المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[شروط الصيد بالحيوان] - شرح الزركشي على مختصر الخرقي - جـ ٦

[الزركشي الحنبلي]

فهرس الكتاب

- ‌[كتاب النفقات] [

- ‌نفقة الزوجة]

- ‌[نفقة الوالدين والأولاد]

- ‌[نفقة الصبي أو الصبية إذا لم يكن له أب وكان فقيرا]

- ‌[نفقة الرقيق]

- ‌[نفقة المعتق إذا كان فقيرا]

- ‌[نفقة أولاد العبد والأمة]

- ‌[نفقة ولد المكاتبة]

- ‌[باب الحال التي تجب فيها النفقة على الزوج]

- ‌[نفقة المطلقة المبتوتة]

- ‌[نفقة المختلعة]

- ‌[نفقة المرأة الناشز]

- ‌[باب من أحق بكفالة الطفل]

- ‌[تخيير الغلام والأمة بين أبويه بعد البلوغ]

- ‌[الأحق بكفالة الطلفل بعد الأم]

- ‌[باب نفقة المماليك]

- ‌[كتاب الجراح]

- ‌[أنواع القتل]

- ‌[القتل العمد وموجبه]

- ‌[القتل شبه العمد وموجبه]

- ‌[القتل الخطأ وموجبه]

- ‌[المماثلة بين القاتل والمقتول من شروط القصاص]

- ‌[جناية الصبي والمجنون والسكران]

- ‌[القصاص بين الوالد وولده]

- ‌[قتل الجماعة بالواحد]

- ‌[اشتراك الأب وغيره في القتل العمد]

- ‌[اشترك الصبي والمجنون والبالغ في القتل]

- ‌[القصاص بين الذكر والأنثى]

- ‌[دية العبد]

- ‌[باب القود]

- ‌[شروط القصاص في الجراح]

- ‌[لا قصاص في المأمومة ولا الجائفة]

- ‌[باب ديات النفس]

- ‌[دية الحر المسلم]

- ‌[ما تحمله العاقلة من الدية]

- ‌[جناية الرقيق]

- ‌[المقصود بالعاقلة]

- ‌[حكم من وجبت عليه دية ولم تكن له عاقلة]

- ‌[دية الحر الكتابي]

- ‌[دية المجوسي]

- ‌[دية الحرة المسلمة]

- ‌[دية العبد والأمة]

- ‌[دية الجنين]

- ‌[الحكم لو رمى ثلاثة بالمنجنيق فرجع الحجر فقتل رجلا]

- ‌[باب ديات الجراح]

- ‌[جراح المرأة تساوي جراح الرجل إلى الثلث]

- ‌[حكم من وطئ زوجته وهي صغيرة ففتقها]

- ‌[دية الشجاج التي لا توقيت فيها]

- ‌[دية ما لم يكن فيه من الجراح توقيت]

- ‌[تعريف الحكومة]

- ‌[دية العبد والأمة والخنثى فيما ليس فيه توقيت]

- ‌[كتاب القسامة]

- ‌[كفارة القتل الخطأ]

- ‌[ما يثبت به القصاص]

- ‌[باب قتال أهل البغي]

- ‌[أنواع البغي]

- ‌[طرق دفع البغي]

- ‌[حكم القتيل من أهل العدل]

- ‌[الآثار المترتبة على قتال البغاة]

- ‌[كتاب المرتد]

- ‌[استتابة المرتد]

- ‌[أحكام الزنديق]

- ‌[استتابة تارك الصلاة]

- ‌[ذبيحة المرتد]

- ‌[الحكم بإسلام الصبي]

- ‌[حكم الأولاد إذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب]

- ‌[حكم من شهد عليه بالردة فأنكر]

- ‌[حكم من أقر بالردة ثم رجع أو أنكر]

- ‌[حكم ردة السكران]

- ‌[كتاب الحدود]

- ‌[حد الزنا]

- ‌[الموضع الذي يجب فيه الحد في الزنا]

- ‌[حكم اللواط]

