الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرعا، وإذًا حصل الحيف، ولا يشترط التماثل في الرقة والغلظ، والصغر والكبر، ونحو ذلك، إذ اعتبار ذلك يفضي إلى إسقاط المماثلة رأسا.
[لا قصاص في المأمومة ولا الجائفة]
قال: وليس في المأمومة ولا في الجائفة قصاص.
ش: لما ذكر الخرقي رحمه الله أن من شرط وجوب القصاص في الجروح إمكان الاستيفاء من غير حيف، ذكر جرحا في الرأس وهو المأمومة، وجرحا في الجوف وهو الجائفة، لا يمكن الاستيفاء فيهما إلا بحيف، أو لا يؤمن في الاستيفاء فيهما الحيف.
2943 -
وقد روي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا قود في المأمومة، ولا في الجائفة، ولا في المنقلة» رواه ابن ماجه.
2944 -
وعن علي رضي الله عنه: لا قصاص في المأمومة.
2945 -
وعن ابن الزبير رضي الله عنهما أنه اقتص من المأمومة، فأنكر الناس عليه، وقالوا: ما سمعنا أحدا اقتص منها قبل ابن الزبير، انتهى. والمأمومة هي التي تصل إلى جلدة الدماغ،
وتسمى تلك الجلدة أم الدماغ، لأنها تجمعه، فالشجة الواصلة إليها تسمى مأمومة، وآمة لوصولها إلى أم الدماغ، والجائفة هي التي تصل إلى الجوف من بطن أو ظهر أو نحر، أو غير ذلك، والله أعلم.
قال: وتقطع الأذن بالأذن.
ش: هذا إجماع في الجملة، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى:{وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ} [المائدة: 45] وكلام الخرقي يشمل كل أذن بكل أذن، ويستثنى من ذلك أذن السميع، هل تؤخذ بأذن الأصم؟ فيه وجهان (أحدهما) لا تؤخذ بها، لنقص أذن الأصم عنها، فأشبه اليد الصحيحة، لا تؤخذ بالشلاء (والثاني) وهو اختيار القاضي، ومقتضى كلام الخرقي وبه قطع أبو محمد في الكافي والمغني - تؤخذ بها منعا للنقص، إذ السمع في الرأس لا في الأذن انتهى، والأذن الصحيحة هل تؤخذ بالشلاء؟ فيه أيضا وجهان (أحدهما) لا تؤخذ لنقص الشلاء (والثاني) - وهو اختيار القاضي أيضا - تؤخذ بها، إذ المقصود من الأذن جمع الصوت والجمال، وهذا حاصل فيها، فلا نقص، والأذن التامة بالمخرومة، وفيها أيضا وجهان، تعليلهما ما تقدم، وأبو محمد والقاضي يختاران عدم الأخذ بخلاف ثم، لأن الخرم نقص جزء ويعد عيبا، أما المثقوبة هل تؤخذ بها الصحيحة؟ فرق أبو محمد بين أن يكون الثقب في محله كموضع القرط، أو في غير محله، ففي محله تؤخذ بها لعدم العيب، وفي غير محله هو كالخرم، لا تؤخذ بها عنده.
قال: والأنف بالأنف.
ش: هذا أيضا إجماع في الجملة، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى؛ {وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ} [المائدة: 45] وكلام الخرقي يشمل كل أنف بكل أنف، ويستثنى من ذلك الأنف الشام، هل يؤخذ بالأخشم، وهو الذي لا شم فيه؟ فيه وجهان (أحدهما) لا يؤخذ نظرا لنقص الأخشم عنه (والثاني) - وهو مقتضى كلام الخرقي، واختيار القاضي، وبه جزم أبو محمد في الكافي والمغني، يؤخذ به، لأن عدم الشم لعلة في الدماغ، لا لنقص في الأنف، والأنف الصحيح هل يؤخذ بالأشل؟ فيه أيضا وجهان، تعليلهما ما تقدم في الأذن الصحيحة بالشلاء، والمختار للقاضي أيضا الأخذ، والأنف التام هل يؤخذ بالمخروم؟ فيه أيضا وجهان، تعليلهما والمختار فيهما ما تقدم في الأذن، وينبغي أن يجري الوجهان أيضا في الثقب مطلقا، والله سبحانه أعلم.
