الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويستكمل فضائلها، فإن حقها آكد، والشفقة عليها أليق، كما جاء في الأخبار:"
أنه سبحانه أوحى إلى المسيح صلوات الله عليه: عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس،
وإلا فاستحيي مني "، ولذلك سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد الأكبر.
والحكمة في الهجرة أن يتمكن المرء من الطاعة بلا مانع ووازع، ويتبرأ عن صحبة الأشرار
المؤثرة بدوامها في اكتساب الأخلاق الذميمة والأفعال الشنيعة، فهي في الحقيقة التحرز
عن ذلك، والمهاجر الحقيقي من يتحاشى عنها.
…
2 -
باب
الكبائر وعلامات النفاق
من الصحاح:
22 -
33 - قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال رجل: يا رسول الله! أي الذنب
أكبر عند الله؟ قال: " أن تدعوا لله ندا وهو خلقك "، قال: ثم أي؟ قال:" ثم
أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك "، قال: ثم أي؟ قال: ثم أن تزاني حليلة جارك "،
فأنزل الله تصديقها: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله
إلا بالحق ولا يزنون} الآية.
(باب الكبائر وعلامات النفاق)
(من الصحاح):
" قال ابن مسعود صلى الله عليه وسلم: قال رجل: يا رسول الله! أي الذنب أكبر عند الله؟ " الحديث.
(الند): المثل المناوي، قال جرير:
أتيما تجعلون إلي ندا
…
وما تيم لذي حسب نديد
من: ند ندودا: إذا نفر.
و (الحليلة): الزوجة، والحليل: الزوج، سميا بذلك لأن كلا منهما حلال للآخر،
من: حل يحل بالضم، أو حال عنده، من: حل يحل، كما سمي الجار: حليلا.
وليس لقائل أن يقول: كيف عد الكبائر ها هنا ثلاثا، وأربعا في حديث ابن عمر وأنس،
وسبعا في حديث في حديث أبي هريرة؟!
لأنه – عليه السلام – لم يتعرض للحصر في شيء من ذلك، ولم يعرب به كلامه، أما في
هذا الحديث فظاهر، وأما في حديث ابن عمر فلأن الحكم فيه مطلق، والمطلق لا يفيد الحصر.
فإن قلت: بل الحكم فيه كلي، إذ اللام في (الكبائر) للاستغراق؟!
لو كان اللام للاستغراق لا للجنس لكان المعنى: كل واحدة من
الكبائر كل واحدة من هذه الخصال، أو مجموع هذه الخصال، وهو فاسد، وأما في حديث
أبي هريرة فلأن قوله:" اجتنبوا السبع الموبقات " – أي: المهلكات – لا يستدعي عدم وجوب
الاجتناب عن غيرها، ولا أن غيرها غير موبق، لا بلفظه ولا بمعناه، ومفهوم اللقب ضعيف
مزيف.
فإن قلت: ما وجه مخالفة أنس ابن عمر، فإنه روى:" شهادة الزور " بدل:"اليمين الغموس "؟
قلت: لعلها لاختلاف المجلس وتعدد الحديث، أو لنسيان كل واحد أو ذهوله عن واحد منهما.
والزور: الكذب، من: زورت بمعنى: قدرت، سمي به كما سمي بالحلق مجازا.
والغموس: الحلف الكاذب على ما مضى، سمي غموسا لأنه يغمس صاحبه في الإثم، وللفقهاء
خلاف مشهور في تعلق الكفار به.
…
23 – 35 – وقال:" اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي
حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات
المؤمنات الغافلات "، رواه أبو هريرة.
" وقوله في حديث أبي هريرة: والتولي يوم الزحف " معناه:
الإدبار للفرار يوم الازدحام للقتال، والزحف: الجماعة الذين يزحفون إلى العدو، أي: يمشون
إليهم بمشقة.
…
24 – 36 – وقال:" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو
مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين
ينتهبها وهو مؤمن، ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن، فإياكم وإياكم "،
رواه أبو هريرة رضي الله عنه.
" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو
مؤمن " الحديث.
ظاهر دليل على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وأصحابنا أولوه بأن المراد بالمؤمن
الكامل في إيمانه، أو ذو أمن من عذاب الله، وبأن صيغ الأفعال – وإن كانت واردة
على طريقة الإخبار – فالمراد منها النهي، ويشهد له أنه روي:" لا يزنون " بحذف
الياء، " ولا يشرب " بكسر الباء، توفيقا بينه وبين ما سبق من الدلائل على أن
الإيمان هو التصديق، والأعمال خارجة عنه، وقوله تعالى: {وإن طائفتان من
المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] ونظائره.
و (الانتهاب): الغارة، و (الغلول): الخيانة، والمضارع منه: يغل بالضم، والغل: الحقد
، ومضارعه: يغل بالكسر، و" إياكم ":
منصوب على التحذير.
…
25 – 39 – وقال:" أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن
كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد
غدر، وإذا خاصم فجر "، رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
" عن ابن عمر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا " الحديث.
يحتمل أن يكون هذا مختصا بأبناء زمانه، فإنه – عليه السلام – علم بنور الوحي بواطن
أحوالهم، وميز بين من آمن به صدقا وأذعن له نفاقا، وأراد تعريف أصحابه وتوقيفهم على
حال هؤلاء المنافقين، ليكونوا على حذر عن مكائدهم، ولم يذكرهم بأعيانهم لحكم وفوائد:
منها: أن منهم من علم الرسول صلى الله عليه وسلم أو توقع أنه سيتوب عن نفاقه، فلم يرد تثبيته في
ديوان المنافقين وتشهيره بهذا الاسم.
