على وجه الإفساد، والفري: قطعه على جهة الإصلاح، وإنما أضاف إلى الأيدي

والأرجل لأنها العاملة، ولأن المفتري غالبا يكون من الأمور التي تحصل بمزاولة هذين

العضوين.

ص: 53

و (العصيان) في الأصل: الامتناع عن الشيء والتأبي عنه، ولهذا المعنى سمي العصا عصا،

وإجماع المسلمين عصا في قوله " وما شققت عصا المسلمين " وفي العرف يفيد الامتناع

عن المطاوعة، كما في قوله تعالى:{لا يعصون الله ما أمرهم} [التحريم:6] {ولا أعصي

لك أمرا} [الكهف: 69].

و (المعروف) في اصطلاح الشارع: ما عرف من الشرع حسنه، وبإزائه المنكر: هو ما

أنكره وحرمه.

و"ذلك " في قوله:" ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن

أصاب من ذلك شيئا، ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه،".

فيه إشارة إلى ما سبق سوى الشرك، فإنه لا يكفر بالقتل عليه، ولا يعفى عنه، والتنصيص

على تخيير المعاقبة والمعافاة دليل على المعتزلة، لأنهم يوجبون العقاب على الكبائر قبل

التوبة، ويحرمون التعذيب بعدها.

12 -

17 – وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى –

أو: فطر –إلى المصلى فمر على النسائ فقال:" يا معشر النساء تصدقن، فإني

أريتكن أكثر أهل النار "،

ص: 54

فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن "، قلن: وما نقصان

ديننا يا رسول الله؟ قال: " أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ "،

قلن: بلى، قال:" فذلك من نقصان عقلها "، قال:" أليس إذا حاضت لم تصل

،ولم تصم، قلن: بلى، قال:" فذلك من نقصان دينها ".

" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في أضحى – أو فطر – إلى

المصلى "، الحديث.

(المعشر): الجماعة، من: العشرة، بمعنى: المعاشرة والعشير: المعاشر، والمراد به

الزوج، و" من ناقصات ": صفة حذف موصوفها، أي: وما رأيت أحدا من ناقصات.

و (العقل): هو غريزة في نفس الإنسان يدرك بها المعاني الكلية، ويحكم ببعضها على

بعض، وهو رئيس القوى الإنسانية، وخلاصة الخواص النفسانية، ونور الله في قلب

المؤمن المعني بقوله: {مثل نوره} [النور:35] بدليل قراءة ابن مسعود: (مثل نوره

في قلب المؤمن) ، ولذلك سمي لبا وبصيرة.

و" أذهب ":أفعل تفضيل وقع صفة لمفعول " ما رأيت "، وقد نقل في بعض طرق

الحديث: " تجلس إحداكن شطر عمرها، فلا تصلي ولا تصوم "، وهو أوفق لما قبله

وأفيد، لأنه يدل على أن الحيض قد يتمادى خمسة عشر يوما، كما هو قول الشافعي

رضي الله عنه فإن

ص: 55

شطر الشيء نصفه، مأخوذ من أخلاف الناقة، فإن لها أربعة أخلاف: قادمان ومتأخران

،ويسمى كل خلفين: شطرا.

13 – 18 – وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، لم يكن له ذلك

وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول

الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد،

لم ألد ولم أولد، يكن لي كفوا أحد ".

وفي رواية:" فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولد "، رواه ابن عباس رضي الله عنه.

" عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه – عليه السلام – قال: قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم

يكن له ذلك " الحديث.

قوله:" وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته ": إشارة إلى برهان يحقق للعالم إمكان

الإعادة، وهو أن مواد البدن وصوره وما يتوقف عليه تحققه إن لم يمكن وجودها، لما وجدت أولا، وقد وجدت، وإن أمكن لم يمتنع لذاته، وهو محال، وتنبيه على تمثيل يرشد العامي:

وهو أنا نرى في الشاهد أن من عمد إلى اختراع صنعة لم ير مثلها ولم

ص: 56

بجد لها عددا وموادا صعب عليه ذلك، وتعب فيها تعبا شديدا، وافتقر إلى مكابدة

أفعال ومعاونة أعوان ومرور أزمان، ومع ذلك فكثيرا ما لا يستتب له الأمر ولا يتم له

المقصود، ومن أراد إصلاح منكسر وإعادة منهدم ركبه وبناه، وكانت العدد حاصلة

، والمواد باقية هان عليه ذلك وسهل جدا، فيا معشر الغواة! كيف تحيلون إعادة

أبدانكم، وأنتم معترفون على جواز ما هو أصعب منها؟! بل هو كالمتعذر بالنسبة إلى

قدركم وقواكم، وأما بالنسبة إلى قدرته تعالى فلا سهولة ولا صعوبة، يستوي عنده تكوين

بعوض طيار وتخليق فلك دوار، كما قال عز اسمه " {وما أمرنا إلا واحدة كلمح

بالبصر} [القمر:50].

