الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الناس
مصائب الدنيا وإن عظمت لا تقارن بالمصيبة في الدين.
قال الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 1 - 5].
وقال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 1 - 6].
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (المستعاذ به في السورة الأولى _ أي الفلق _ مذكور بصفة واحدة، وهي أنه رب الفلق، والمستعاذ منه ثلاثة أنواع من الآفات: وهي الغاسق والنفاثات والحاسد. وأمّا في هذه السورة فالمستعاذ به مذكور بصفات ثلاث: وهي الرب والملك والإله، والمستعاذ منه آفة واحدة وهي الوسوسة.
والفرق بين الموضعين أن الثناء يجب أن يُقدر بقدر المطلوب، فالمطلوب في السورة الأولى سلامة النفس والبدن، والمطلوب في السورة الثانية سلامة الدين، وهذا تنبيه على أنّ مضرة الدين وإن قلت أعظم من مضار الدنيا وإن عظمت).
(1)
الدراسة:
استنبط الخطيب رحمه الله من الآيات دلالتها باللازم على أنّ المصيبة في الدين أعظم من مصائب الدنيا وإن عظمت؛ لأنه تعالى في سورة الفلق جاء بصفة واحدة في الاستعاذة وهي (رب الفلق)، وفي سورة الناس جاء بثلاث صفات، مع أن المستعاذ منه في الأولى ثلاثة أمور، والمستعاذ منه في الثانية أمر واحد، فلِخطَر الأمر الواحد جاءت
(1)
ينظر: السراج المنير (4/ 725)
الصفات الثلاث.
وأيضاً المستعاذ منه في سورة الفلق أمور تأتي من خارج الإنسان، وتأتيه اعتداءً عليه من غيره، وقد تكون شروراً ظاهرة، ومثل ذلك قد يمكن التحرز منه، أو اتقاؤه قبل وقوعه، وتجنبه إذا عُلم به. بينما الشر الواحد في السورة الثانية يأتيه من داخله، وقد تكون هواجس النفس وما لا يقدر على دفعه، إذ الشيطان يرانا ولا نراه، كما قال تعالى:{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]، وقد يثير عليه خلجات نفسه ونوازع فكره، فلا يجد له خلاصاً إلا بالاستعاذة واللجوء إلى رب الناس، ملك الناس، إله الناس.
(1)
قال أبو حيان: (لما كانت مضرة الدين، وهي آفة الوسوسة، أعظم من مضرة الدنيا وإن عظمت، جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث: الرب والملك والإله، وإن اتحد المطلوب، وفي الاستعاذة من ثلاث: الغاسق والنفاثات والحاسد بصفة واحدة وهي الرب، وإن تكثّر الذي يستعاذ منه).
(2)
واستنبط هذه الدلالة من الآية أيضاً غير أبي حيان: الرازي، وحقي، وعطية سالم
(3)
، وغيرهم.
(4)
(1)
ينظر: أضواء البيان للشنقيطي تتمة تلميذه عطية سالم (9/ 182)
(2)
البحر المحيط (10/ 579)
(3)
هو عطية محمد سالم، عالم وقاضٍ، ولد في مصر، وتعلم بكتاتيبها، ثم نال شهادة كلية الشريعة واللغة العربية بالرياض، وانتقل إلى المدينة النبوية وتلقى العلم في حلقات المسجد النبوي، فدرس الحديث واللغة والفرائض، وتتلمذ على يد الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ولازمه أكثر من عشرين عاماً، وتولى التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة، ثم التحق بسلك القضاء، وكان رئيساً للقضاء والمحاكم، من مؤلفاته:(تتمة تفسير أضواء البيان) و (تسهيل الوصول إلى علم الأصول) وغيرهما، توفي سنة 1420 هـ.
ينظر: إتمام الأعلام لنزار أباظة، ومحمد رياض المالح ص 283.
(4)
ينظر: التفسير الكبير (32/ 378)، وروح البيان (10/ 550)، وأضواء البيان تتمة التفسير لعطية سالم (9/ 182).
وهي ملحظ دقيق؛ فمجيء المستعاذ به بثلاث صفات كلها صفات العظمة لله تعالى: الرب والملك والإله. ومقابلتها بالمستعاذ منه وهو شيء واحد فقط {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} ، يدل على شدة خطورة المستعاذ منه.
قال الشيخ عطية سالم في تتمة أضواء البيان مؤيداً هذه الدلالة: (وهو كذلك ; لأننا لو نظرنا في واقع الأمر لوجدنا مبعث كل فتنة ومنطلق كل شر عاجلاً أو آجلا، بسبب الوسواس الخناس وهو مرتبط بتاريخ وجود الإنسان).
(1)
ومن المعلوم أن المطلوب كلما كان أهم، كان ثناء الطالب قبل طلبه أكثر وأوفر، والمطلوب في سورة الفلق هو سلامة البدن من الآفات المذكورة، وفي سورة الناس سلامة الدين من وسوسة الشيطان، فظهر بهذا أن في نظم السورتين تنبيهاً على أن سلامة الدين من وسوسة الشيطان، أعظم مراد، وأهم مطلوب، وأن سلامة البدن ليست بتلك المثابة في الاهتمام
(2)
، وهي إشارة لطيفة، والله تعالى أعلم.
انتهى .. والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى.
(1)
أضواء البيان التتمة (9/ 184).
(2)
ينظر: روح البيان لحقي (10/ 550).