الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2940 -
لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية» وإن تشاحوا فيمن يقتص منه منهم على الكمال، فإن كانت حقوقهم تعلقت به في حال واحدة، قدم أحدهم بالقرعة، وإن اختلف وقت التعلق فهل يقدم أحدهم بالقرعة، وهو الذي أورده أبو البركات مذهبا لتساوي حقوقهم بالنسبة إلى البدل والمال، أو أسبقهم، لتميزه بالسبق، وبه جزم أبو محمد؟ فيه وجهان.
[شروط القصاص في الجراح]
قال: وإذا جرحه جرحا يمكن الاقتصاص منه بلا حيف اقتص منه.
ش: الأصل في جريان القصاص في الجروح في الجملة الإجماع، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] .
2941 -
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر رضي الله عنه: أتكسر ثنية الربيع، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أنس كتاب الله القصاص» فرضي القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» رواه البخاري، وفي رواية مسلم أن أخت الربيع جرحت إنسانا، وأن السائل أم الربيع، ولعلهما واقعتان.
إذا تقرر هذا فيشترط لجريان القصاص في الجروح ثلاثة
شروط (أحدها) إمكان القصاص من غير حيف، ككل جرح ينتهي إلى عظم، كما في الموضحة، لقول الله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] ثم قال سبحانه وتعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: 194] أي إذا اقتصصتم، وقال سبحانه:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] فأباح لنا سبحانه أن نفعل مثل ما فعل بنا، فإذا لم يمكن الاستيفاء إلا بحيف لم نفعل مثل ما فعل بنا، بل زدنا عليه، فلم نتق الله، كما في الجناية المبتدأة (الشرط الثاني) أن يكون الجارح ممن يؤخذ بالمجروح لو قتله، وذلك بأن يجرحه عمدا محضا، فلا قصاص في الخطأ إجماعا، وكذلك في شبه العمد على المذهب كالأنفس، كما لو ضربه بحصاة لا يوضح مثلها، فأوضحت، وخالف أبو بكر وتبعه الشيرازي، فأوجب القصاص في الجروح في شبه العمد، كأن يضربه بشيء لا يقطع الطرف فيتلفه، لعموم (والجروح قصاص) وهو منتقض بالخطأ، وله أن يجيب بأنه خرج بالإجماع، فيبقى فيما عداه على مقتضى العموم (الشرط الثالث) التكافؤ بين الجارح والمجروح، كما تقدم في قول الخرقي: ومن كان بينهما في النفس قصاص، فهو بينهما في الجراح. ومقتضى كلام الشيخ أبي محمد أن قول الخرقي: ومن كان بينهما قصاص في النفس، فهو بينهما في الجراح. وقوله بعد: إذا كان الجاني
ممن يقاد من المجني عليه لو قتله؛ معناهما واحد، وقد يحمل أحدهما على التكافؤ، والآخر على اشتراط العمدية، دفعا للتكرار، وحذارا من فوات شرط.
واعلم أن ظاهر كلام ابن حمدان في الرعاية الصغرى - تبعا لأبي محمد في المقنع - أن المشترط لوجوب القصاص أمن الحيف، وهو أخص من إمكان الاستيفاء بلا حيف، والخرقي رحمه الله إنما اشترط إمكان الاستيفاء، وتبعه على ذلك أبو محمد في المغني، وأبو البركات، وجعل أبو البركات أمن الحيف شرطا لجواز الاستيفاء وهو التحقيق، وعليه لو أقدم واستوفى ولم يتعد وقع الموقع فلا شيء عليه، وكذا صرح أبو البركات، وعلى مقتضى قول ابن حمدان، وما في المقنع، يكون جناية مبتدأة، يترتب عليها مقتضاها.
قال: وكذلك إن قطع منه طرفا من مفصل، قطع منه مثل ذلك المفصل، إذا كان الجاني ممن يقاد من المجني عليه لو قتله.
ش: لا نزاع في جريان القصاص في الأطراف، وقد دل عليه قَوْله تَعَالَى:{وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} [المائدة: 45] إلى آخر الآية، ويشترط لذلك ما تقدم، وإمكان الاستيفاء هنا من غير حيف، (بأن يكون) القطع من مفصل، كالكوع والكعب ونحو ذلك، ويلتحق بذلك ما له حد ينتهي إليه، كمارن الأنف وهو ما لان
منه، فإن كان من غير مفصل، كنصف الذراع، ونصف الساق ونحو ذلك، فلا قصاص من ذلك الموضع بلا ريب، حذارا من الحيف الممنوع منه شرعا.
وهل يقتص من المفصل الذي دونه، كالكوع والكعب، لرضاه بدون حقه، أشبه ما لو رضي صاحب الصحيحة بالشلاء، أو تتعين الدية، وهو المنصوص، واختيار أبي بكر، وحكاه في الهداية عن الأصحاب، حذارا من أن لا يفعل به مثل ما فعل به.
2942 -
ولما «روي أن رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسيف، فقطعها من غير مفصل، فاستعدى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأمر له بالدية، فقال: إني أريد القصاص؛ فقال: «خذ الدية بارك الله لك فيها» ولم يقض له بقصاص» ، رواه ابن ماجه؟ فيه قولان، فعلى القول الأول هل يكون للمجني عليه أرش الباقي؟ فيه وجهان، أشهرهما لا، انتهى. (وبأن يكون) الطرفان متماثلين، وذلك في شيئين (في الاسم الخاص) فلا تؤخذ يسار بيمين، ولا يمين بيسار، ولا عليا من الشفة والأجفان بسفلى، ونحو ذلك. (وفي الصحة والكمال) فلا تؤخذ صحيحة بشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصتها، ونحو ذلك، لانتفاء المماثلة المعتبرة