و (الشتم): توصيف الشيء بما هو إزراء ونقص به، وإثبات الولد له كذلك، لأنه

قول بمماثلة الولد له في تمام حقيقته، وهي مستلزمة للإمكان المتداعي إلى الحدوث

،ولأن الحكمة في التوالد استحفاظ النوع، إذ لو كانت العناية الأزلية مقتضية بقاء

أشخاص الحيوان، لاستغنى عن التناسل استغناء الأفلاك والكواكب عنه، فلو كان الباريء

تعالى متخذا ولدا لكان مستخلفا خلفا يقوم بأمره بعد عصره، تعالى عن ذلك علوا كبيرا،

كما قال:" سبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا! ".

14 – 19 – وقال:" قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر،

أقلب الليل والنهار ". رواه أبوهريرة رضي الله عنه.

ص: 57

" عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه قال عليه السلام: قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم " الحديث.

من عادة الناس إسناد الحوادث والنوازل إلى الأيام والأعوام وسبها، لا من حيث إنها

أيام وأعوام، بل من حيث إنها أسباب تلك النوائب، وموصلتها إليهم على زعمهم

وحسبانهم، فهو في الحقيقة ذموا فاعلها وعبروا عنه بالدهر، فالباري تعالى في الحقيقة

هو المعني بالدهر في شتمهم، وهو معنى قوله:" أنا الدهر "، لا أن حقيقته حقيقة الدهر.

ولإزاحة هذا الوهم الزائغ أردف ذلك بقوله:" أقلب الليل والنهار "، فإن مقلب الشيء

ومغيلاه لا يكون نفسه.

وقيل: فيه إضمار، والتقدير: أنا مقلب الدهر والمصرف فيه، والمعنى: إن الزمان

يذعن لأمري، لا اختيار له، فمن ذمه على ما يظهر فيه صادرا مني فقد ذمني، فإني

الضار والنافع، والدهر ظرف لا أثر له، ويعضده نصب (الدهر) في رواية على أنه

ظرف متعلق بقوله: (أقلب) ، والجملة خبر مبتدأ.

15 – 21 – وقال:" قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن

نازعني واحدا منها أدخلته النار "، رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

ص: 58

" وعنه: أنه قال عليه السلام: قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري

،فمن نازعني واحدا منها أدخلته النار ".

" الكبرياء " فعلياء كجرباء بمعنى: الكبر وهو الترفع على الغير، بأن يرى لنفسه

شرفا عليه، و" العظمة ": أن يكون الشيء في نفسه كاملا شريفا مستغنيا، فالأول

أرفع من الثاني، ولذلك مثله بالرداء، فكبرياء الله تعالى – والعلم عنده -: ألوهيته

التي هي عبارة عن استغنائه عما سواه واحتياجه إليه، وعظمته: وجوبه الذاتي الذي

هو عبارة عن استقلاله واستغنائه عن الغير، فإنما مثلهما بالرداء والإزار إدناء للمتوهم

من المشاهد، وإبرازا للمعنى المعقول في صورة المحسوس، فكما لا يشارك الرجل في

إزاره وردائه، ويستقبح طلب الشراك فيهما، لا يمكن مشاركة الباري تعالى في

هذين الوصفين، فإنه الكامل المنعم المستغني المتفرد بالبقاء، وما سواه ناقص محتاج

على صدد الفناء، كما قال تعالى:{كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص:88].

فكل مخلوق استعظم نفسه واستعلى على الناس فهو مزور ينازع رب العزة في حقه،

مستوجب لأقبح نقمه وأفظع عذابه، أعاذنا الله منه ومن موجباته.

ص: 59

16 – 23 – وعن معاذ رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، ليس بيني

وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: " با معاذ! هل تدري ما حق الله على العباد؟

وما حق العباد على الله؟ ، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " فإن حق الله على

العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من

لا يشرك به شيئا "، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس؟ قال: لا، فيتكلوا ".

"عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، ما بيني وبينه

إلا مؤخرة الرحل، فقال: يا معاذ! هل تدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد

على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه لا

يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، فقلت:

يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا فيتكلوا ".

(الردف): الرديف التابع، وقوله تعالى:{ردف لكم} [النمل:72] أي: تبعكم

من: الردف وهو العجز، و" مؤخرة الرحل ": آخرته.

والحق الثابت: تحقق العبادة على العباد قضية أمره المحتوم، وتحقق الثواب على الله

مقتضى وعده المصدق، لا إيجاب العقل علينا شكرا لإنعامه، وعليه سبحانه إثابة

لمساعي عبيده كما زعمته المعتزلة، فإن البراهين قاطعة على فساد ذلك، كما بيناه

في الكتب الأصولية.

ص: 60

فإن قلت: كيف ذكر هذا الحديث، والرسول – صلوات الله عليه – منع منه؟!

قلت: لعله كان في بدء الإسلام حينما كان الكسل بعد مستوليا على الطباع، ولم

تتمرن النفوس على الطاعات، ولم تتيقظ للرموز والإشارات، ولم تتنبه بأن الإيمان

لا يتم، ولا يكمل إلا بأن يتدرع بلباس التقوى، والتجافي عن اقتفاء الهوى، أو:

قبل ورود الأمر بالتبليغ والوعيد على الكتمان والتضييع، ويؤيد ذلك ما روي أنه

رواه آخر عمره تأثما.

17 – 25 - وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم

،ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: " ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك

، إلا دخل الجنة "، قلت: وإن زنى، وإن سرق، قال:" وإن زنى وإن سرق "،

قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن ونى وإن سرق "، قلت: وإن زنى وإن سرق؟

قال: " وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر "، وكان أبو ذر إذا حدث بهذا

الحديث قال: وإن رغم أنف أبي ذر.

" عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه ثوب أبيض " الحديث.

ص: 61

"رَغِم": لصق بالرغام، وهو التراب، يستعمل هذا التركيب مجازا بمعنى: كره، من

باب إطلاق اسم السبب على المسبب، أو الاستعارة، فإن حصول المكروه يشارك

رغم الأنف في الهوان.

والحديث دليل على أن الكبائر لا تسلب اسم الإيمان، فإن من ليس بمؤمن لا يدخل

الجنة وفاقا، وأنها لا تحبط الطاعات، لأنه – عليه السلام – عمم الحكم ولم يفصل،

فلو كانت الكبائر محبطة على طريق الموازنة أو غيره لزم أن لا يبقى لبعض الزناة شيء

من الطاعات. والقائل بالاحباط يحيل دخول الجنة لمن هذا شأنه، وإن أرباب الكبائر

من أهل القبلة لا يخلدون في النار.

18 – 26 – وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ،عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من شهد أن لا إله

إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله

وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق = أدخله الله

الجنة على ما كان من العمل ".

" عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده

لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله " الحديث.

ذكر عيسى – صلوات الله عليه – تعريضا للنصارى، وإيذانا بأن إيمانهم مع القول بالتثليث

شرك محض لا يخلصهم عن النار، أو

ص: 62

لأنهم كانوا حضورا.

والكلمة: اللفظ الدال على معنى مفرد بالوضع، وقد يطلق على مركبات لها وحدة

اجتماعية – كما يقال: كلمة الحويدرة، لقصيدته – متسقة، من الكلم بمعنى الجرح،

لأنها مؤثرة في النفس كما يؤثر الجرح في البدن، وإنما سمي عيسى كلمة الله لأن خلقه

من غير ماء ونطفة يشبه إيجاد الإبداعات المحصلة لمجرد تعلق الإرادة والأمر، كما قال

تعالى: {إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس:82].

أو: لأنه تكلم في غير أوانه، [فسمي بالكلمة لذاته فصاحته وفرط استغراب الكلام منه،

كما سمي العادل] بالعدل، والمواظب على الصوم بالصوم، وما يتعجب منه بالعجب،

وأضيف إلى الله تعظيما له، أو: لأن كلامه كان خارقا للعادة خارجا عما عليه البشر.

وقوله: " ألقاها إلى مريم " معناه: أوصلها إليها وأوجدها فيها.

" وروح منه " أي: مبتديء منه، فإن سائر الأرواح

ص: 63

أجسام سارية في البدن، ولا كذلك روحه وروح آدم صلوات الله عليهما، فإنه تعالى

خلقهما بلا توسط أصل وسبق مادة، ولا ما يشابه ذلك، فلهذا خصهما الله تعالى بهذا

الفضل وأضافهما إلى نفسه، فقال:{فنفخنا فيها من روحنا} [الأنبياء:91] ،

وقال: {ونفخت فيه من روحي} [ص:72].