قال: والذكر بالذكر.
ش: لا نعلم في ذلك خلافا، وقد دل على ذلك قوله سبحانه:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] وقد شمل كلام الخرقي كل ذكر بكل ذكر، ويستثنى من ذلك ذكر الخصي والعنين، هل يؤخذ بهما الذكر الصحيح؟ على ثلاث روايات (إحداهن) - وهو مقتضى كلام الخرقي - يؤخذ بهما، لعموم {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] ودعوى النقص ممنوعة، إذ عدم الإنزال في الخصي
لذهاب الخصية، والعنة لعلة في الظهر (والثانية) وهي اختيار أبي بكر، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي وغيرهم - لا يؤخذ بهما العنين، إذ العنين لا يطأ ولا ينزل، والخصي لا يولد له ولا ينزل، فأشبها ذكر الأشل (والثالثة) يؤخذ بذكر العنين، لأن ذلك مرض، والصحيح يؤخذ بالمريض، دون ذكر الخصي لأنه مأيوس من إنزاله المني، فهو كالأشل، وهذا اختيار ابن حامد، وهذا الخلاف - قال القاضي في الجامع -: مبني على اختلاف الرواية في دية ذلك، والله أعلم.
قال: والأنثيان بالأنثيين.
ش: لعموم (والجروح قصاص) والله أعلم.
قال: وتقلع العين بالعين.
ش: هذا إجماع، وقد شهد له قوله سبحانه:{وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} [المائدة: 45] وشمل كلام الخرقي كل عين بكل عين، ويستثنى من ذلك العين الصحيحة لا تؤخذ بالقائمة، وعين الأعور إذا قلع عين صحيح، فإن عينه لا تقلع بها، حذارا من ذهاب جميع بصره بنصف بصر.
2946 -
واعتمادا على أن ذلك يروى عن عمر وعثمان رضي الله عنهما، وفيه احتمال أن عينه تقلع، ويعطى نصف الدية
ولعلها من رواية قتل الذكر بالأنثى، وإعطاء ورثته نصف الدية، والله أعلم.
قال: والسن بالسن.
ش: هذا أيضا إجماع، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى:{وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة: 45] وحديث الربيع وقد تقدم، والله أعلم.
قال: فإن كسر بعضها، برد من سن الجاني مثله.
ش: لظاهر «حديث الربيع، أنها كسرت ثنية جارية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص» ، ويكون القصاص بالمبرد ليأمن من أخذ زيادة، بخلاف الكسر، فإنه لا تؤمن معه الزيادة، ويبرد من السن مثل ما ذهب من سن المجني عليه، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وتعتبر المثلية بالأجزاء فيؤخذ النصف بالنصف، والربع بالربع، ونحو ذلك، لا بالمساحة، حذارا من أخذ جميع السن بالبعض، إذا كانت سن الجاني صغيرة، وسن المجني عليه كبيرة، والله أعلم.
قال: ولا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين.
ش: لفوات المماثلة المعتبرة، لا يقال ينبغي أن تؤخذ اليسار باليمين، لنقص اليسار عن اليمين، لأنا نقول منافعهما تختلف، فأشبها الرجل مع اليد، والله أعلم.
قال: وإذا كان القاطع سالم الطرف، والمقطوع شلاء فلا قود.
ش: لانتفاء المماثلة المعتبرة شرعا، إذ لا نفع فيها إلا الجمال، فلا تؤخذ بها ما كملت منفعته، كالعين الصحيحة لا تؤخذ بالقائمة، ومراد الخرقي بالطرف يجوز أن يكون اليدان والرجلان، ويجوز أن يريد ما هو أعم من هذا، فيدخل فيه الأنف الأشل، والأذن الشلاء، ويكون ظاهر كلام الخرقي أحد الوجهين المتقدمين، والله أعلم.
