الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الأحزاب
تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يُبدِ غير ما أعلمه الله تعالى أن زينب ستكون زوجته بعد طلاق زيد.
قال الله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (قوله تعالى: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} أي: زينب رضي الله عنها {وَاتَّقِ اللَّهَ} الذي له جميع العظمة في جميع أمرك {وَتُخْفِي} أي: والحال أنك تخفي أي: تقول قولاً مخفياً {فِي نَفْسِكَ} أي: ما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عند طلاق زيد
(1)
{مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} أي: مظهره بحمل زيد على تطليقها وإن أمَرتَه بإمساكها، وتزويجك بها وأمرُك بالدخول عليها، وهذا دليلٌ على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أنها ستصير زوجته عند طلاق زيد؛ لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك، ولو أخفى غيره لأبداه سبحانه؛ لأنه لا يُبدِّلُ قوله، وقول ابن عباس رضي الله عنه كان في قلبه حبها بعيد،
(1)
هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب ابن عبد العزى بن امرئ القيس، وهو حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول من آمن به من الموالي؛ شهد بدرا، من كبار السابقين الأولين آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين حمزة بن عبد المطلب،، توفي سنة 54 هـ. ينظر: أسد الغابة (2/ 350)، وسير أعلام النبلاء (2/ 130 ومابعدها).
وكذا قول قتادة: ودَّ لو أنه لو طلَّقها زيد، وكذا قول غيرهما: كان في قلبه لو فارقها زيد تزوجها
(1)
).
(2)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنص على أنه صلى الله عليه وسلم ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى من أن زينب ستصير زوجته بعد طلاق زيد؛ لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك، فأخبره أنها ستكون من أزواجه وأن زيداً سيطلقها، فلما جاءه زيدٌ يريد طلاقها قال له: أمسك عليك زوجك، فعاتبه الله تعالى بقوله:{وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء عليهم السلام وظاهر السياق
(3)
؛ فالله تعالى أعلمه أنه يبدي ويظهر ما أخفاه، ولم يظهر سبحانه غير تزويجها منه فقال تعالى «زوجناكها» فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها - كما قاله بعض المفسرين - لكان تعالى أظهر ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه ولا يظهره، فدلَّ على أنه إنما
(1)
وهذه الروايات كلها ضعيفة الأسانيد؛ والصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً من الوحي شيئاً لكتم هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37] وما روى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد قال: قال لي علي بن الحسين ما كان الحسين يقول في قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} قال: قلت: كان يقول: إنها كانت تعجبه، وإنه قال لزيد: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال: لا، ولكن الله أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما جاءه زيد يشكو منها قال له:(اتق الله وأمسك عليك زوجك). ينظر: تفسير عبد الرزاق (3/ 41)، وجامع البيان للطبري (20/ 274)
قال ابن كثير رحمه الله: (ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم هاهنا آثارا عن بعض السلف، رضي الله عنهم، أحببنا أن نضرب عنها صفحاً لعدم صحتها فلا نوردها). تفسير القرآن العظيم (6/ 424)
(2)
السراج المنير (3/ 314)
(3)
ينظر: تفسير السمعاني (4/ 287) ولباب التأويل للخازن (3/ 427)
عُوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجته، وإنما أخفى ذلك استحياء أن يخبر زيداً أن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي.
(1)
قال ابن العربي: ({وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} يعني من نكاحك لها، وهو الذي أبداه لا سواه. وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى إذ أوحى إليه أنها زوجته لا بد من وجود هذا الخبر وظهوره؛ لأن الذي يخبر الله عنه أنه كائن، لا بد أن يكون لوجوب صدقه في خبره، وهذا يدلك على براءته من كل ما ذكره متسور من المفسرين، مقصور على علوم الدين).
(2)
وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: السمعاني، وابن العربي، والقرطبي، والخازن، والقاسمي، والشنقيطي، وغيرهم.
(3)
وهي دلالة صحيحة قوية الظهور، أما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه فضعيف، ولا يليق بحق النبي صلى الله عليه وسلم وفضله، فكيف يقال رآها فأعجبته وهي بنت عمته، ولم يزل يراها منذ ولدت، ولم يكن حينئذ حجاب، وهو صلى الله عليه وسلم زوَّجها لزيد، فكيف تنشأ معه ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها، وكرهت غيره، فلم تخطر بباله، فكيف يتجدد له هوىً لم يكن!
