الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة هود
قال الله تعالى: {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} (هود: 60)
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (قوله تعالى: {قَوْمِ هُودٍ} عطف بيان لعاد وفائدته: تمييزهم من عاد الثانية عاد إرم، والإيماء إلى استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود).
(1)
استنبط الخطيب رحمه الله من عطف البيان بقوله تعالى (قوم هود) في الآية دلالته على فائدتين:
أولاهما:
تمييز عاد قوم هود من عاد الثانية عاد إرم.
وجه الاستنباط:
أن قوله تعالى (قوم هود) عطف بيان لعاد، وهذا البيان حاصل مفهوم بما قبله، فدلّ على أن لذكره مزيد فائدة وتنبيه.
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية مناسبة عطف البيان بقوله تعالى {قَوْمِ هُودٍ} وهي: دلالتها باللازم على تمييز عاد قوم هود من عاد الثانية، لأن عاداً كانوا قبيلتين: عاد الأولى القديمة التي هي قوم هود، وعاد الثانية، وهم إرم ذات العماد
(1)
السراج المنير (2/ 73).
(1)
، فأتى بقوله:{قَوْمِ هُودٍ} ليزول الاشتباه؛ ولذلك قال تعالى: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} [النجم: 50]، فتحقق أن الدعاء على عاد هذه، ولم تلتبس بغيرها.
(2)
قال الزمخشري: («قوم هود» عطف بيان لعاد: فإن قلت: ما الفائدة في هذا البيان، والبيان حاصل بدونه؟ قلت: الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسماً، وتُجعل فيهم أمراً محققاً لا شبهة فيه بوجه من الوجوه، ولأن عاداً عادان: الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم، والأخرى إرم.)
(3)
وممن نصّ على هذه الفائدة أيضاً من المفسرين: الرازي، والبيضاوي، والنسفي، والخازن، وأبو حيان، والنيسابوري، والبقاعي، وأبو السعود، والقاسمي، وغيرهم.
(4)
وخالف بعض المفسرين كالألوسي، وابن عاشور في دلالة هذه الآية على هذا المعنى، قال الألوسي:(وليس ذلك لدفع اللبس؛ إذ لا لبس في أن عاداً هذه ليست إلا قوم هود عليه السلام للتصريح باسمه وتكريره في القصة).
(5)
وقال ابن عاشور: (وليس ذكره للاحتراز عن عاد أخرى وهم إرم، كما جوَّزه صاحب «الكشاف»؛ لأنه لا يعرف في العرب عاد غير قوم هود وهم إرم).
(6)
(1)
وهم العماليق الذين قال تعالى فيهم {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: 7 - 8]، ينظر: البداية والنهاية لابن كثير (1/ 137)
(2)
ينظر: لباب التأويل للخازن (2/ 491)، والبحر المحيط لأبي حيان (6/ 171)
(3)
الكشاف (2/ 406)
(4)
ينظر: التفسير الكبير (18/ 367) وأنوار التنزيل (3/ 139)، ومدارك التنزيل (2/ 69)، ولباب التأويل (2/ 491)، والبحر المحيط (6/ 171)، وغرائب القرآن (4/ 33)، ونظم الدرر (9/ 317)، وإرشاد العقل السليم (4/ 220)، ومحاسن التأويل (6/ 111)
(5)
روح المعاني (6/ 285)
(6)
التحرير والتنوير (12/ 107).
ولعل الصحيح - والله تعالى أعلم - أنهما عادان، لما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا.
(1)
قال ابن حجر
(2)
عند هذا الحديث: (ظاهر هذا أن الذين عُذّبوا بالريح غير الذين قالوا ذلك
…
إلى أن قال: وهذا يحتمل لقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} ، فإنه يشعر بأن ثم عاد أخرى، وقد أخرج قصة عاد الثانية الإمام أحمد بإسناد حسن
(3)
.. وبعد أن ذكر محل الشاهد من الحديث قال ابن حجر: (والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه).
(4)
وقال الشوكاني: (قال ابن إسحاق
(5)
: هما عادان، فالأولى أهلكت بالصرصر، والأخرى أهلكت بالصيحة).
(6)
(1)
أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} [الأحقاف: 24]، برقم (4829)، (6/ 134)
(2)
هو: أحمد بن علي بن محمد الشهير بابن حجر العسقلاني الشافعي، أبو الفضل شهاب الدين، إمام الحفاظ في عصره، برع في الحديث، وتقدم في جميع فنونه، وصنف التصانيف التي عم النفع بها، من مصنفاته:(فتح الباري شرح صحيح البخاري)، و (تهذيب التهذيب)، و (لسان الميزان)، و (الإصابة في تمييز الصحابة) وغيرها كثير، توفي سنة 852 هـ. ينظر: طبقات الحفاظ للسيوطي ص 597، وشذرات الذهب 7/ 407.
(3)
أخرجه أحمد في المسند (25/ 306) في حديث الحارث بن حسان البكري رقم (15954).
(4)
فتح الباري (8/ 578)
(5)
هو: محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار المطلبي، مولاهم، المدني، العلامة الحافظ الأخباري أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله القرشي، صاحب السيرة النبوية، توفي سنة: 151 هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (7/ 34)
(6)
فتح القدير (5/ 141)، وينظر: الجامع لأحكام القرآن (17/ 120)، وتاريخ الطبري (1/ 219) والكامل في التاريخ لابن الأثير (1/ 80)، والبداية والنهاية لابن كثير (1/ 149)
وبهذا يظهر صحة دلالة هذه الآية على استنباط الخطيب، والله تعالى أعلم.