قال: وإذا كان القاطع أشل، والمقطوعة سالمة، فشاء المظلوم أخذها فله ذلك، ولا شيء له غيرها، وإن شاء عفا وأخذ دية يده.
ش: يخير صاحب اليد الصحيحة التي قطعت، بين أن يعفو عن الجاني، ويأخذ دية يده بلا ريب، وبين أن يأخذ الشلاء بيده الصحيحة لرضاه بدون حقه، أشبه ما لو رضي المسلم بالقصاص من الذمي، والحر من العبد، ويشترط لذلك ما تقدم من إمكان الاستيفاء من غير حيف، بأن يقول أهل الخبرة: إنا نأمن من قطعها التلف، أما إن قالوا إنه إذا قطعها لم يأمن أن لا تستد العروق، ويدخل الهواء إلى البدن فيفسده فلا قصاص، حذارا من الحيف الممنوع منه شرعا، وإذا أخذت
الشلاء بالصحيحة بشرطه فلا شيء للمقتص على المذهب، لئلا يجمع في العضو الواحد بين القصاص والدية، واختار أبو الخطاب في هدايته أن له الأرش، وقد بقي من تقاسيم مسألة اليدين إذا كانتا صحيحتين وهو واضح، وإذا كانتا أشلتين، والقصاص جار فيهما بشرط أمن الحيف، والله أعلم.
قال: وإذا قتل وله وليان بالغ وطفل، أو غائب لم يقتل حتى يقدم الغائب أو يبلغ الطفل.
ش: هذا هو المذهب المنصوص بلا ريب، حتى إن أبا محمد في الكافي لم يذكر غيرها.
2947 -
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية» أضاف القتل إلى اختيار جميع الأهل، والصغير والمجنون من جملتهم، فإذا لم يوجد منهم الاختيار لم يجز القتل، وحكى ابن حمدان في رعايته الصغرى رواية بأن من حضر له الاستيفاء وعممها، وخصها الشيخان ومن رأينا كلامه بالصبي والمجنون، وجعلوا الغائب أصلا قاسوا عليه المذهب، قال القاضي وأتباعه: قود ثابت لجماعة معينين، لم يتحتم استيفاؤه، فلم يجز لبعضهم أن
ينفرد باستيفائه، أصله إذا كان بعضهم غائبا؛ واحترزوا (بمعينين) عما إذا لم يكن له وارث، فإن للإمام الاستيفاء، مع أن القود للمسلمين، وفيهم الصغير والمجنون، (ولم يتحتم استيفاؤه) عن قطاع الطريق إذا قتلوا من في ورثته صغير أو مجنون، فإنهم يقتلون من غير انتظار.
واعلم أن أصل هذه الرواية أخذها القاضي من قول أحمد في رواية ابن منصور - في يتيم قطعت يده - فوليه بالخيار، إن شاء الدية، وإن شاء القود، أرأيت إن مات قبل أن يندمل، ووجه الأخذ أن أحمد جوز للولي القصاص، ويلزم منه سقوط تشفي الصغير، فكذلك هنا، إذ غايته سقوط التشفي، والعجب أن القاضي لم يذكر هذه الرواية في محلها، بل خرج ثم على معنى هنا، وبالجملة وجه هذه الرواية أن الصغير والمجنون في حكم المعدومين، ولأن الحسن بن علي رضي الله عنهما قتل ابن ملجم قصاصا، وفي الورثة صغار، فلم ينكر عليه، وأجيب بوجهين (أحدهما) أنه إنما قتله لكفره، لأنه قتل عليا كرم الله
وجهه مستحلا لدمه، كما هو مذهب الخوارج، ومن استحل ذلك كفر، وقد قال خبيثهم عمران بن حطان قبحه الله في ذلك يمدح قاتله:
يا ضربة من تقي ما أراد بها
…
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه
…
أوفى البرية عند الله ميزانا
ولهذا كان أشهر الروايتين عن إمامنا رحمه الله تكفيرهم (والوجه الثاني) وهو جواب أبي بكر أن عبد الرحمن بن ملجم شهر السلاح، وسعى في الأرض بالفساد، وحارب الله ورسوله، وإذًا يتحتم قتله فيكون كقاطع الطريق إذا قتل، والحسن هو الإمام، فقتله لذلك، ولذلك لم ينتظر الغائبين، وقد حكي الاتفاق على وجوب انتظارهم، ونقل عبد الله: إذا كان في الأولياء صبي أو مصاب لم يقتل حتى يشب الصغير، وإن كان
مصابا يصيرون إلى الدية، قال القاضي: وظاهر هذا أنه أسقط القصاص رأسا في حق المجنون، وأثبته في حق الصغير، كما قال، وهو محمول على أن جنونه مطبق، لا يرجى زواله.