فلا يُشك في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يأمر زيداً بإمساكها، وهو يحب تطليقه إياها
(4)
(1)
ينظر: أحكام القرآن للجصاص (5/ 230)، ولباب التأويل للخازن (3/ 427)
(2)
أحكام القرآن (3/ 578)
(3)
ينظر: تفسير السمعاني (4/ 287)، وأحكام القرآن (3/ 578)، والجامع لأحكام القرآن (14/ 190)، ولباب التأويل (3/ 427) محاسن التأويل (8/ 82)
(4)
ينظر: لباب التأويل للخازن (3/ 427)
ويؤيده قوله تعالى: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} إذ دلَّ على أنه لم يكن عليه حرج في الأمر، ولو كان على ما قيل من وقوعها في قلبه، ومحبة طلاق زيد لها، لكان فيه أعظم الحرج.
(1)
قال الشنقيطي: (والدليل على هذا أمران: الأول: أن الله جل وعلا قال: وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا هو زواجه إياها في قوله:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} ولم يُبد جل وعلا شيئاً مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى كما ترى.
الأمر الثاني: أن الله جل وعلا صرّح بأنه هو الذي زوجه إياها، وأن الحكمة الإلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء في قوله تعالى:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} الآية، فقوله تعالى:{لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} تعليل صريح لتزويجه إياها لما ذكرنا، وكون الله هو الذي زوَّجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه
(1)
ينظر: محاسن التأويل للقاسمي (8/ 82)
إياها ليس هو محبته لها التي كانت سبباً في طلاق زيد لها كما زعموا
(1)
، والعلم عند الله تعالى).
(2)
وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله من أنها ستصير زوجته بعد طلاق زيد، وهو الأظهر والأليق بمقام النبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم.
(1)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله – في هذه الآية: (ووردت آثار أخرى أخرجها بن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد، والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمرٍ لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابناً، ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم).
فتح الباري (8/ 524)، وينظر: صحيح البخاري في: كتاب التفسير، سورة الأحزاب، باب قوله (وتخفي في نفسك ما الله مبديه)، حديث رقم 2032 ومابعده.
(2)
أضواء البيان بتصرف يسير (6/ 241) وينظر: فتاوى اللجنة الدائمة (18/ 137).
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49].
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (تخصيص المؤمنات والحكم عام، للتنبيه على أن شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيراً لنطفة المؤمن، وفي هذه الآية دليل على أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق بكلمة ثم وهي للتراخي، حتى لو قال لأجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فنكح لا يقع الطلاق).
(1)
هذه الآية فيها دلالتان، الدلالة الأولى:
التنبيه على أن المؤمن لا ينكح إلا مؤمنة.
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية التنبيه على أنه ينبغي للمؤمن أن يتخير لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، لأن قوله تعالى:{نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} فيه تخصيص المؤمنات بالذكر مع عموم الحكم للكتابيات، فهي إشارة إلى أفضليتهن على غيرهن، وأن على المؤمن أن يتخيّر لنطفته، وينكح المؤمنة الطاهرة، فإنها أشد تحصيناً لدينه، ولأن إيمانها يدفعها إلى المحافظة على عفتها، ويمنعها من الوقوع في الفاحشة، فتصون عرض زوجها وتحفظه في حضرته وغيبته، ويشهد له قوله تعالى:
(1)
السراج المنير (3/ 321).
{وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] وهذا لبيان الأحرى والأولى.
قال الزمخشري: (فإن قلت: لم خصَّ المؤمنات والحكم الذي نطقت به الآية تستوي فيه المؤمنات والكتابيات؟ قلت: في اختصاصهن تنبيهٌ على أن أصل أمر المؤمن، والأولى به: أن يتخير لنطفته، وأن لا ينكح إلا مؤمنة عفيفة، ويتنزه عن مزاوجة الفواسق فما بال الكوافر، ويستنكف أن يدخل تحت لحاف واحد عدوة الله ووليه، فالتي في سورة المائدة: تعليم ما هو جائز غير محرم، من نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب
(1)
. وهذه فيها تعليم ما هو الأولى بالمؤمنين من نكاح المؤمنات).