- ‌[إتيان البهيمة]

- ‌[ما يثبت به حد الزنا]

- ‌[الرجوع عن الإقرار بالزنا]

- ‌[تكرار الزنا هل يوجب تكرار الحد]

- ‌[تحاكم أهل الذمة إلينا في الزنا]

- ‌[حد القذف]

- ‌[الحد في قذف الملاعنة]

- ‌[قذف أم النبي]

- ‌[قذف الجماعة بكلمة واحدة]

- ‌[إقامة الحد في الحرم]

- ‌[كتاب القطع في السرقة]

- ‌[مقدار النصاب في السرقة]

- ‌[ما لا قطع فيه في السرقة]

- ‌[محل القطع وكيفيته في السرقة]

- ‌[حكم السارق إذا عاد للسرقة بعد القطع]

- ‌[تلف الشيء المسروق]

- ‌[قطع النباش]

- ‌[القطع في سرقة المحرم كالخمر الخنزير والميتة وآلات اللهو]

- ‌[القطع في سرقة الأب والأم من ولدهما]

- ‌[حكم سرقة العبد من مال سيده]

- ‌[ما يثبت به حد السرقة]

- ‌[اشتراك الجماعة في السرقة]

- ‌[كتاب قطاع الطرق]

- ‌[المقصود بالمحاربين]

- ‌[عقوبة المحاربين]

- ‌[توبة المحارب قبل القدرة عليه]

- ‌[كتاب الأشربة وغيرها] [

- ‌حد الشرب]

- ‌[موت شارب الخمر أثناء الحد]

- ‌[كيفية إقامة الحدود]

- ‌[حكم العصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام]

- ‌[حكم النبيذ]

- ‌[حكم انقلاب الخمر خلا]

- ‌[الشرب في آنية الذهب والفضة]

- ‌[التعزير]

- ‌[تعريف التعزير ومقداره]

- ‌[الصيال]

- ‌[حكم دفع الصائل]

- ‌[ضمان جناية الدواب وما أفسدته من الزروع]

- ‌[الحكم لو تصادم فارسان أو رجلان فمات الرجلان أو الدابتان]

- ‌[كتاب الجهاد]

- ‌[حكم الجهاد]

- ‌[فضل الجهاد]

- ‌[غزو البحر أفضل أم غزو البر]

- ‌[الغزو مع الإمام البر والفاجر]

- ‌[مدة الرباط في سبيل الله]

- ‌[إذن الوالدين في الجهاد]

- ‌[قتال أهل الكتاب والمجوس قبل الدعوة للإسلام]

- ‌[دعوة عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا]

- ‌[دخول النساء مع المسلمين إلى أرض العدو]

- ‌[ما يجب على الجند تجاه الأمير في الجهاد]

- ‌[ما يفعله الإمام بالأسرى]

- ‌[حكم النفل من الغنيمة]

- ‌[استحقاق القاتل للسلب]

- ‌[إعطاء الأمان للكفار]

- ‌[سهم الفارس والراجل في الجهاد]

- ‌[الرضخ للعبد والمرأة في الجهاد]

- ‌[إعطاء الكافر من الغنيمة إذا قاتل مع المسلمين]

- ‌[إعطاء الطليعة والجاسوس والرسول من الغنيمة]

- ‌[التفريق بين الوالد وولده والوالدة وولدها في السبي]

- ‌[حكم ما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين وعبيدهم فأدركه صاحبه قبل القسمة]

- ‌[مشاركة الجيش وسراياه في الغنيمة]

- ‌[حكم الأكل من الغنيمة]

- ‌[تحريق العدو بالنار وقطع الشجر وقتل الدواب في الجهاد]

- ‌[حكم الزواج في أرض العدو]

- ‌[حكم المعاملة بالربا في أرض العدو]

- ‌[حكم الغلول من الغنيمة]

- ‌[إقامة الحد على المسلم في أرض العدو]

- ‌[قتل الأطفال النساء والرهبان والمشايخ في الحرب]

- ‌[حكم السرقة من الغنيمة]

