الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الطلاق
اختصاص الحوامل من المعتدات البوائن باستحقاق النفقة.
قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (في قوله تعالى {فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} وإن مضت الأشهر {حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} فيخرجن من العدة، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات البوائن
(1)
والأحاديث تؤيده)
(2)
.
(3)
وجه الاستنباط:
أنه تعالى أطلق السكنى، وقيَّد النفقة، فلو كان الحكم فيها سواء لم يكن لذلك معنى.
(4)
الدراسة:
استنبط الخطيب رحمه الله من الآية بدلالة مفهوم المخالفة أن الحوامل
(1)
اختلف الفقهاء في نفقة المطلقة البائن وسكناها، فذهب مالك، والشافعي إلى أن لها السكنى دون النفقة، وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى. وقال أبو حنيفة: لها السكنى، والنفقة.
ينظر: المبسوط (5/ 202)، وبدائع الصنائع (3/ 209)، والموطأ (1/ 634)، والأم (5/ 253)، وشرح النووي على صحيح مسلم (10/ 55)، وفتح الباري لابن حجر (9/ 480)، والمهذب (3/ 156)، والكافي في فقه الإمام أحمد (3/ 229)، والعدة شرح العمدة لبهاء الدين المقدسي (1/ 465).
(2)
سيأتي النصَّ عليها.
(3)
السراج المنير (4/ 342).
(4)
ينظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي (4/ 422).
مستحقات الإنفاق دون بعض المطلقات أخذاً بمفهوم الشرط؛ لأن الآية سيقت لبيان الواجب، فأوجب تعالى السكنى لكل مُعتدة تقدَّم ذِكرها ولم يوجب سواها، ثم استثنى الحوامل فخصَّهن بوجوب النفقة لهن حتى يضعن حملهن، فلمَّا ذكر السُكنى أطلقها لكل مُطلَّقة، ولما ذكر النفقة قيَّدها بالحمل، فقال تعالى:{وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ} فدلَّ على أن المطلقة البائن لا نفقة لها.
(1)
قال الطبري: (الصواب من القول في ذلك عندنا أن لا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملاً، لأن الله جل ثناؤه جعل النفقة بقوله: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} للحوامل دون غيرهن من البائنات من أزواجهن، ولو كان البوائن من الحوامل وغير الحوامل في الواجب لهن من النفقة على أزواجهن سواء، لم يكن لخصوص أولات الأحمال بالذكر في هذا الموضع وجه مفهوم، إذ هن وغيرهن في ذلك سواء).
(2)
وهذا استدلال قوي يؤيده ما حكاه ابن العربي في تأصيل هذه المسألة حيث قال: (بسط ذلك وتحقيقه: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر السُكنى أطلقها لكل مُطلَّقة، فلما ذكر النفقة قيَّدها بالحمل، فدلَّ على أن المطلقة البائن لا نفقة لها؛ وهي مسألة عظيمة قد مهدَّنا سُبلها قرآناً وسنة ومعنى في مسائل الخلاف، وهذا مأخذها من القرآن، فإن قيل: لا حجة في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ} [الطلاق: 6] راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية.
قلنا: لو كان هذا صحيحاً لما قال: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6]؛ فإن المطلقة الرجعية ينفق عليها حاملاً كانت أو غير حامل، فلما خصَّها بذكر
(1)
ينظر: أحكام القرآن لابن العربي (4/ 287)، والتحرير والتنوير لابن عاشور (28/ 328))، وحاشية (الانتصاف فيما تضمنه الكشاف) لابن المنير الإسكندري (4/ 559).
(2)
جامع البيان (23/ 460).
النفقة حاملاً دلَّ على أنها البائن التي لا ينفق عليها.
وتحقيقه أن الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها حتى بلغ إلى قوله تعالى: {ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2]، ثم ذكر بعد ذلك حُكماً يعم المطلقات كلهن من تعديد الأشهر وغير ذلك من الأحكام، وهو عام في كل مطلقة، فرجع ما بعد ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة).
(1)
، وقوله هذا وجيه جداً.
وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة غير ابن العربي: الطبري، والشافعي، والكيا الهراسي، والبيضاوي، والخازن، والقاسمي، وغيرهم.
(2)
ويؤيد دلالة هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن فاطمة بنت قيس
(3)
حين طلقها زوجها ثلاثاً، هل لها من نفقة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ليست لها نفقة وعليها العدة.
(4)
قال ابن القيم: (المطلقة البائن (غير الحامل) لا نفقة لها ولا سكنى بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، بل الموافقة لكتاب الله، وهي مقتضى القياس ومذهب فقهاء الحديث).
(5)
وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، وأما القول
(1)
أحكام القرآن (4/ 287).
(2)
ينظر: جامع البيان (23/ 460)، وأحكام القرآن للشافعي جمع البيهقي (1/ 262)، وأحكام القرآن للكيا الهراسي (4/ 422)، وأنوار التنزيل (5/ 222)، ولباب التأويل (4/ 309)، ومحاسن التأويل (9/ 259).
(3)
هي: فاطمة بنت قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن وائلة، القرشية، الفهرية، أخت الضحاك بن قيس، كانت من المهاجرات الأول، لها عقل وكمال، وهي التي طلقها أبو حفص بن المغيرة، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، توفيت في خلافة معاوية. ينظر: أسد الغابة (7/ 224)، وسير أعلام النبلاء (2/ 319).
(4)
أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثاً لانفقة لها برقم (1480)(2/ 1115).
(5)
إعلام الموقعين (3/ 378).
بوجوب النفقة لكل معتدة مبتوتة فلا يخفى منافرته لنظم الآية
(1)
، والله تعالى أعلم.
(1)
ينظر: محاسن التأويل (9/ 259).