قال: ومن عفا من ورثة المقتول عن القصاص، لم يكن إلى القصاص سبيل، وإن كان العافي زوجا أو زوجة.
ش: (قد تضمن) كلام الخرقي صحة العفو عن القصاص، وهو إجماع ولله الحمد، بل هو أفضل، لقوله سبحانه:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] وقال تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] .
2948 -
«وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو» . رواه الخمسة إلا الترمذي.
2949 -
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم –
(وتضمن أيضا أن القصاص حق لجميع الورثة يرثه من يرث المال.
2950 -
وذلك لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن يعقل عن المرأة عصبتها من كانوا، ولا يرثوا منها إلا ما فضل من ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها، وهم يقتلون قاتلها» ، رواه الخمسة إلا الترمذي، ويتفرع على هذا أنه من عفا من الورثة عن القصاص سقط، إذ القتل عبارة عن زهوق الروح بآلة صالحة، وذلك لا يتبعض، فإذا أسقط بعض مستحقيه حقه منه سقط، لتعذر استيفائه.
2951 -
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كان امرأة» رواه
النسائي، وأبو داود ولفظه:«الأولى فالأولى» .
وقوله: وإن كان العافي زوجة، تنصيص على مخالفة مذهب الغير، وذلك لما تقدم.
2952 -
وعن عمر رضي الله عنه أنه أتي برجل قد قتل قتيلا، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه، فقالت امرأة المقتول - وهي أخت القاتل: قد عفوت عن حقي. فقال عمر رضي الله عنه: الله أكبر عتق القتيل. رواه أبو داود (وقوله) : عن القصاص: يحترز به والله
أعلم عما إذا عفا عن الدية، فإنه يكون مختارا للقود، ولم أعلم من صرح بذلك، وأظن ذلك وقع للقاضي في روايتيه، وقال: أومأ إليه أحمد في رواية الميموني (وقوله) : لم يكن إلى القصاص سبيل، أي طريق، ويفهم منه أن له إلى الدية سبيل، وهو كذلك، أما في حق من لم يعف فواضح، لتعذر القصاص عليه، وذلك يوجب تعين الدية له، وأما في حق من عفا فهو ينبني على أصل، وهو أن الواجب في قتل العمد أحد شيئين، القصاص أو الدية على المذهب، فعلى هذا إذا عفا عن القصاص ثبتت له الدية، ويأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام على ذلك.
(تنبيه) : «المقتتلين» هنا أن يطلب أولياء القتيل القود، فيمتنع القتلة، فينشأ بينهم الحرب والقتال من أجل ذلك، فجعلهم مقتتلين بفتح التائين من أجل ذلك، يقال: اقتتل فهو مقتتل، غير أن هذا إنما يستعمل أكثره فيمن قتله الحرب قاله الخطابي. «وينحجزوا» أي ينكفوا عن القود، بعفو أحدهم ولو كان امرأة، «والأول فالأول» أي الأقرب فالأقرب.
قال: وإذا اشترك الجماعة في القتل فأحب الأولياء أن يقتلوا الجميع فلهم ذلك، وإن أحبوا أن يقتلوا البعض، ويعفوا عن البعض، ويأخذوا الدية من الباقين، كان لهم ذلك.