- ‌[وطئ جارية السبي قبل قسمة الغنيمة]

- ‌[كتاب الجزية]

- ‌[من تقبل منه الجزية]

- ‌[مقدار الجزية]

- ‌[من لا تجب عليه الجزية]

- ‌[حكم إسلام من وجبت عليه الجزية]

- ‌[حكم من نصارى بني تغلب بالنسبة للجزية والزكاة ونحوها]

- ‌[أخذ العشور من أهل الذمة]

- ‌[حكم من نقض عهده من المشركين]

- ‌[كتاب الصيد والذبائح]

- ‌[شروط الصيد بالحيوان]

- ‌[حكم الصيد بالكلب الأسود]

- ‌[حكم أدرك الصيد وفيه روح فلم يذكه حتى مات]

- ‌[الحكم لو رمى الصيد فوقع في ماء أو تردى من جبل]

- ‌[الحكم لو رمى صيدا فأبان منه عضوا]

- ‌[نصب المناجل للصيد]

- ‌[حكم الصيد بالمعراض]

- ‌[حكم صيد السمك بالشيء النجس]

- ‌[ذبيحة المرتد وصيده]

- ‌[ترك التسمية على الصيد أو الذبيحة عمدا أو سهوا]

- ‌[صيد الكتابي]

- ‌[حكم أكل ما قتل بالبندق والحجر]

- ‌[حكم صيد المجوسي]

- ‌[حكم أكل السمك الطافي]

- ‌[ذكاة المقدور عليه من الصيد والأنعام]

- ‌[الحكم لو ذبح الشاة وفي بطنها جنين]

- ‌[ذبيحة الأعمى والأقلف والأخرس]

- ‌[ذبيحة الجنب]

- ‌[ما تستطيبه العرب وما تستخبثه من الدواب]

- ‌[المحرم من الحيوان]

- ‌[حكم أكل المضطر]

- ‌[حكم أكل الضب والضبع والثعلب]

- ‌[حكم أكل الصيد إذا رمي بسهم مسموم]

- ‌[حكم ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر فمات]

- ‌[وقوع النجاسة في مائع كالدهن وما أشبهه]

الفصل: ‌[شروط الصيد بالحيوان]

[كتاب الصيد والذبائح]

ش: الصيد في الأصل مصدر صاد يصيد صيدا فهو صائد، ثم أطلق على المصيد، تسمية للمفعول بالمصدر، قال الله تعالى:{لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] . والصيد: قال ابن أبي الفتح: ما كان ممتنعا حلالا لا مالك له. والأجود قول بعضهم: ما كان متوحشا طبعا، غير مقدور عليه، مأكولا بنوعه.

والأصل في إباحته في الجملة الإجماع، وقد شهد لذلك قَوْله تَعَالَى:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} [المائدة: 4]، الآية. وقَوْله تَعَالَى:{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} [المائدة: 96]، الآية. وقوله:{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] . ومن السنة فكثير، وسيأتي طرف من ذلك إن شاء الله تعالى.

[شروط الصيد بالحيوان]

قال: ومن سمى فأرسل كلبه أو فهده المعلم، فاصطاد وقتل ولم يأكل منه، جاز أكله.

ص: 600

ش: وذلك لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4]، أي: أحل لكم الطيبات، وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح، وقرينة ذلك قَوْله تَعَالَى:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] ، ولو لم يقدر ذلك لزم أن يحل ما علمنا من الجوارح كالكلب ونحوه، ولا قائل بذلك، إذ القائل بحل الكلب لا يخصه بالمعلم.

3499 -

وقد «روى أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله إنا بأرض صيد، أصيد بقوسي، وبكلبي المعلم، وبكلبي الذي غير معلم، فما يصلح لي؟ فقال: «ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل» » .

3500 -

«وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه «قال: قلت يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي، وأذكر اسم

ص: 601

الله؛ فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل» . قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس معها» . قلت: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ قال: «إذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله» . متفق عليهما.