(2)
وممن نصَّ على هذه الفائدة من الآية غير الزمخشري: الرازي، وأبوحيان، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم.
(3)
وعليه ففائدة التخصيص هنا تنبيه المؤمن للأولى والأفضل وهي إشارة حسنة؛ إذ أن الولد فيه عرق ينزع إلى أمه فهو تابع لها في الأخلاق والطباع، فكان
(1)
وهي قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5]
(2)
الكشاف (3/ 548)
(3)
ينظر: التفسير الكبير (25/ 175)، والبحر المحيط (8/ 489)، وإرشاد العقل السليم (7/ 109)، وروح المعاني (11/ 226)
على المسلم أن يتخير لنطفته، ولا يضعها إلا في أصل طاهر، ويتجنب منبت السوء، والله تعالى أعلم.
(1)
الدلالة الثانية:
تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح.
الدراسة:
استنبط الخطيب رحمه الله – بدلالة اللازم من الآية أن تعليق الطلاق قبل النكاح لا يصح؛ لأن الله تعالى رتَّب الطلاق على النكاح فدلَّ على أنه لا يتقدمه، وذكره بكلمة «ثم» وهي للتراخي، والمعية تنافي التراخي، وعليه فالتطليق حينئذٍ لا يكون إلا بعد النكاح.
قال البغوي: (فيه دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع؛ لأن الله تعالى رتَّب الطلاق على النكاح، حتى لو قال لامرأة أجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، وقال: كل امرأة أنكحها فهي طالق فنكح، لا يقع الطلاق).
(2)
(1)
ينظر: فيض القدير للمناوي (6/ 295)، ومنتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وسلم للحجي المراوعي (3/ 450).
(2)
معالم التنزيل (3/ 648)
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية غيرالبغوي: السمعاني، وابن عطية، والرازي، والخازن، وحقي، وغيرهم.
(1)
قال السمعاني: (في الآية دليل على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح؛ لأنه رتَّب الطلاق على النكاح، فدلَّ على أنه لا يتقدمه).
(2)
وهذا ما عليه الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يقع مطلقاً؛ لأنه تطليق عند وجود الشرط، وقال مالك: إن عيَّن امرأة بعينها أو من قبيلة أو من بلد فتزوجها وقع الطلاق، وإن عمَّ فقال: كل امرأة أتزوجها من الناس كلهم لم يلزمه شئ.
(3)
والراجح أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح
(4)
؛ لأنه حل قيد النكاح، فقبل النكاح لا طلاق، وكما قيل: إنما النكاح عقدة، والطلاق يحلُّها، فكيف تُحل عقدة لم تُعقد؟.
وتؤيده الآية الكريمة، وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك»
(5)
، والله تعالى أعلم.
(1)
ينظر: تفسير السمعاني (4/ 294)، والمحرر الوجيز (4/ 390)، والتفسير الكبير (25/ 175)، ولباب التأويل في معاني التنزيل (3/ 430)، وروح البيان (7/ 201)
(2)
تفسير السمعاني (4/ 294)
(3)
ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة (2/ 583)، والمهذب (3/ 41)، والكافي في فقه الإمام أحمد (3/ 138)، والمغني (7/ 346)، والمحلى بالآثار لابن حزم (9/ 469)
(4)
وهذا هو ما عليه الجمهور من الصحابة والتابعين، وقد عدَّ البخاري منهم اثنين وعشرين في باب (لا طلاق قبل النكاح) وهو منقول عن ابن عباس، فالذي ذهب إليه الشافعية والحنابلة هو الراجح الذي دلَّ عليه الدليل الصحيح. ينظر: فتح الباري لابن حجر (9/ 382)، والشرح الممتع لابن عثيمين (12/ 495)
(5)
أخرجه الترمذي في سننه باب لا طلاق قبل نكاح، برقم (1181)، (3/ 478)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (6/ 173)
إباحة نظر الرجل إلى من يريد نكاحها.
قال الله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} [الأحزاب: 52]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (في الآية دليل على إباحة النظر إلى من يريد نكاحها لكن من غير العورة في الصلاة).