ومنها: أن عدم التعيين أوقع في الدعوة وأدل على شفقته وحسن صنيعه معهم.
ومنها: أن لا ييأسوا عما ينافقون لأجله، فيظهروا المخاصمة ويلتحقوا بالمحاربين.
ويحتمل أن يكون عاما، والمراد هو الزجر عن هذه الخصال على آكد وجه وأبلغه، لأنه
بين أن هذه الأمور طلائع النفاق وأعلامه، وقد تمكن في العقول السليمة أن النفاق أقبح
القبائح، فإنه كفر مموه باستهزاء وخداع مع رب الأرباب وعالم الأسرار، ولذلك بالغ
سبحانه في شأنهم، ونعى عليهم بالخصال الشنيعة، ومثلهم بالأعمال الفظيعة، وجعلهم
شر الكفار، و‘د لهم الدرك الأسفل من النار، فيعلم من ذلك أن هذه الأشياء أولى
الأمور وأحقها بأن يهاجر عنها، ولا يؤتى مراتعها، فإن من رتع حول حمى النفاق يوشك
أن يقع فيه.
ويحتمل أن يكون المراد بالمنافق: المنافق العرفي لا الشرعي، ويشهد له قوله عليه السلام:"
ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ".
و" النفاق ": مأخوذ من النفق، وهو السرب الذي يكون له طريقان، والنافقاء: الباب
الذي يخرج منه اليربوع.
و (الفجور) في اللغة: الميل، وفي الشرع: الميل عن القصد والعدول عن الحق، والمراد
به ها هنا: الشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان.
…
من الحسان:
26 – 41 – عن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: قال يهودي لصاحبه:
اذهب بنا إلى هذا النبي فقال له صاحبه: لا تقل: نبي، إنه لو سمعك لكان له أربعة أعين
فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن تسع آيات بينات، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا تشركوا
بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا
ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا
تولوا للفرار يوم الزحف ووعليكم خاصة اليهود أن: {لا تعدوا في السبت} "، قال:
فقبلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي، قال:"فما يمنعكم أن تتبعوني؟ " قالا: إن
داود دعا ربه أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود.
(من الحسان):
" عن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي " الحديث.
" له أربعة أعين " ونظائره كنايات عن ازدياد الفرح وفرط السرور، إذ الفرح يوجب قوة
الأعضاء ويضاعف القوى والحواس، كما أن الغم يقتضي أضداد ذلك، وتضاعف القوى يشبه
تضاعف الأعضاء الحاملة لها، ويكون مسببا عنه.
وفي بعض الروايات: " أربع أعين " لتأنيث العين.
و (الآية): العلامة، سميت المعجزة آية لما فيها من الدلالة على
النبوة وصدق من ظهرت هي بسببه ولأجل دعواه، و: الحكم الشرعي، لما تضمنه من
الدلالة على حال من يتعاطى متعلقه في الآخرة من السعادة والشقاوة، والمراد بالآيات
ها هنا: إما المعجزات التسع المذكورة في قوله تعالى: {ولقد ءاتينا موسى تسع آيات بينات}
الآية [الإسراء: 101]، ويشهد له روى الترمذي رحمه الله: أنهما سألاه عن هذه الآية
، وعلى هذا فقوله:" لا تشركوا " كلام مستأنف ذكره عقيب الجواب، ولم يذكر الراوي
جوابه استغناء بما في القرآن أو غيره. وإما الأحكام العامة الشاملة للملل كلها، وبيانها
ما بعدها.
فإن قلت: كيف يكون هذا جوابا وهو عشر خصال، والمسؤول عنه تسع آيات؟!
قلت: الزيادة على السؤال جائز واقع في قوله عليه السلام، وقد سئل عن ماء البحر [فقال]
" طهور ماؤه، وحل ميتته ".
هذا وقوله:" علكم خاصة " حكم مستأنف مختص بدينهما، غير شامل لسائر الأديان، لا تعلق
له بسؤالهم، ولهذا غير سياق الكلام، والله أعلم.
وقد أجيب: بأنه ليس في بعض الروايات:" ولا تقذفوا محصنة "، وفي بعضها:" أو: لا تولوا
الفرار" على الشك، وهو لا ينتهض جوابا بالنظر إلى ما في الكتاب.
و"عليكم " خبر لـ" أن لا تعتدوا "،و" خاصة " حال، و " اليهود ": نصب على التخصيص
والتفسير وأي: أعني اليهود. وفي بعض طرق هذا الحديث:" يهود " مضموم بلا لام على أنه
منادى.
وفيه: أن ما يوصف به لا نحذف عنه حرف النداء إلا على شذوذ.
…
27 – 43 – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا زنى العبد خرج منه الإيمان
، فكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل رجع إليه الإيمان ".
" عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه – عليه السلام – قال: إذا زنى العبد خرج منه الإيمان " الحديث.
المؤمن لا يزنى إلا إذا استولى شبقه، واستعلى شهوته بحيث يغلب إيمانه ويشغله عنه فيصير
في تلك الحالة فاقد الإيمان، أو كالفاقد له، لكن لا يرتفع عنه اسمه ولا يزول عنه حكمه،
بل هو بعد في كنف رعايته وظل عصمته، والإيمان مظل عليه كالظلة، وهي أول سحابة تظل
على الأرض، فإذا فرغ من ذلك وخرج منه زال الشبق المعاوق عن الثبات، على ما يأمره
إيمانه، والموجب لذهوله ونسيانه