إذا تقرر هذا فيشترط لإباحة الصيد شروط.

(أحدها) : التسمية عند إرسال الجارح، على المشهور والمختار للأصحاب من الروايات، لما تقدم من الآية الكريمة، ولقوله تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] ، الآية، أمر سبحانه بالتسمية ونهى عن أكل ما لم يسم عليه، والأمر ظاهر في الوجوب، كما أن النهي ظاهر في التحريم، ولحديثي أبي ثعلبة وعدي بن حاتم رضي الله عنهما فإنه صلى الله عليه وسلم وقف حل الأكل على التسمية، فقال:«وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل» . وفي رواية في الصحيح: «واذكر اسم الله» ، بصيغة الأمر.

(والرواية الثانية) : لا تشترط التسمية

ص: 602

مطلقا [وإنما تسن، حملا لهذه الظواهر على ذكر اسم الله بالقلب، وهو لا يخلو حال المسلم عنه] وفي لفظ في الصحيح أيضا «في حديث عدي: فإن وجدت مع كلبي كلبا آخر فلا أدري أيهما أخذه؟ قال: فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» . وهو لا يخلو حال المسلم عنه، إذ معنى ذلك القصد إلى فعل ما أباحه الله تعالى على الوجه الذي شرعه، وأصل ذلك أن الذكر هو التنبه بالقلب للمذكور. ومنه قَوْله تَعَالَى:{يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40] .

3501 -

وقوله: صلى الله عليه وسلم «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» . ثم يسمى القول الدال على الذكر ذكرا.

3502 -

وقد روى أبو داود في المراسيل، وأسنده الدارقطني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله» .

3503 -

«وعن أبي هريرة رضي الله عنه فيمن نسي التسمية،

ص: 603

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسم الله على فم كل مسلم» . رواه الدارقطني. وقد قال الزجاج في قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]، أي: ما لم يخلصوا ذبحه لله ونحوه. قال أحمد: في معنى الميتة.

ص: 604

وقيل: إن الآية المراد بها ذبائح المشركين. وعلى هذه الرواية تسن خروجا من الخلاف.

(والرواية الثالثة) : تشترط في العمد، ولا تشترط في السهو.

3504 -

[لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان» . الحديث.

ولا نزاع أن المذهب هو الأول، وحمل التسمية على ذكر الله بالقلب خلاف ظاهر اللفظ، ثم لا تخصيص للصيد بذلك إذ جميع ما يفعله المكلف يجب أن يذكر اسم الله تعالى فيه بأن يفعله على الوجه الذي ذكره سبحانه. ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» ، ظاهر في إبطال هذا التأويل، وحديثا:«ذبيحة المسلم حلال» ، «واسم الله على فم كل مسلم» ، ضعيفان عند أهل المعرفة بالحديث، والعفو في النسيان عن الإثم، ثم قصارى النسيان أن يجعل الموجود كالمعدوم، كالأكل في الصوم، والكلام في الصلاة، ونحو ذلك، لا أنه يجعل المعدوم كالموجود، بدليل أن من نسي الطهارة أو الستارة ونحوهما

ص: 605

لا تصح صلاته، وقد خطأ الخلال حنبلا في التفرقة هنا بين العمد والسهو، وقال: إن في أول مسألته إذا نسي وقتل لم يأكل.

إذا تقرر هذا فصفة التسمية المعتبر: (بسم الله) .

3505 -

وقد «ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح قال: «بسم الله والله أكبر» ، فإن كبر أو هلل، أو سبح بدلا عنها لم يجزئه. نص عليه أحمد في رواية أبي طالب في التكبير والتحميد، نظر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك بقوله:«بسم الله» ، فيقتصر عليه، وللشيخين احتمال بالإجزاء، لأنه يصدق عليه أنه ذكر اسم الله، فيدخل في الآية والحديث.