(1)
وجه الاستنباط:
قوله {وَلَوْ أَعْجَبَكَ} يدل على حصول النظر الذي يستوجب الإعجاب.
الدراسة:
استنبط الخطيب رحمه الله من الآية دلالتها باللازم على جواز نظر الرجل إلى من يريد نكاحها، لأنه تعالى قال:{وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} ، ولا يعجب بحسنهن حتى يراهن؛ فدلَّ على جواز النظر للمخطوبة، كما دلَّت عليه السنة فيما روي عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل» .
(2)
وما روي عن أبي هريرة أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً» .
(3)
(1)
السراج المنير (3/ 329)
(2)
أخرجه أبو داود في كتاب: النكاح، باب في الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزويجها، برقم (2028). (2/ 228)، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (2/ 932)، وفي سنن أبي داود (2/ 228).
(3)
يعني «صغرا» أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، برقم (74). (2/ 1040)
وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الجصاص، وابن عطية، والقرطبي، وابن جزي، والخازن، وأبو حيان، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم.
(1)
قال ابن عطية: (وفي هذه اللفظة {أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها).
(2)
وهي دلالة ظاهرة قوية، كما أن الأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الندب والإرشاد إلى المصلحة وليس للوجوب، فإنه إذا نظر إليها فلعلّه يرى منها ما يرغبه في نكاحها ويكون سبباً في دوام الود بينهما.
(3)
والله تعالى أعلم.
(1)
ينظر: أحكام القرآن للجصاص (5/ 241)، والمحرر الوجيز (4/ 394)، والجامع لأحكام القرآن (14/ 222)، والتسهيل (2/ 156)، ولباب التأويل (3/ 433)، والبحر المحيط (8/ 497)، والإكليل (1/ 213)، وروح المعاني (11/ 242)، ومحاسن التأويل (8/ 98).
(2)
المحرر الوجيز (4/ 394)
(3)
وبه قال جمهور الفقهاء، ينظر: المجموع شرح المهذب للنووي (16/ 133)، وفتح الباري لابن حجر (9/ 181)، ومجموع الفتاوى (29/ 354)، ونهاية المطلب للجويني (12/ 37)، والروضة الندية شرح الدرر البهية للقنوجي (2/ 10).
وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن الأمر للوجوب
(1)
، قالوا: وقد أجمع العلماء أنها لا تجب في غير الصلاة، فتعيَّن وجوبها فيها
(2)
، والمناسب لها من الصلاة التشهد آخرها، فتجب في التشهد آخر الصلاة، أي: بعده، وهو مذهب الشافعي
(3)
، وإحدى الروايتين عن أحمد
(4)
، فالقائل بوجوبها في العمر مرة في غيرها
(5)
محجوج بإجماع من قبله،
(1)
هذا ما عليه جمهور أهل العلم أن الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب، ينظر: العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (1/ 229)، والإحكام للآمدي (2/ 146)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (3/ 40)، وإرشاد الفحول للشوكاني (1/ 249)
(2)
حكى هذا الإجماع ابن العربي، والقرطبي ونقله عنه الشوكاني، وابن كثير، ينظر: أحكام القرآن (3/ 623)، والجامع لأحكام القرآن (14/ 232)، وفتح القدير (4/ 346)، وتفسير القرآن العظيم (6/ 469).
(3)
وقال به من الصحابة عبد الله بن مسعود، وأبو مسعود البدري، ومن التابعين: محمد بن كعب القرظي، ومن الفقهاء إسحاق بن راهويه.
ينظر: الأم (1/ 117)، والحاوي الكبير للماوردي (2/ 137)، والبيان في مذهب الإمام الشافعي لأبي الحسين العمراني (2/ 238)، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني (1/ 9)
(4)
وهي الرواية الأخيرة عنه، ينظر: الإنصاف للمرداوي (2/ 163)، والمغني (1/ 541 (، والشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة (1/ 579)، واختلاف الأئمة العلماء لعون الدين بن هبيرة (1/ 120).
