الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كتاب المرتد]
ش: المرتد في اللغة الراجع، وفي الشرع الراجع عن دين الإسلام، إلى دين الكفر، والأصل فيه قوله سبحانه:{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [البقرة: 217] الآية.
3061 -
وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» والله أعلم.
[استتابة المرتد]
قال: ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغا عاقلا، دعي إليه ثلاثة أيام، وضيق عليه، فإن رجع وإلا قتل.
3062 -
ش: الأصل في قتل المرتد في الجملة ما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا
يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» رواه الجماعة.
3063 -
وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف «أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف يوم الدار، فقال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو كفر بعد إسلام، أو قتل نفس بغير حق فقتل به» ، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قتلت النفس التي حرم الله، فبم تقتلوني» . . . رواه النسائي والترمذي، ولا فرق عندنا بين الرجل والمرأة لهذا.
3064 -
«وعن عكرمة قال: أتي علي بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس رضي الله عنهما فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعذبوا بعذاب الله» ولقتلتهم لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» رواه الجماعة إلا مسلما، وللترمذي فيه: فبلغ ذلك عليا فقال: صدق ابن عباس، وأدوات الشرط يدخل فيها المؤنث على الصحيح.
3065 -
وروى أبو أحمد بن عدي من «حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ارتدت امرأة عن الإسلام، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرض عليها الإسلام فأبت أن تقبل» ، فقتلت. لكن قال: هذا يرويه عبد الله بن عطارد بن أذينة الطائي، ولا يتابع عليه، وهو منكر الحديث.
3066 -
وما في الصحيح «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء» ، فعام في الردة وفي غيرها، وما تقدم خاص في الردة، فيخص كما خص بالثيب الزانية، وبالقاتلة، هذا إذا لم نقل من أول الأمر إنه خاص بالسبب الذي ورد عليه، وهو نساء أهل الحرب، وهو الظاهر.
3067 -
وما في الدارقطني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقتل المرأة إذا ارتدت» فمن رواية عبد الله بن عيسى الجزري، عن عفان، وقد قال العلماء بالحديث: إنه كذاب يضع الحديث على عفان وغيره. إذا تقرر هذا فيشترط لصحة الردة التكليف، بأن يكون عاقلا بالغا، إذ غير المكلف لا يتعلق به حكم خطابي.
3068 -
وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون
حتى يفيق» » فعلى هذا لا تصح ردة من زال عقله بنوم أو إغماء، أو مرض أو شرب مباح، وفي السكران ونحوه خلاف يأتي إن شاء الله تعالى، ولا ردة غير مميز، وفي المميز خلاف أيضا، ويشترط لقتل المرتد حيث صحت ردته أن لا يرجع إلى الإسلام، أما إن رجع إلى الإسلام فإنه لا يقتل، لزوال المقتضي للقتل وهو الردة، وقد قال الله تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] .
3069 -
وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها» وهذا قد أسلم وقد تاب، فاقتضى أن ينقطع ما قبل ذلك، ولا نزاع في هذا في غير الزنديق، ومن تكررت ردته، ومن سب الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم، والساحر، أما في هؤلاء الخمسة ففيهم روايتان (إحداهما) تقبل توبتهم كغيرهم، وهي ظاهر كلام الخرقي هنا في الجميع، واختيار الخلال في الساحر، ومن تكررت ردته والزنديق، وآخر قولي أحمد في الزنديق، قال في رواية أبي طالب: أهل المدينة يقولون: يضرب عنقه ولا يستتاب، وكنت أقوله ثم هبته، ليس فيه حديث، واختيار القاضي في روايتيه فيمن تكررت ردته، وظاهر كلامه في تعليقه في ساب الله
تعالى، وذلك لما تقدم.
3070 -
وفي الموطأ «أن رجلا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يدر ما ساره به حتى جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله» ؟ قال: بلى ولا شهادة له. قال: «أليس يصلي» ؟ قال: بلى ولا صلاة له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» » .
3071 -
وفي الحديث: «يقول الله تعالى: يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، يجعل لي صاحبة وولدا» ، وبالاتفاق متى أسلم
ذلك وتاب قبل منه.
(والثانية) لا تقبل، وهي اختيار أبي بكر، والشريف وأبي الخطاب، وابن البنا، والشيرازي في الزنديق، وقال القاضي في التعليق: إنه الذي ينصره الأصحاب، واختيار أبي الخطاب في خلافه في الساحر، وقطع به القاضي في تعليقه، والشيرازي في ساب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخرقي لقوله في من قذف أم النبي صلى الله عليه وسلم: قتل مسلما كان أو كافرا.
(أما في الزنديق) فلأنه كان مظهرا للإسلام، مسرا للكفر، فإذا وقف على ذلك منه، فأظهر التوبة، لم يزد على ما كان منه قبلها، وهو إظهار الإسلام، ولأنه ربما أفسد عقائد المسلمين في الباطن، وفي ذلك خطر وضرر عظيم، ولقصة علي رضي الله عنه أنه أتي بزنادقة فأحرقهم، والظاهر أنه لم يستتبهم، ويجاب بأن قصة علي رضي الله عنه واقعة عين، مع أنه قد يكون من مذهبه أن الاستتابة لا تجب، وما تقدم ليس بقانع في إهدار دم ناطق بالشهادتين.
(وأما فيمن تكررت ردته) فلأن تكررها قرينة تكذبه في توبته، ولقول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} [النساء: 137] الآية.
3072 -
وروى الأثرم بإسناده أن رجلا من بني سعد مر على مسجد بني حنيفة، فإذا هم يقرؤون برجز مسيلمة، فرجع إلى ابن مسعود رضي الله عنه فذكر ذلك له، فبعث إليهم فأتي بهم، فاستتابهم فتابوا، فخلوا سبيلهم إلا رجلا منهم يقال له ابن النواحة، قال: قد أتيت بك مرة فزعمت أنك قد تبت، وأراك قد عدت فقتله، ويجاب بأن الدماء تحقن بالشبهة، لا أنها تراق بها.