ولا نزاع أنه لو قال: اللهم اغفر لي، أنه لا يجزئه، إذ ذلك طلب حاجة، ولو سمى بغير العربية وهو يحسنها فقولان، نظرا إلى ما تقدم من أن المقصود المعنى أو اللفظ، وأبو محمد جزم هنا بالجواز، وهو موافق لاحتماله ثم، والقاضي بالمنع، وقال: إنه المنصوص،

ص: 606

وأظنه أراد رواية أبي طالب.

ومحل التسمية عند الإرسال، لأنه الفعل الموجود من المرسل، فاعتبرت التسمية عنده، كما تعتبر عند الذبح من الذابح، ولا يضر التقديم اليسير كالنية في العبادات، وكذلك التأخير اليسير على إطلاق أحمد، قال: إذا أرسل ثم سمى فانزجر، أو أرسل فسمى. فالمعنى قريب من السواء، وصرح بذلك أبو بكر في التنبيه، وكذلك في التأخر الكثير، بشرط أن يزجره فينزجر، كما دل عليه كلام أحمد، وقاله أبو محمد والشيرازي، نظرا إلى أن الإرسال بدون تسمية وجوده كعدمه، لفقدان شرطه، فتعلق الحكم بالزجر، ومنع ذلك القاضي، نظرا إلى أن الحكم تعلق بالإرسال الأول.

(تنبيه) : عموم كلام الخرقي يشمل الكتابي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لإطلاق:{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] . ولعله الحكمة في عدم التصريح بالفاعل، وقياسا على المسلم.

(والرواية الثانية) :

ص: 607

لا تشترط التسمية في حق الكتابي، بخلاف المسلم، لإطلاق:{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] .

3506 -

قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، أي: ذبائحهم. وهي من آخر ما نزل، ونصوص السنة، وكذلك قَوْله تَعَالَى:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} [المائدة: 4] ، الخطاب فيه للمسلم.

(الشرط الثاني) : أن يرسل الجارح قاصدا للصيد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل» ، فعلق الحل على ذكر اسم الله مع إرسال كلبه المعلم. (وأفعل) فعل الفاعل، فلا بد أن يوجد منه فعل، وعلى هذا لو استرسل الكلب أو الفهد بنفسه لم يبح، نعم لو استرسل بنفسه فزجره فزاد في طلب الصيد فإنه يباح، لأن زجره لما أثر في عدوه صار بمنزلة إرساله له، إذ فعل الإنسان متى انضاف إلى فعل غيره أنيط الحكم بالإنسان، بدليل ما لو صال كلب على آدمي فأغراه آخر تعلق الضمان عليه به. (ويحتمل) كلام الخرقي المنع، لأنه إنما علق الحكم بالإرسال.

(الشرط الثالث) : أن يكون الجارح معلما بلا نزاع، للآية الكريمة، ولحديثي أبي ثعلبة وعدي بن حاتم - رضي الله

ص: 608

عنهما - وتعليم ذي الناب كالكلب والفهد بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، بلا نزاع، وبأنه إذا أمسك لم يأكل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] . والإمساك علينا بأنه لا يأكل إذا أمسك، ولهذا «قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي في الصحيح:«فإن أكل فلا تأكل، فإنه إنما أمسك على نفسه» » ، وفي رواية:«فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» ، فدل على أن إمساكه علينا علامته ترك الأكل.

3507 -

وقد صرح بذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أرسلت الكلب فأكل من الصيد فلا تأكل، فإنما أمسكه على نفسه، وإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل، فإنما أمسك على صاحبه» » ، رواه أحمد.

3508 -

ولا يعارض هذا ما رواه أبو داود وغيره في حديث أبي ثعلبة: «إذا أرسلت كلبك - ينظر هل فيه (المعلم) - وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه» ، لترجح ما تقدم بكثرة رواته

ص: 609

وصحته، ثم هو محمول على كلب معلم أكل بعد تعليمه، ومن ثم اختلف عن الإمام أحمد رحمه الله فيما أكل منه الصائد بعد تعليمه هل يحرم؟ على روايتين، (إحداهما) - وهو المذهب -: يحرم، تقديما لحديث عدي لصحته، قال أحمد: حديث الشعبي عن عدي من أصح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال في حديث أبي ثعلبة: يختلفون عن هشيم فيه؛ ولاعتضاده بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، وظاهر قَوْله تَعَالَى:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] .

