المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[كتاب الحدود] الحدود جمع حد، والحد في الأصل: المنع، ومنه قيل - شرح الزركشي على مختصر الخرقي - جـ ٦

[الزركشي الحنبلي]

فهرس الكتاب

- ‌[كتاب النفقات] [

- ‌نفقة الزوجة]

- ‌[نفقة الوالدين والأولاد]

- ‌[نفقة الصبي أو الصبية إذا لم يكن له أب وكان فقيرا]

- ‌[نفقة الرقيق]

- ‌[نفقة المعتق إذا كان فقيرا]

- ‌[نفقة أولاد العبد والأمة]

- ‌[نفقة ولد المكاتبة]

- ‌[باب الحال التي تجب فيها النفقة على الزوج]

- ‌[نفقة المطلقة المبتوتة]

- ‌[نفقة المختلعة]

- ‌[نفقة المرأة الناشز]

- ‌[باب من أحق بكفالة الطفل]

- ‌[تخيير الغلام والأمة بين أبويه بعد البلوغ]

- ‌[الأحق بكفالة الطلفل بعد الأم]

- ‌[باب نفقة المماليك]

- ‌[كتاب الجراح]

- ‌[أنواع القتل]

- ‌[القتل العمد وموجبه]

- ‌[القتل شبه العمد وموجبه]

- ‌[القتل الخطأ وموجبه]

- ‌[المماثلة بين القاتل والمقتول من شروط القصاص]

- ‌[جناية الصبي والمجنون والسكران]

- ‌[القصاص بين الوالد وولده]

- ‌[قتل الجماعة بالواحد]

- ‌[اشتراك الأب وغيره في القتل العمد]

- ‌[اشترك الصبي والمجنون والبالغ في القتل]

- ‌[القصاص بين الذكر والأنثى]

- ‌[دية العبد]

- ‌[باب القود]

- ‌[شروط القصاص في الجراح]

- ‌[لا قصاص في المأمومة ولا الجائفة]

- ‌[باب ديات النفس]

- ‌[دية الحر المسلم]

- ‌[ما تحمله العاقلة من الدية]

- ‌[جناية الرقيق]

- ‌[المقصود بالعاقلة]

- ‌[حكم من وجبت عليه دية ولم تكن له عاقلة]

- ‌[دية الحر الكتابي]

- ‌[دية المجوسي]

- ‌[دية الحرة المسلمة]

- ‌[دية العبد والأمة]

- ‌[دية الجنين]

- ‌[الحكم لو رمى ثلاثة بالمنجنيق فرجع الحجر فقتل رجلا]

- ‌[باب ديات الجراح]

- ‌[جراح المرأة تساوي جراح الرجل إلى الثلث]

- ‌[حكم من وطئ زوجته وهي صغيرة ففتقها]

- ‌[دية الشجاج التي لا توقيت فيها]

- ‌[دية ما لم يكن فيه من الجراح توقيت]

- ‌[تعريف الحكومة]

- ‌[دية العبد والأمة والخنثى فيما ليس فيه توقيت]

- ‌[كتاب القسامة]

- ‌[كفارة القتل الخطأ]

- ‌[ما يثبت به القصاص]

- ‌[باب قتال أهل البغي]

- ‌[أنواع البغي]

- ‌[طرق دفع البغي]

- ‌[حكم القتيل من أهل العدل]

- ‌[الآثار المترتبة على قتال البغاة]

- ‌[كتاب المرتد]

- ‌[استتابة المرتد]

- ‌[أحكام الزنديق]

- ‌[استتابة تارك الصلاة]

- ‌[ذبيحة المرتد]

- ‌[الحكم بإسلام الصبي]

- ‌[حكم الأولاد إذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب]

- ‌[حكم من شهد عليه بالردة فأنكر]

- ‌[حكم من أقر بالردة ثم رجع أو أنكر]

- ‌[حكم ردة السكران]

- ‌[كتاب الحدود]

- ‌[حد الزنا]

- ‌[الموضع الذي يجب فيه الحد في الزنا]

- ‌[حكم اللواط]

- ‌[إتيان البهيمة]

- ‌[ما يثبت به حد الزنا]

- ‌[الرجوع عن الإقرار بالزنا]

- ‌[تكرار الزنا هل يوجب تكرار الحد]

- ‌[تحاكم أهل الذمة إلينا في الزنا]

- ‌[حد القذف]

- ‌[الحد في قذف الملاعنة]