ش: إذا اشترك الجماعة في القتل فللأولياء أن يقتلوا الجميع، بناء على المذهب، من أن الجماعة تقتل بالواحد وقد تقدم، ولهم أن يقتلوا البعض، لأنهم إذا كان لهم قتل الجميع فقتل
البعض بطريق الأولى، ويعفوا عن البعض، لأن من له قتل شخص، له العفو عنه كما تقدم، ولا يسقط القصاص عن البعض بالعفو عن البعض، لأنهما شخصان فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر، كما لو قتل كل واحد رجلا، ويأخذوا الدية من البعض، لأن من ملك قتل شخص، ملك العفو عنه إلى الدية كما سيأتي، وماذا يأخذ منه، هل يأخذ منه دية كاملة، أو بقسطه من الدية، فلو كان القاتلون أربعة فعليه ربع الدية؟ فيه روايتان تقدمتا.
وقول الخرقي: ويأخذوا الدية، ظاهره وإن لم يرض الجاني، وهو يستدعي بيان أصل، وهو أن موجب العمد ما هو؟ عن أحمد ثلاث روايات (إحداهن) ، وهو المذهب عند الأصحاب وتقدمت الإشارة إليه موجبه أحد شيئين، القصاص أو الدية، لقوله سبحانه:{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] أوجب سبحانه الاتباع بالمعروف بمجرد العفو، وهو يشمل ما إذا عفا مطلقا، وذلك فائدة أن الواجب أحد شيئين.
2953 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن الدية فيهم، فقال الله سبحانه لهذه الأمة:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] الآية {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية، مختصر، رواه
البخاري وغيره، قال الزمخشري في قَوْله تَعَالَى:{ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178] أهل التوراة كتب عليهم القصاص، وحرم العفو وأخذ الدية، وأهل الإنجيل العفو، وحرم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمة بين الثلاث، القصاص والدية والعفو، ونحوه قال البغوي، إلا أنه قال: وأهل الإنجيل الدية.
2954 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يقتل، وإما أن يفدى» متفق عليه.
2955 -
وعن أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أصيب بدم أو خبل - والخبل الجراح، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، بين أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه» ثم تلا؛ {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] » رواه أحمد وأبو داود. وهذا نص (والرواية الثانية) موجب العمد القود عينا،
وله العفو إلى الدية من غير رضا الجاني، فتكون الدية بدلا عن القصاص، اختارها ابن حامد، لظاهر قول الله تعالى؛ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: 178] .
2956 -
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل عمدا فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» رواه أبو داود والنسائي. (والثالثة) موجب القود عينا، وليس له العفو على الدية بدون رضا الجاني، لأن هذا متلف يجب به البدل، فكان بدله معينا، كسائر أبدال المتلفات.
إذا تقرر هذا فكلام الخرقي جار على الرواية الأولى، إذ عليها إذا اختار الدية كانت له بلا ريب، وكذلك إذا عفا مطلقا، أما على الثانية فلا شيء عليه إذا عفا مطلقا، وإنما تجب له الدية إذا عفا عن القود إليها، كذا قال الشيخان وغيرهما، وشذ الشيرازي فقال: لا شيء له أيضا على هذه الرواية، وفي موضع
آخر من المبهج أيضا ظاهر كلامه موافقة الجماعة، وعلى الثالثة لا يستحق العفو إلا برضا الجاني.
(تنبيه) : «يفدي» المراد هنا بالفدية الدية، بدليل أن في رواية أخرى:«إما أن يودى، وإما أن يقاد» . «والصرف» التوبة «والعدل» الفدية.
قال: وإذا قتل من للأولياء أن يقيدوا به، فبذل القاتل أكثر من الدية على أن لا يقاد، فللأولياء قبول ذلك.
ش: إذا قتل من للأولياء أن يقيدوا به، أي يأخذوا به القود، فبذل القاتل أكثر من الدية، على أنه لا يقاد بالمقتول، فللأولياء قبول ذلك، لأن الحق لهم، لا يعدوهم.
2957 -
وفي الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم» وذلك لتشديد القتل، ولأبي البركات احتمال بالمنع من ذلك، وربما فهم من كلام الخرقي أن الأولياء لو رضوا بدون الدية كان لهم ذلك، وهو كذلك بلا ريب.