(والثانية) : لا يحرم، لحديث أبي ثعلبة، جمعا بين الدليلين كما تقدم، وأحمد رحمه الله جمع بأن حمل حديث عدي على الكراهة.

3509 -

فقال: الرخصة في الكلب يأكل من صيده أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما حديث عدي في الكراهة. قلت: ويخرج لنا من هذا أنه لا يعتبر ترك الأكل في التعليم رأسا، إذ العمدة في ذلك حديث عدي، وقد حمله الإمام على الكراهة، وقد يقال: العمدة الآية،

ص: 610

ويرجح حمل حديث عدي على الكراهة قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه في الصحيح: «فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه» » ، فعلله بالخوف.

ويرشح ذلك بأن عديا رضي الله عنه لما كان موسعا عليه أفتاه بالكف ورعا، بخلاف أبي ثعلبة.

إذا تقرر هذا فهل يعتبر فيما ذكرناه من التعليم التكرار، لاحتمال أن يكون تركه في أول مرة شبعا؟ وهو قول القاضي، واختيار أبي محمد في المغني وغيرهما، أو لا يعتبر التكرار، بل يكتفى بأول مرة، وبه قطع أبو الخطاب في كتابيه، والشريف وأبو محمد في المقنع، وأورده أبو البركات مذهبا، لأنه تعليم صناعة، فلا يعتبر فيه التكرار كسائر الصنائع؟ على قولين، (وعلى الأول) هل المرجع في ذلك إلى العرف من غير تقدير بمرة أو مرات، لعدم التقدير من الشارع، وهو قول ابن البنا في الخصال، أو يعتبر أن يتكرر ذلك منه مرتين، فيباح صيده في الثالثة، أو ثلاثة مرات فيباح صيده في الرابعة، وهو قول القاضي، ولعل أصل القولين الروايتان في التكرار في الحيض؟ على ثلاثة أقوال.

ص: 611

(تنبيه) : الانزجار بالزجر يعتبر قبل إرساله على الصيد أو رؤيته، أما بعد ذلك فإنه لا ينزجر بحال.

(الشرط الرابع) : أن يكون الإرسال على صيد، فإن أرسل وهو لا يرى شيئا فأصاب صيدا لم يبح، إذ الإرسال جعل بمنزلة الذكاة، ولو نصب سكينا لا لقصد الصيد، فانذبحت بها شاة لم تبح، كذلك ها هنا، وسيأتي إن شاء الله تعالى لهذا الشرط مزيد تمام عند قوله: إذا رمى صيدا فأصاب غيره، ومن ثم يؤخذ هذا.

(الشرط الخامس) أن يكون الصائد من أهل الذكاة، فإن كان وثنيا أو مرتدا، أو من غير المسلمين وأهل الكتاب، أو مجنونا ونحو ذلك لم يبح صيده، إذ الاصطياد أقيم مقام الذكاة، والصائد بمنزلة المذكي، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«فإن أخذ الكلب ذكاته» ، وإذا تشترط الأهلية في المذكي، وهذا الشرط يؤخذ من قول الخرقي: ولا يؤكل صيد مرتد. وبقية الشروط أخذها من كلامه واضح.

واختلف في شرطين آخرين:

(أحدهما) : هل يعتبر في الجارح المعلم أن لا يأكل من الصيد؟ وقد تقدم فيه روايتان، وتقدم أن المذهب اعتبار ذلك، وهو الذي ذكره الخرقي، وعليه لو شرب من دمه ولم يأكل فإنه لا يحرم، إذ المنع إنما ورد في أكل ما أكل منه الكلب، فيبقى فيما عداه على مقتضى عموم الآية والخبر.