3073 -
وعن الآية بأن قتادة قال: نزلت في اليهود، آمنوا بموسى صلى الله عليه وسلم ثم كفروا بعبادتهم العجل، ثم آمنوا بالتوراة ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
3074 -
وعن مجاهد {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [النساء: 137] أي ماتوا عليه، فإذا هذا ليس مما نحن فيه.
3075 -
وعن قصة ابن مسعود بأن أبا داود رواه عن حارثة بن مضرب أنه أتى عبد الله رضي الله عنه بالكوفة فقال ما بيني وبين أحد من العرب حنة وإني مررت بمسجد بني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم فاستتابهم غير، وهذا يبين أنه إنما قتله تحقيقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لولا أنك رسول لقتلتك» ، فكأنه استوجب عنده صلى الله عليه وسلم القتل، وإنما منعه الرسالة، وقد زالت.
3076 -
(وأما في الساحر) فلما روى جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حد الساحر ضربة بالسيف» ، رواه الدارقطني والترمذي، وقال: الصحيح عن جندب موقوف.
3077 -
وعن بجالة بن عبدة رضي الله عنه قال كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس فأتانا كتاب عمر رضي الله عنه قبل موته بسنة أن اقتلوا كل ساحر وساحرة وفرقوا بين كل ذي رحم محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة، فقتلنا ثلاث سواحر، وجعلنا نفرق بين الرجل وحريمه في كتاب الله. رواه أحمد وأبو داود.
3078 -
وفي الموطأ عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة رضي الله عنه أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها قتلت جارية لها سحرتها وكانت قد دبرتها فأمرت بها فقتلت وظاهر هذه الآثار القتل بكل حال.
3079 -
ويروى أن ساحرة طافت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون، تسألهم هل لها من توبة، فما أفتاها أحد إلا ابن عباس رضي الله عنهما، قال لها: إن كان أحد من أبويك حيا فبريه، وأكثري من عمل البر ما استطعت، ويجاب بأن
قصة عائشة رضي الله عنها لا يعرف من رواها، مع أن الحبر ابن عباس رضي الله عنهما قد جعل لها توبة، وغير ذلك وقائع أعيان.
(وأما في من سب الجناب) الرفيع صلى الله عليه وسلم:
3080 -
فلما روى الشعبي عن «علي رضي الله عنه أن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها» ، رواه أبو داود.
3081 -
«وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلة، جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فأخذ المعول فوضعها في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فجمع الناس
فقال: «أنشدكم الله رجلا فعل ما فعل، لي عليه حق» قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المعول فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ألا اشهدوا أن دمها هدر» رواه أبو داود والنسائي، واحتج به أحمد في رواية عبد الله.
(وأما فيمن سب الله سبحانه) فبالقياس على ساب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى، قال أبو محمد: والخلاف في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا، من ترك قتلهم، وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، وأما قبول الله في الباطن، وغفرانه لمن تاب وأقلع باطنا وظاهرا فلا اختلاف فيه، فإن الله تعالى قال في حق المنافقين:{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 146] انتهى. واعلم أن الروايتين في ساب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان كافرا، ويكون ذلك نقضا لعهده، فيقتل وإن أسلم، والروايتين
في الساحر حيث يحكم بقتله بذلك، وإنما يحكم بقتله بالسحر حيث كفر به وكان مسلما، أما إن كان السحر مما لا يكفر به، أو يكفر به والساحر من أهل الكتاب، فإنه لا يقتل.
3082 -
» 3083 - وفي البخاري «أن ابن شهاب سئل أعلى من سحر من أهل العهد قتل؟ قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صنع له ذلك فلم يقتل من صنعه، وكان من أهل الكتاب» ، (وعنه) ما يدل على قتله كما تقدم عن عمر رضي الله عنه.
إذا تقرر ذلك فكل موضع قلنا: لا تقبل التوبة فلا استتابة، لعدم فائدتها، وكل موضع قلنا بقبول التوبة فإنه لا يقتل حتى يستتاب، احتياطا للدماء.
3084 -
وعن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه قال: قدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه في زمن خلافته رجل من أهل اليمن من قبل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وكان عاملا له، فسأله عمر رضي الله عنه عن الناس، ثم قال:«هل فيكم من مغربة خبر» قال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. قال: فهلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه، لعله يتوب ويراجع أمر الله تعالى، اللهم إني لم أحضر ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني. . . رواه مالك في موطئه والشافعي في مسنده. . . وهل ذلك على سبيل الاستحباب، لظاهر «من بدل دينه فاقتلوه» .
3085 -
وفي حديث «لأبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «اذهب إلى اليمن» ثم أتبعه معاذ بن جبل رضي الله عنه -
فلما قدم عليه ألقى له وسادة، وقال: انزل؛ وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله» . . . متفق عليه، ولأحمد: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه، وظاهر ذلك من غير استتابة، وإنكار عمر رضي الله عنه يحمل على الاستحباب، لأنهم كانوا ينكرون في المستحب، أو على الوجوب، وهو المذهب عند الأصحاب، لظاهر قصة عمر، وحديث جابر الذي رواه ابن عدي، وبذلك يتقيد ما تقدم، على أن في حديث أبي موسى الأشعري في رواية أبي داود: وكان قد استتيب قبل ذلك بعشرين ليلة أو قريبا منها، فجاء معاذ: فدعاه فأبى، فضرب عنقه، إلا أن أبا داود قال: قد روي هذا الحديث من طرق، وليس فيه ذكر الاستتابة، انتهى.