ولعله سمي روحا لأن الله تعالى أحيا به الأموات كما أحيا بالأرواح الأبدان.

وأفرد " الحق " لأنه مصدر، أو على تأويل: كل واحد.

وقوله:" أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " دليل على المعتزلة في مقامين:

أحدهما: أن العصاة من أهل القبلة لا يخلدون في النار، لعموم قوله:" من شهد ".

وثانيهما: أنه تعالى يعفو عن السيئات قبل التوبة واستيفاء العقوبة، لأن قوله:"على

ما كان من العمل " حال من قوله:" أدخله الله الجنة "، كما في قولك: رأيت فلانا

على أكله، أي: آكلا، ولا شك أن العمل غير حاصل حينئذ، بل الحاصل حال إدخاله

استحقاق ما يناسب عمله من الثواب والعقاب، ولا يتصور ذلك في حق العاصي الذي

مات قبل التوبة إلا إذا أدخل قبل استيفاء العقوبة.

فإن قلت: ما ذكرت يستدعي أن لا يدخل النار أحد من العصاة؟!

ص: 64

قلت: اللازم عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم دخول النار، لجواز أن يعفو عن

بعضهم بعد الدخول وقبل استيفاء العذاب، هذا وليس يحتم عندنا أن يدخل النار أحد من الأمة، بل العفو عن الجميع بموجب وعده، حيث قال: {إن الله لا يغفر أن يشرك به

ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] وقال: {يغفر الذنوب جميعا} [الزمر:53].

19 – 27 – وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت له: ابسط يمينك

فلأبايعك، فبسط يمينه، فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ " قلت: أردت

أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ " قلت: أن يغفر لي، قال: "أما علمت يا عمرو

! أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم

ما كان قبله؟ "، فبايعته.

" قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم " الحديث.

المراد بـ"ما قبله ": ما سبق من كفر وعصيان، وما ترتب عليهما من العقوبات التي هي

من حقوق الله تعالى، فأما حقوقه المالية ككفارة

ص: 65

الأيمان فلا تنهدم بالهجرة والحج، وفي الإسلام خلاف، أما حقوق العباد فلا تسقط بالحج

والهجرة إجماعا، ولا بالإسلام لو كان المسلم ذميا، وكذا لو كان حربيا وكان الحق ماليا.

من الحسان:

20 – 28 – عن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة،

ويباعدني عن النار، قال:" لقد سألت عن عظيم،،وإنه ليسير على من يسره الله عليه،

: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج

البيت "، ثم قال: " ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفيء الخطيئة

كما يطفيء الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل " ثم تلا:" {تتجافى جنوبهم عن

المضاجع} حتى بلغ {يعلمون} ، ثم قال:"ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ "

قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه

الجهاد "، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ "، قلت: بلى يا نبي الله! فأخذ بلسانه

وقال: " كف عليك هذا "، فقلت: يا نبي الله! إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "

ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم – أو: على مناخرهم –

إلا حصائد ألسنتهم؟ ".

ص: 66

(الحديث من الحسان)

" عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة "الحديث.

" يدخلني ": مرفوع واقع في حيز الصفة، وإن صح الجزم فيه كان جزاء الشرط محذوفا

، تقديره: أخبرني بعمل إن عملته يدخلني الجنة، والجملة الشرطية بأسرها صفة لـ"عمل "

أو جوابا للأمر، وتقديره: إن إخبار الرسول – صلوات الله عليه – لما كان وسيلة إلى عمله، وعمله ذريعة إلى دخول الجنة، كان الإخبار سببا بوجه ما لإدخال الجنة، ونظيره قول من

يسأل منك شيئا: إن تعطيني دينارا كفاني اليوم.

وقوله:" وإنه ليسير على من يسره الله عليه " إشارة إلى أن أفعال العباد واقعة بأسباب

ومرجحات تفيض عليهم من عنده، وذلك إن كان نحو طاعة سمي: توفيقا ولطفا، وإن

كان نحو معصية سمي: خذلانا وطبعا.

و (الجنة) بالضم: الترس، وبالكسر: الجنون، وبالفتح: الشجر المظل، قال الشاعر:

تسقي جنة سحقا

أي: نخلا طويلا.