(والثاني) : هل يعتبر في الجارح أن يجرح الصيد، فلا يباح

ص: 612

ما قتله بخنقه أو صدمته، وهو اختيار أبي الخطاب في خلافه، وبه قطع القاضي في الجامع، والشريف، والشيرازي، وأبو محمد في المغني، أو لا يعتبر فيباح ذلك، وهو اختيار ابن حامد، وظاهر كلام الخرقي، وقال القاضي في المجرد: إنه ظاهر كلام أحمد؟ على روايتين، مناطهما أن خنق الجارح أو صدمه هل هو بمنزلة قتل المعراض بعرضه أم لا؟

3510 -

ويرشح الأول مفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» . ويرشح الثاني قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن أدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته» . . متفق عليه، وهو يشمل القتل صدما أو خنقا. وأيضا فالجارح حيوان له اختيار ما، وقد أمسك على صاحبه، فيدخل تحت قوله:{فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 4] ، بخلاف المعراض، فإنه لا يقال فيه: أمسك عليك.

قال: فإن أكل الكلب أو الفهد من الصيد لم يؤكل منه، لأن أمسكه على نفسه، فبطل أن يكون معلما.

ش: قد تقدمت هذه المسألة، وقد نبه الخرقي على علتها، وهو كونه أمسكه على نفسه، ثم قوله: بطل أن يكون

ص: 613

معلما. ظاهر أنه يصير كالمبتدئ تعليمه، فيعتبر له شروط التعليم ابتداء، وظاهر كلام أحمد - وهو اختيار أبي محمد - عدم ذلك، لاحتمال أن يكون ذلك لفرط جوع أو نحو ذلك.

قال: وإذا أرسل البازي أو ما أشبهه فاصطاد وقتل أكل، وإن أكل من الصيد، لأن تعليمه بأن يأكل.

ش: مذهب أحمد - رحمه لله - أنه لا يقتصر على الكلب في الصيد، بل يلحق به ما في معناه مما يقبل التعليم ويصطاد به من سباع البهائم كالفهد، كما ذكر الخرقي رحمه الله والنمر كما ذكر بعضهم، أو جوارح الطير كالبازي والصقر ونحوهما، نظرا للمعنى، إذ ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلا، فلا فارق في المعنى، وهذا هو القياس في معنى الأصل.

3511 -

ولما روي «عن عدي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك» . قلت: وإن قتل. قال: «وإن قتل ولم يأكل منه شيئا، فإنما أمسك عليك» .» رواه الإمام أحمد وأبو داود، ثم قَوْله تَعَالَى:{وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} [المائدة: 4] ، الجوارح يشمل الجميع، إذ الجوارح الكواسب، ومنه قَوْله تَعَالَى:{وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60]، أي:

ص: 614

كسبتم، وقوله سبحانه:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} [الجاثية: 21]، وقَوْله تَعَالَى:{مُكَلِّبِينَ} [المائدة: 4]، أي: مضرين على الصيد كما تضرى الكلاب، فالتكليب: التضرية. وقال أبو محمد: التكليب: الإغراء.

إذا تقرر هذا فلا بد في الجميع من التعليم بلا ريب، فتعليم الفهد ونحوه من سباع البهائم كما تقدم في الكلب، وأما جوارح الطير فبأن ينزجر إذا زجر، ويجيب إذا دعي، ولا يعتبر ترك الأكل، فيخالف الكلب من هذه الحيثية. وقد أشار الخرقي إلى الفرق، وهو أن تعليم الجوارح بالأكل، ويتعذر - تعليمها بدونه، بخلاف الكلب ونحوه.

3512 -

وهذا يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل الصيد، وإذا أكل الصقر فكل، لأنك تستطيع أن تضرب الكلب، ولا تستطيع أن تضرب الصقر. رواه الخلال.

فإن قيل: فحديث عدي صريح في التسوية بين الكلب والبازي؟ قيل: هو كذلك، لكنه من رواية مجالد وهو ضعيف عندهم. قال أحمد رضي الله عنه: تصير القصة واحدة، كم من أعجوبة لمجالد! والرواية

ص: 615