الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة القصص
إلقاء أم موسى عليه السلام له في اليمِّ كان في الليل.
قال الله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: ({وَأَصْبَحَ} أي: عقب الليلة التي حصل فيها فراقه {فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى} أي: قلبها الذي زاد احتراقه شوقاً وخوفاً وحزناً، وهذا يدل على أنها ألقته ليلاً).
(1)
وجه الاستنباط:
أن قوله تعالى {وَأَصْبَحَ} على حقيقته، أي صبيحة تلك الليلة.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على أن أم موسى عليه السلام ألقته ليلاً، يدلّ له لفظ {وَأَصْبَحَ} إذ هو على حقيقته، أي: أنها ألقته بالليل، فأصبح فؤادها فارغاً في النهار.
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الماوردي، والقرطبي، وغيرهما.
(2)
وللمفسرين في قوله تعالى {وَأَصْبَحَ} وجهان: أحدهما: أنها ألقته ليلاً فأصبح فؤادها فارغاً في النهار. والثاني: أنها ألقته نهاراً، ومعنى أصبح: أي صار.
(1)
السراج المنير (3/ 132)
(2)
ينظر: النكت والعيون (4/ 238)، والجامع لأحكام القرآن (13/ 256)
والذي عليه كثير من المفسرين أن أصبح بمعنى: صار
(1)
، أي صار فؤادها فارغاً من العقل، وذلك حين بلغها أنه وقع في يد فرعون، فدهمها أمر لا يثبت معه العقل، لا سيما عقل امرأةٍ خافت على ولدها حتى ألقته في اليم، رجاء نجاته من الذبح، هذا مع أن الله قد أوحى إليها أنه يردُّه إليها ويجعله رسولاً، ومع ذلك طاش عقلها وغلب عليها الفزع.
(2)
قال ابن عاشور: " (أصبح) مستعملٌ في معنى (صار) فاقتضى تحولاً من حالة إلى حالة أخرى، أي كان فؤادها غير فارغ فأصبح فارغاً ".
(3)
والذي يظهر والله تعالى أعلم أن لفظ " أصبح " هو بمعنى: صار، كما عليه عموم المفسرين، وهو الأغلب في استعماله، وعليه فاستنباط دلالته على أنها ألقته ليلاً ليس بالقوي، خاصة وأنه لم يثبت وقت إلقائها له في اليمّ، وكل ما في ذلك هو من أخبار بني إسرائيل، والله تعالى أعلم بصحتها.
(1)
ينظر: تفسير السمعاني (4/ 124)، ومدارك التنزيل (2/ 631)، والبحر المحيط (8/ 289)، وروح البيان (6/ 385)، والتحرير والتنوير (20/ 80).
(2)
ينظر: البحر المحيط (8/ 289)
(3)
التحرير والتنوير (20/ 80).
صاحب مدين كان له بنات أُخَر غير المذكورتين في آية القصص.
قال الله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص: 27]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله في قوله تعالى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} (أي: الحاضرتين اللتين سقيت لهما؛ ليتأمّلهما فينظر من يقع اختياره عليه منهما، ليعقد له عليها - إلى أن قال-: وقوله {هَاتَيْنِ} فيه دليل على أنه كان له غيرهما).
(1)
وجه الاستنباط:
بدلالة الإشارة إليهما بقوله {هَاتَيْنِ} .
الدراسة:
استنبط الخطيب من الإشارة بقوله {هَاتَيْنِ} الإيماء إلى أن صاحب مدين
(2)
كانت له بنات أخر غيرهما
(3)
، وكان غرضه أن يتأمّلهما موسى فينظر من
(1)
السراج المنير (3/ 138)
(2)
اختلف في اسمه، قال الطبري:(وأما أبوهما فمختلفٌ في اسمه، فقال بعضهم: اسمه يثرون، قال ابن مسعود: الذي استأجر موسى ابن أخي شعيب يثرون، وقال آخرون: اسمه يثرى، وهو منقول عن ابن عباس. وقال الحسن: يقولون هو شعيب النبي، لا ولكنه سيد أهل الماء يومئذ. قال ابن جرير: وهذا لا يُدرك علمه إلا بخبرٍ عن معصوم ولا خبرَ في ذلك، وقيل اسمه أثرون). ينظر: جامع البيان (19/ 562)
(3)
أخرج ابن المنذر عن مجاهد أن لهما أربع أخوات صغار، وقال البقاعي: إن له سبع بنات كما في التوراة، ينظر: حاشية الشهاب الخفاجي (7/ 70)، وروح المعاني (10/ 276)، والتحرير والتنوير 20/ 101).
يقع اختياره عليه منهما ليعقد له عليها، فأشار إليهما بقوله {هَاتَيْنِ} لدفع التوهم عن إرادة غيرهما، فدلَّ باللازم على أنه كان له غيرهما.
وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الزمخشري، والنسفي، والألوسي، وغيرهم.
(1)
وخالف بعض المفسرين فضعَّف دلالة الآية على هذا المعنى كأبي حيان قال:
(قال الزمخشري: ({هَاتَيْنِ} فيه دليل على أنه كانت له غيرهما. انتهى. ولا دليل في ذلك، لأنهما كانتا هما اللتين رآهما تذودان وجاءته إحداهما فأشار إليهما، والإشارة إليهما لا تدل على أن له غيرهما).
(2)
وتعقَّبه بعض المفسرين كالألوسي مؤكداً هذه الدلالة فقال: (واعتُرِض بأنه لا دلالة فيه على ما ذُكِر؛ إذ يكفي في الحاجة إلى الإشارة عدمُ عِلم المخاطب بأنه ما كانت له غيرهما. وتُعقِّب بأنه على هذا تكفي الإضافة العهدية ولا يحتاج إلى الإشارة، فهذا يقتضي أن يكون للمخاطب علم بغيرهما معهود عنده أيضاً، وإنما الإشارة لدفع إرادة غيرهما من ابنتيه الأُخريين المعلومتين له من بينهن).
(3)
والذي يظهر أن الإشارة لهما بقوله {هَاتَيْنِ} لم تُذكر عبثاً، وإنما جاءت لدفع توهم غيرهما من بناته، والله تعالى أعلم.
(1)
ينظر: الكشاف (3/ 404)، ومدارك التنزيل (2/ 638)، وروح المعاني (10/ 276)
(2)
البحر المحيط (8/ 300)
(3)
روح المعاني (10/ 276)
وقت مسير موسى عليه السلام بأهله.
قال الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص: 29]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: ({لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي: لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار فتعطفوا عليها للتدفؤ، وهذا دليل على أنّ الوقت كان شتاء).
(1)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على وقت مسير موسى عليه السلام بأهله، وأنه كان في الشتاء، بدلالة الإشارة بقوله {تَصْطَلُونَ} أي تتسخنون بالنار وتستدفئون بها، إذ كانت ليلة باردة، وقد أضلوا الطريق.
(2)
قال الرازي: (في قوله تعالى {بِخَبَرٍ} دلالة على أنه ضلّ، وفي قوله: {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} دلالة على البرد).
(3)
(1)
السراج المنير (3/ 144)
(2)
أخرج الطبري عن ابن عباس، قال:(لما قضى موسى الأجل، سار بأهله فضلَّ الطريق. قال عبد الله بن عباس: كان في الشتاء، ورفعت لهم نار، فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور الله). جامع البيان (18/ 276)، وينظر: تفسير ابن أبي حاتم (9/ 2971)، والدر المنثور للسيوطي (6/ 411).
(3)
التفسير الكبير (24/ 593)
وممن نصَّ على هذه الدلالة من الآية: الطبري، والسمعاني، والرازي، وأبو حيان، والبقاعي، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والألوسي، والسعدي، وغيرهم.
(1)
وكان عليه السلام في البرية في ليلة مظلمة، شديدة البرد، وقد أخذ امرأته الطلق
(2)
، فأبصر عن بُعد ناراً تأجج في جانب الطور، وكأنه رآها والله أعلم دونهم، لأن هذه النار هي نور في الحقيقة، فقال: لعلي آتيكم منها بخبر: أي عن الطريق.
(3)
قال ابن كثير مؤيداً هذا الاستنباط: (فدلَّ على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة، لقوله في الآية الأخرى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى} [طه: 9 - 10] فدلَّ على وجود الظلام، وكونهم تاهوا عن الطريق.)
(4)
وبهذا يظهر صحة استنباط الخطيب، وبه قال جمع من المفسرين، كما أن في الآية إشارة أخرى وهي التنبيه على حرص موسى عليه السلام على أهله، وعطفه وعنايته بهم، والسعي من أجل سلامتهم، والأنبياء عليهم السلام خير قدوة في معاملتهم لأهليهم، والله تعالى أعلم.
(1)
ينظر: جامع البيان (19/ 572)، وتفسير السمعاني (4/ 137)، والتفسير الكبير (24/ 593)، والبحر المحيط (8/ 301)، ونظم الدرر (14/ 278)، وإرشاد العقل السليم (7/ 12)، فتح القدير (4/ 146)، وروح المعاني (10/ 281)، وتيسير الكريم الرحمن (1/ 615).
(2)
ينظر: معالم التنزيل (3/ 533)، والبحر المحيط (8/ 301).
(3)
ينظر: قصص الأنبياء لابن كثير (2/ 24)، والبداية والنهاية (1/ 285)
(4)
المرجع السابق.