ص: 67

وأطلق على البستان لما فيه من الأشجار، وعلى دار الثواب لما فيها من البساتين، وثلاثتها

مأخوذ من: الجن بمعنى الستر، وإنما جعل الصوم جنة لأنه يقمع الهوى ويردع الشهوات

التي هي من أسحة الشياطين، فإن الشبع محبلة للآثام منقصة للإيمان، ولهذا قال عليه

السلام: " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه "، فإن من ملأ بطنه انتكست بصيرته وتشوشت

فكرته، لما يستولي على معادن إدراكه من الأبخرة الكثيرة الصاعدة من معدته إلى دماغه،

فلا يتأتى له نظر صحيح. ولا يتفق له رأي صالح، ولعله يقع في مداحض فيزيغ عن الحق

كما أشار إليه – صلوات الله عليه – في قوله:"لا تشبعوا، فتطفئوا نور المعرفة من قلوبكم "

وغلب عليه الكسل والنعاس، فيمنعه عن وظائف العبادات، وقويت قوى بدنه وكثرت

المواد والفضول فيه، فينبعث غضبه وشهوته، ويشتد شبقه لدفع ما زاد على ما يحتاج إليه بدنه

، فتوقعه بسبب ذلك في المحارم.

و"صلاة الرجل ": مبتدأ خبره محذوف، تقديره: وصلاة الرجل في جوف الليل كذلك

أي: تطفيء الخطيئة، أو: هي من أبواب الخير، والأول أظهر، إذ الآية التي استشهد بها

نظمها في سلك واحد.

وإنما جعل هذه الثلاثة أبواب الخير لأن المرء إذا تصدق وصلى

ص: 68

في جوف الليل انطفأ ما سلف من الخطايا، وإذا صام واعتاد قلة الأكل والشرب انقمعت

شهواته، وانقلعت مواد الذنوب من أصها، وحينئذ دخل في الخير من كل وجه، وأحاطت

به الحسنات.

و"رأس الأمر ": أصله، ألا ترى أنه فسر بالإسلام؟ و" عموده ": ما يقوم به ويعتمد عليه،

ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام:" الصلاة عماد الدين " ولأنها العمل العام الدائم

الظاهر الفارق بين المؤمن والكافر.

و" ذروة السنام ": أعلاه، ولا ريب في علو أمر الجهاد وتفوقه على سائر الأعمال.

و (ملاك الشيء): أصله ومبناه، وأصله ما يملك به كنظام.

وقوله:" كف عليك " أي: كف عليك لسانك، فلا تتكلم بما لا يعنيك، فإن من كثر

كلامه كثر سقطه وومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ولشره الكلام مفاسد يطول إحصاؤها.

أو: لا تتكلم بما يهجس في نفسك من الوساوس، فإنك غير مأخوذ به ما لم يظهر، لما روى

أبو هريرة أنه قال عليه السلام:" إن الله تعالى تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها

ما لم تعمل ". أو: لا تتكلم – أو: لاتتفوه – بما ستره الله عليك، فإن التوبة عنه أرجى

قبولا ووالعفو عنه أرجى وقوعا.

و" ثكلتك أمك ": فقدتك، والثكل: موت الولد وفقد الحبيب، وهذا وأمثاله أشياء

مزالة عن أصلها إلى معنى التعجب وتعظيم الأمر.

ص: 69

و" ويكب ": مضارع كبه بمعنى: صرعه على وجهه فأكب، وهذا من النوادر.

و (الحصائد): جمع حصيد بمعنى: محصود، من: حصد الزرع، واستعير للكلام

المتنوع المتفرق.

21 – 31 – وقال:" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه

الناس على دمائهم وأموالهم، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر

الذنوب "، رواه فضالة بن عبيد رضي الله عنه.

" عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه: أنه عليه السلام قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه

ويده " الحديث.

من لم يراع حكم الله تعالى في ذمام المسلمين والكف عنهم لم يكمل إسلامه، ومن لم يكن

له جاذبة نفسانية إلى رعاية الحقوق وملازمة العدل فيما بينه وبين الناس فلعله لا يراعي

ما بينه وبين الله تعالى، فيخل بإيمانه، والمقصود الأعظم من الجهاد: تكميل من يحاربه

كرها، ليصير الكمال بالتدرج له طباعا وخلقا، لا قتله وأسره، ولذلك يصحح الإيمان

حالة الإكراه لا غير.

فالواجب على المجاهد: أن يقبل على نفسه أولا ويجاهد معها،

ص: 70