(5)
أي في غير الصلاة، وبه قال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله واختاره الطحاوي والكرخي من الحنفية. ينظر: المبسوط (1/ 29)، والمعتصر من المختصر من مشكل الآثار للملطي الحنفي (1/ 55)، والبناية شرح الهداية للغيتابي (2/ 274)، وبداية المجتهد (1/ 139)، وأحكام القرآن للجصاص (5/ 243).
ولحديث: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: «قولوا اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم
…
إلى آخره»
(1)
، وقيل: تجب كلما ذُكِر
(2)
).
(3)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها باللازم على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بدلالة الأمر الوارد في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} والأمر يقتضي الوجوب، وبهذه الآية استدل الشافعي على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة في الصلاة - كما تقدم في استنباط الخطيب - لأن الأمر للوجوب فتجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا تجب في غير التشهد، فثبت أنه في الصلاة.
(4)
(1)
أخرجه بنحوه البخاري في كتاب التفسير باب قوله تعالى {إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ} [الأحزاب: 55]، برقم (4797)(6/ 120)، ورقم (3369)(4/ 146)، وأخرجه بلفظه أحمد في المسند برقم (17072)، (28/ 304)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين برقم (988)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، فذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات (1/ 401)
(2)
اختاره الطحاوي من الحنفية والحليمي من الشافعية ينظر: الإنصاف للمرداوي (2/ 163)، وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (1/ 308)، وجلاء الأفهام لابن القيم (1/ 382)، ونيل الأوطار للشوكاني (2/ 332).
(3)
السراج المنير (3/ 269).
(4)
ينظر: التفسير الكبير (25/ 182)
وممن وافق الخطيب في استنباط هذه الدلالة من الآية: الجصاص، والسمعاني، والرازي، والبيضاوي، والمظهري، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم.
(1)
قال السمعاني: (ويُستدل بهذه الآية في وجوب الصلاة على النبي إذا صلَّى، على ما هو مذهب الشافعي، ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أمرنا بالصلاة على النبي، وأولى موضع بوجوب الصلاة فيه هو الصلاة، فوجب في الصلاة أن يصلي على رسول الله).
(2)
وعلى هذا فالآية دالة على وجوب الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم في الجملة، وقد اتفق العلماء على وجوبها، ثم اختلفوا في حال الوجوب، فقيل: تجب في العمر مرة، وقيل: تجب في كل صلاة في التشهد الأخير
(3)
، وقيل: تجب الصلاة كلما جرى ذِكره، فالصلاة عليه في كل حين من الواجبات، وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها
(4)
، ولا يُغفلها إلا من لا خير فيه.
(5)
قال ابن عاشور مؤيداً دلالة هذه الآية على الوجوب: (وظاهر صيغة الأمر مع قرينة السياق يقتضي وجوب أن يصلي المؤمن على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه كان مجملاً في العدد فمحمله محمل الأمر المجمل أن يفيد المرة، لأنها ضرورية لإيقاع الفعل
(1)
ينظر: أحكام القرآن للجصاص (5/ 243)، وتفسير السمعاني (4/ 304)، والتفسير الكبير (25/ 182)، وأنوار التنزيل (4/ 238)، التفسير المظهري (7/ 375)، ومحاسن التأويل (8/ 107)، والتحرير والتنوير (22/ 98).
(2)
تفسير السمعاني (4/ 304)
(3)
وهو مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد كما تقدم توثيقه.
(4)
لقوله صلى الله عليه وسلم " رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي" أخرجه الترمذي في سننه (5/ 550) برقم (3545)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في تحقيق فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم للجهضمي (1/ 31) برقم (16)، وفي مشكاة المصابيح (1/ 292) برقم (927)
(5)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (14/ 232)
ولمقتضى الأمر)
(1)
والذي يظهر قوة ماذهب إليه الشافعي وأحمد في الرواية الأخيرة عنه
(2)
بدلالة هذه الآية وهو وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، في كل صلاة في التشهد الأخير، لظهوره وقوته، ولأن الأمر للوجوب كما تقدم، والله تعالى أجل وأعلم.
(1)
التحرير والتنوير (22/ 98)
(2)
وهو اختيار الشيخ ابن باز، قال (والأخذ به أحوط؛ لما فيه من العمل بكل الأحاديث والخروج من الخلاف) مجموع فتاوى ابن باز (29/ 301).