- ‌[قذف أم النبي]

- ‌[قذف الجماعة بكلمة واحدة]

- ‌[إقامة الحد في الحرم]

- ‌[كتاب القطع في السرقة]

- ‌[مقدار النصاب في السرقة]

- ‌[ما لا قطع فيه في السرقة]

- ‌[محل القطع وكيفيته في السرقة]

- ‌[حكم السارق إذا عاد للسرقة بعد القطع]

- ‌[تلف الشيء المسروق]

- ‌[قطع النباش]

- ‌[القطع في سرقة المحرم كالخمر الخنزير والميتة وآلات اللهو]

- ‌[القطع في سرقة الأب والأم من ولدهما]

- ‌[حكم سرقة العبد من مال سيده]

- ‌[ما يثبت به حد السرقة]

- ‌[اشتراك الجماعة في السرقة]

- ‌[كتاب قطاع الطرق]

- ‌[المقصود بالمحاربين]

- ‌[عقوبة المحاربين]

- ‌[توبة المحارب قبل القدرة عليه]

- ‌[كتاب الأشربة وغيرها] [

- ‌حد الشرب]

- ‌[موت شارب الخمر أثناء الحد]

- ‌[كيفية إقامة الحدود]

- ‌[حكم العصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام]

- ‌[حكم النبيذ]

- ‌[حكم انقلاب الخمر خلا]

- ‌[الشرب في آنية الذهب والفضة]

- ‌[التعزير]

- ‌[تعريف التعزير ومقداره]

- ‌[الصيال]

- ‌[حكم دفع الصائل]

- ‌[ضمان جناية الدواب وما أفسدته من الزروع]

- ‌[الحكم لو تصادم فارسان أو رجلان فمات الرجلان أو الدابتان]

- ‌[كتاب الجهاد]

- ‌[حكم الجهاد]

- ‌[فضل الجهاد]

- ‌[غزو البحر أفضل أم غزو البر]

- ‌[الغزو مع الإمام البر والفاجر]

- ‌[مدة الرباط في سبيل الله]

- ‌[إذن الوالدين في الجهاد]

- ‌[قتال أهل الكتاب والمجوس قبل الدعوة للإسلام]

- ‌[دعوة عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا]

- ‌[دخول النساء مع المسلمين إلى أرض العدو]

- ‌[ما يجب على الجند تجاه الأمير في الجهاد]

- ‌[ما يفعله الإمام بالأسرى]

- ‌[حكم النفل من الغنيمة]

- ‌[استحقاق القاتل للسلب]

- ‌[إعطاء الأمان للكفار]

- ‌[سهم الفارس والراجل في الجهاد]

- ‌[الرضخ للعبد والمرأة في الجهاد]

- ‌[إعطاء الكافر من الغنيمة إذا قاتل مع المسلمين]

- ‌[إعطاء الطليعة والجاسوس والرسول من الغنيمة]

- ‌[التفريق بين الوالد وولده والوالدة وولدها في السبي]

- ‌[حكم ما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين وعبيدهم فأدركه صاحبه قبل القسمة]

- ‌[مشاركة الجيش وسراياه في الغنيمة]

- ‌[حكم الأكل من الغنيمة]

- ‌[تحريق العدو بالنار وقطع الشجر وقتل الدواب في الجهاد]

- ‌[حكم الزواج في أرض العدو]

- ‌[حكم المعاملة بالربا في أرض العدو]

- ‌[حكم الغلول من الغنيمة]

- ‌[إقامة الحد على المسلم في أرض العدو]

- ‌[قتل الأطفال النساء والرهبان والمشايخ في الحرب]

- ‌[حكم السرقة من الغنيمة]

- ‌[وطئ جارية السبي قبل قسمة الغنيمة]

- ‌[كتاب الجزية]

- ‌[من تقبل منه الجزية]

- ‌[مقدار الجزية]

- ‌[من لا تجب عليه الجزية]

- ‌[حكم إسلام من وجبت عليه الجزية]

- ‌[حكم من نصارى بني تغلب بالنسبة للجزية والزكاة ونحوها]

- ‌[أخذ العشور من أهل الذمة]

- ‌[حكم من نقض عهده من المشركين]

- ‌[كتاب الصيد والذبائح]

- ‌[شروط الصيد بالحيوان]

- ‌[حكم الصيد بالكلب الأسود]

- ‌[حكم أدرك الصيد وفيه روح فلم يذكه حتى مات]