قال: وإذا قتله رجل وأمسكه آخر، قتل القاتل، وحبس
الماسك حتى يموت.
ش: هذا أشهر الروايتين عن أحمد، واختيار القاضي، والشريف وأبي الخطاب في خلافاتهم، والشيرازي، لظاهر قول الله تعالى:{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] الآية، والقاتل اعتدى بالقتل فيقتل، والممسك اعتدى بالحبس إلى الموت فيحبس إلى أن يموت.
2958 -
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إذا أمسك الرجل، وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك» رواه الدارقطني.
2959 -
وعن علي رضي الله عنه أنه أتي برجلين قتل أحدهما، وأمسك الآخر، فقتل الذي قتل، وقال للذي أمسك؛ أمسكته للموت، فأنا أحبسك في السجن حتى تموت. رواه الأثرم والشافعي في مسنده. ولا يعرف له مخالف في الصحابة (والرواية الثانية) يقتلان جميعا، لظاهر قول عمر رضي الله عنه:
لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، ولأن القتل وجد منهما، أحدهما بالسبب، والآخر بالمباشرة، أشبه ما لو باشراه، وأجيب عن قول عمر رضي الله عنه أن المراد بقوله: لو تمالأ عليه لو تشاركوا، ثم هو معارض بقول علي، وشرط قتل الممسك قصد القتل بإمساكه، أما إن لم يعلم أن القاتل يقتله فلا شيء عليه، ذكره أبو محمد، وكذلك ذكر القاضي أنه إذا أمسكه للعب أو الضرب فقتله القاتل أنه لا قود على الممسك، ذكره محل وفاق.
(تنبيه) : «أمسك ومسك» لغتان، والخرقي جمع بينهما فقال: وأمسكه آخر. وقال: وحبس الماسك حتى يموت. والماسك اسم فاعل من مسك، واسم فاعل: أمسك، ممسك.
قال: ومن أمر عبده أن يقتل، وكان العبد أعجميا، لا يعلم أن القتل محرم قتل السيد.
ش: الأعجمي هو الذي لا يفصح، وله حالتان، تارة يعلم أن القتل محرم وسيأتي وتارة لا يعلم، والخرقي رحمه الله إنما ذكر الأعجمي لأنه الذي لا يعلم غالبا، فالعجمة قرينة تصديقه، وهذا ما لم تقم قرينة تكذبه، كالناشئ في بلاد الإسلام، وبالجملة إذا أمر السيد من هذه صفته بالقتل فقتل، فإن السيد يقتل، لأن العبد والحال هذه كالآلة له، فإذًا السيد قد تسبب في قتله بما يقتله غالبا، فأشبه ما لو أنهشه حية أو كلبا ونحو ذلك، ولا يقتل العبد، لأن العبد والحال هذه معتقد الإباحة،
وذلك شبهة تمنع القصاص، ولأن حكمة القصاص الردع والزجر، ولا يحصل ذلك في معتقد الإباحة، واختلف عن أحمد فيما يفعل به (فعنه) يؤدب ويترك، حذارا من إقدامه على ذلك مرة أخرى (وعنه) يحبس حتى يموت.
2960 -
اعتمادا على أن هذا قول أبي هريرة رضي الله عنهما، قال علي رضي الله عنه: يستودع السجن.
قال: وإن كان العبد يعلم حظر القتل قتل العبد، وأدب السيد.
ش: إذا كان العبد يعلم حظر القتل، فإنه يقتل إذا كان مكلفا، لأنه مباشر مكلف، عالم بتحريم القتل، فكان موجب القتل عليه للعمومات، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولأن المباشرة تقطع حكم السبب، أشبه الحافر مع الدافع، ويؤدب السيد، لتسببه بما أفضى إلى القتل، وهذه التفرقة التي قالها الخرقي تبعه عليها أبو الخطاب والشيخان وغيرهم، وحكى الشيرازي في العبد من حيث الجملة روايتين (إحداهما) يحبس إلى الممات ويقتل السيد، (والثانية) يقتل