- ‌[الحكم لو رمى الصيد فوقع في ماء أو تردى من جبل]

- ‌[الحكم لو رمى صيدا فأبان منه عضوا]

- ‌[نصب المناجل للصيد]

- ‌[حكم الصيد بالمعراض]

- ‌[حكم صيد السمك بالشيء النجس]

- ‌[ذبيحة المرتد وصيده]

- ‌[ترك التسمية على الصيد أو الذبيحة عمدا أو سهوا]

- ‌[صيد الكتابي]

- ‌[حكم أكل ما قتل بالبندق والحجر]

- ‌[حكم صيد المجوسي]

- ‌[حكم أكل السمك الطافي]

- ‌[ذكاة المقدور عليه من الصيد والأنعام]

- ‌[الحكم لو ذبح الشاة وفي بطنها جنين]

- ‌[ذبيحة الأعمى والأقلف والأخرس]

- ‌[ذبيحة الجنب]

- ‌[ما تستطيبه العرب وما تستخبثه من الدواب]

- ‌[المحرم من الحيوان]

- ‌[حكم أكل المضطر]

- ‌[حكم أكل الضب والضبع والثعلب]

- ‌[حكم أكل الصيد إذا رمي بسهم مسموم]

- ‌[حكم ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر فمات]

- ‌[وقوع النجاسة في مائع كالدهن وما أشبهه]

الفصل: ‌ ‌[كتاب الحدود] الحدود جمع حد، والحد في الأصل: المنع، ومنه قيل

[كتاب الحدود]

الحدود جمع حد، والحد في الأصل: المنع، ومنه قيل للبواب حدادا، لمنعه الداخل والخارج إلا بإذن، وسمي الحديد حديدا؛ للامتناع به، أو لامتناعه على من يحاوله.

والحد عقوبة تمنع من الوقوع في مثله، وحدود الله محارمه. قال سبحانه تعالى:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] ، وما قدره كجعل الطلاق ثلاثا، ونحو ذلك، قال سبحانه:{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229] ولعل تسمية المحارم حدودا، وكذلك المقدرات؛ إشارة إلى المنع من قربان ذلك، أو تجاوزه، والله أعلم.

[حد الزنا]

قال: وإذا زنى الحر المحصن أو الحرة المحصنة؛ جلدا ورجما حتى يموتا، في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله رحمه الله والرواية الأخرى: يرجمان ولا يجلدان.

ش: الزنا مما علم تحريمه من دين الله بالضرورة، وقد شهد له قوله سبحانه:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] ،

ص: 269

وقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68]{يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الفرقان: 69]، وقَوْله تَعَالَى:{وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] .

3104 -

وعده النبي صلى الله عليه وسلم في السبع الموبقات، وجعله من أعظم الذنب.

إذا تقرر ذلك (فالرواية الأولى) اختيار أبي بكر عبد العزيز، ونصبها الشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وصححها الشيرازي، لقول الله تعالى:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] الآية، وهذا عام في البكر والثيب، ثم قد ورد رجم المحصن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا ريب، وفعله خلفاؤه من بعده، بل وفي الكتاب العزيز.

3105 -

قال ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت عمر رضي الله عنه وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله بعث

ص: 270

محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمن أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله في كتابه، فإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، وايم الله لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله لكتبتها. . . متفق عليه.

وإذا ورد رجم الثيب في الكتاب وفي السنة، وورد الجلد في الكتاب، وهو يعمه ويعم غيره، وجب الجمع بينهما، وقد أشار علي رضي الله عنه، والله أعلم إلى ذلك.

3106 -

ففي البخاري عن الشعبي أن عليا رضي الله عنه حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 271

3107 -

مع أن في صحيح مسلم، وسنن أبي داود والترمذي، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» ، وما يعترض على هذا من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجلد ليس بنص صريح، إذ غايته أنه لم ينقل أنه جلد، وعدم النقل لا يدل على العدم.

(والرواية الثانية) : هي أشهر الروايتين عن الأثرم، واختارها ابن حامد، ونصرها الجوزجاني والأثرم في منتهاهما.

3108 -

لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية، وامرأة من جهينة، ورجلا وامرأة من اليهود، ولم ينقل - مع كثرة الروايات التي

ص: 272

يبلغ مجموعها التواتر المعنوي - بلا ريب - أنه صلى الله عليه وسلم جلدهم.

3109 -

وقال: « «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» متفق عليه، ولم يأمر بجلدها، وهذا يبين أن هذا هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أشار إلى هذا أحمد، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة رضي الله عنه: إنه أول حد نزل، وإن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلده، وعمر رضي الله عنه رجم ولم يجلد، وكذلك نقل إسماعيل بن سعيد نحو هذا، والذي في الآية الكريمة يحمل على البكر.

3110 -

وقد ورد في أبي داود في رواية - قال أبو السعادات: ذكرها رزين - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول ما كان الزنا في الإسلام أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: 15]{وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} [النساء: 16] ثم نزل بعد ذلك: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] ، ثم نزلت آية الرجم في النور، فكان الأول للبكر، ثم رفعت آية الرجم من التلاوة، وبقي الحكم بها، وهذا إن ثبت فيه جمع بين الأدلة.

ص: 273

3111 -

وقد عمل على ذلك عمر وعثمان رضي الله عنه فرجما، ولم ينقل أنهما جلدا.

وتقييد الخرقي بالحر والحرة ليخرج العبد والأمة، وسيأتي إن شاء الله تعالى حدهما، وتقييد الحر بالمحصن والحرة بالمحصنة ليخرج غير المحصن كما سيأتي، ولا نزاع في أن الإحصان شرط في الرجم، وقد شهد لذلك حديث عبادة وحديث عمر رضي الله عنهما.

3112 -

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني» ، وفي رواية:«أو زنا بعد إحصان» الحديث. . . وقد تقدم ذلك.

3113 -

وفي قصة ماعز أنه قال له: «أحصنت» ؟ قال: نعم، فأمر به فرجم. والإحصان قد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب النكاح، فلا حاجة إلى إعادته.

ص: 274

(تنبيه) : الزنا الفاحشة يمد ويقصر، فالقصر لأهل الحجاز، والمد لأهل نجد، أنشد ابن سيده:

أما الزناء فإني لست قاربه

والمال بيني وبين الخمر نصفان

والزاني من أتى الفاحشة، وسيأتي كلام الخرقي إن شاء الله تعالى فيه، والله أعلم.

قال: ويغسلان ويكفنان، ويصلى عليهما، ويدفنان.

ش: أما التغسيل والتكفين والدفن فاتفاق، حكاه أبو محمد.

3114 -

وقال أحمد: سئل علي رضي الله عنه عن شراحة - وكان رجمها - فقال: اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم. وصلى علي رضي الله عنه على شراحة، وأما الصلاة، فهي أيضا قول الأكثرين.

ص: 275

3115 -

لما روى عمران بن حصين رضي الله عنه، أن «امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها» ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، قال عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل» رواه مسلم وأبو داود والترمذي.

3116 -

وفي مسلم أيضا وسنن أبي داود، من حديث بريدة في «قصة ماعز والغامدية قال: ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت.»

3117 -

وما في الصحيح من حديث ابن عباس، ومن حديث جابر رضي الله عنهم «أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز» ،

ص: 276

فقضية عين، يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحضره، أو اشتغل عنه لعارض، أو غير ذلك، ولأن عموم «صلوا على من قال لا إله إلا الله» يدخل فيه من مات بحد.

قال: وإذا زنى الحر بالبكر جلد مائة جلدة، وغرب عاما.

ش: أراد بالبكر من لم يحصن، وإنما عبر بالبكر اتباعا للفظ الحديث، وقد حصل اتفاق العلماء ولله الحمد على الجلد، بشهادة الكتاب والسنة بذلك، وجمهورهم أيضا على القول بالتغريب، لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه المتقدم.

3118 -

وعن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما، قالا:«جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس، فقال: يا رسول الله أنشدك الله ألا قضيت لي بكتاب الله. فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قل» ، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني

ص: 277

الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني إنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت» ، أخرجه الجماعة. والدلالة منه من وجهين:(أحدهما) - وهو العمدة - قوله عليه الصلاة والسلام: «وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام» .

(والثاني) : قوله: سألت أهل العلم، وأهل العلم هم جلة الصحابة رضي الله عنهم، وهذا يدل على أن هذا كان معروفا مشهورا عندهم، وقد تأكد قوله عليه السلام بفعله.

3119 -

فعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب» ، وأن أبا بكر رضي الله عنه ضرب وغرب، وأن عمر رضي الله عنه ضرب وغرب، رواه النسائي. لكن قال النسائي: الصواب في هذا الحديث أن أبا بكر رضي الله عنه، وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ودعوى أن هذا زيادة على

ص: 278

النص، وهو {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] الآية، والزيادة على النص نسخ، والكتاب لا ينسخ بالسنة - ممنوع؛ أما (أولا) : فلأن النص ليس فيه تعرض لنفي التغريب إلا من جهة المفهوم، والحنفي لا يقول به، وبالاتفاق متى عارض المفهوم نص قدم عليه.

وأما (ثانيا) : فإنا لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ، كما هو مقرر في موضعه.

وأما (ثالثا) : فإنا لا نسلم أيضا أن النسخ لا يحصل بالسنة، بل يحصل بالسنة، وإن كانت آحادا، على رواية اختارها فحل الفقهاء أبو الوفاء ابن عقيل، والله أعلم.

قال: وكذلك المرأة.

ش: يعني أنها تجلد، ولا نزاع في ذلك، لنص الكتاب، وتغرب، وهو أيضا قول الأكثرين ممن قال بالتغريب، ثم وعليه

ص: 279

المعول في المذهب، لعموم حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، ولأن ما كان حدا في حق الرجل كان حدا في حق المرأة كسائر الحدود، واختار أبو محمد في مغنيه أنها لا تغرب، كقول مالك، وله في كتبه الثلاثة احتمال بسقوطه إذا لم تجد محرما.

3120 -

ومدركهما قوله عليه السلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم» ؛ ولأن تغريبها بدون محرم تضييع لها، ومعه يفضي إلى نفي من لا ذنب له، وإن كلفت بأجرته فذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به.

(تنبيه) : شرط التغريب أن يكون إلى مسافة القصر في الجملة، إذ ما دونها في حكم المقيم، قال أبو محمد: ويحتمل كلام أحمد في رواية الأثرم أنه لا يشترط ذلك، لقوله: ينفى من عمله إلى عمل غيره. ولا تفريع على هذا، أما على المذهب فالرجل ينفى إلى مسافة القصر بلا ريب، وكذلك المرأة إذا كان معها محرمها، ومع تعذره هل تنفى إلى مسافة القصر لما تقدم، أو إلى ما دونها، لحديث:«لا تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم» ؟ على روايتين، هذه طريقة القاضي في

ص: 280

الروايتين، وأبي محمد في المغني، وجعل أبو الخطاب في الهداية الروايتين فيها مطلقا، سواء نفيت مع محرمها أو بدونه، وتبعه على ذلك أبو محمد في الكافي والمقنع، وعكس أبو البركات طريقة المغني، فجعل الروايتين فيها فيما إذا نفيت مع محرمها، أما بدونه فإلى ما دونها قولا واحدا، كما اقتضاه كلامه.

قال: وإذا زنى العبد أو الأمة جلد كل واحد منهما خمسين جلدة، ولم يغربا.

3121 -

ش: أما جلدهما فلما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما قالا: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» » ، متفق عليه.

3122 -

وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: «خطب علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنت اتركها حتى

ص: 281

تماثل» » رواه مسلم وأبو داود والترمذي، لكن قال فيه:«وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» جعله من لفظ الرسول، والعبد في معنى الأمة، وبهذين يضعف دليل خطاب {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [النساء: 25] .

3123 -

على أنه نقل عن ابن مسعود رضي الله عنه أن المراد بالإحصان الإسلام. وأما كونه خمسين جلدة، فلقوله تعالى:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]

ص: 282

والعذاب الذي في كتاب الله هو جلد مائة جلدة، ولهذا عرفه.

3124 -

وعن عبد الله بن عياش قال: أمرني عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أجلد ولائد للإمارة، أنا وفتية من قريش خمسين خمسين في الزنا. أخرجه مالك في الموطأ.

3125 -

«وعن علي رضي الله عنه قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمة له سوداء زنت، لأجلدها الحد، قال: فوجدتها في دمها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال لي: «إذا تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين» ، رواه عبد الله بن أحمد في المسند.

وأما كون ذلك بلا تغريب؛ فلأن ما تقدم جميعه ليس فيه تغريب، ولو وجب لذكر، وإلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، والعذاب كما تقدم والله أعلم المراد به الذي في الكتاب، ولا تغريب فيه، ثم إن التغريب في حق العبد في الحقيقة عقوبة لسيده دونه، لما يفوته من خدمته، وما يحتاجه

ص: 283