الفائدة الثانية:
الإشارة إلى استحقاق (عاد) للبُعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود.
الدراسة:
استنبط الخطيب من عطف البيان في الآية دلالتها باللازم على فائدة أخرى وهي الإشارة إلى استحقاق (عاد) للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين هود، وهي إشارة لطيفة.
قال القاسمي: (قوله {قَوْمِ هُودٍ} عطف بيان لـ (عاد) فائدته: النسبة بذكره عليه السلام، الذي إنما استحقوا الهلاك بسببه، كأنه قيل: عاد قوم هود الذي كذبوه. وتناسب الآي بذلك أيضاً فإن قبلها {وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [هود: 59]. وقبل ذلك (حفيظ) و (غليظ)، وغير ذلك مما هو على وزن (فعيل) المناسب لـ (فعول) في القوافي، والله أعلم.)
(1)
وقال ابن عاشور: (فائدة ذكره الإيماء إلى أن له أثراً في الذم بإعراضهم عن طاعة رسولهم، فيكون تعريضاً بالمشركين من العرب).
(2)
(1)
محاسن التأويل (6/ 111)
(2)
التحرير والتنوير (12/ 107)
وممن استنبط هذه الفائدة أيضاً غير القاسمي وابن عاشور: البيضاوي، وأبو السعود، والألوسي، وغيرهم.
(1)
ولعل من الفوائد المستنبطة أيضاً من عطف البيان هنا: أن المبالغة في التنصيص تدل على تقوية التأكيد كما نصّ عليه غير واحد من المفسرين
(2)
ففيها مزيد تقرير وتأكيد، وفائدة أخرى نبَّه عليها القاسمي -كما تقدم- والألوسي، وهي تناسب فواصل الآي.
(3)
وهذه فوائد وإشارات حسنة، ولعل أظهرها في الدلالة ما نصَّ عليه الخطيب وهي من لطيف الاستنباط عنده، والله تعالى أعلم.
(1)
ينظر: أنوار التنزيل (3/ 139)، وإرشاد العقل السليم (4/ 220) وروح المعاني (6/ 285)
(2)
ينظر: التفسير الكبير (18/ 367)، ولباب التأويل (2/ 491)، والبحر المحيط (6/ 171) وغرائب القرآن (4/ 33)، وروح المعاني (6/ 285)
(3)
ينظر: محاسن التأويل (6/ 111)، وروح المعاني (6/ 285)
أزواج الرجل من أهل بيته.
قال الله تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} [هود: 73]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: ({قَالُوا} أي: الملائكة لسارة {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} أي: بيت إبراهيم، وأهل منصوب على المدح أو النداء، .. إلى أن قال: وفيه دليل على أنّ أزواج الرجل من أهل بيته).
(1)
وجه الاستنباط:
خطاب الملائكة لزوجة إبراهيم بقولهم: أهل البيت.
الدراسة:
استنبط الخطيب من هذه الآية بدلالة التضمن أنّ أزواج الرجل من أهل بيته؛ لأن الملائكة قد أسمت امرأة إبراهيم {أَهْلَ الْبَيْتِ} وخاطبتها بذلك، وكذلك قال الله تعالى في مخاطبة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {
…
وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا}
[الأحزاب: 31]- إلى قوله- {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} [الأحزاب: 33] قد دخل فيه أزواج لنبي صلى الله عليه وسلم لأن ابتداء الخطاب لهن.
(2)
(1)
السراج المنير (2/ 77)
(2)
ينظر: أحكام القرآن للجصاص (4/ 378)
وقد نصَّ القرطبي على هذه الفائدة من الآية فقال: (هذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت، فدلَّ هذا على أن أزواج الأنبياء من أهل البيت، فعائشة رضي الله عنها وغيرها من جملة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ممن قال الله فيهم: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.)
(1)
وممن وافق الخطيب أيضاً في استنباط هذه الفائدة: الجصاص، والسمعاني، والبغوي، وابن عطية، والخازن، وأبو حيان، والألوسي والشنقيطي، وغيرهم.
(2)
قال أبو حيان: (وخطاب الملائكة إياها بقولهم: أهل البيت، دليل على اندراج الزوجة في أهل البيت، وقد دَّل على ذلك أيضاً في سورة الأحزاب.)
(3)
وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل السنة
(4)
، هم أزواجه وذريته، وبنو هاشم، وبنو عبد المطلب على الصحيح
(5)
، وهي دلالة قوية ظاهرة، والله تعالى أعلم.
(1)
الجامع لأحكام القرآن (9/ 71)
(2)
ينظر: أحكام القرآن (4/ 378)، وتفسير السمعاني (2/ 444)، ومعالم التنزيل (2/ 457)، والمحرر الوجيز (3/ 191)، ولباب التأويل (2/ 494)، والبحر المحيط (6/ 184)، وروح المعاني (6/ 298)، وأضواء البيان (6/ 237)
(3)
البحر المحيط (6/ 184)
(4)
خلافاً للرافضة إذ لا يعدون الزوجة من أهل بيت زوجها. قال الألوسي: (واستُدل بالآية على دخول الزوجة في أهل البيت، وهو الذي ذهب إليه السنيون، ويؤيده ما في سورة الأحزاب، وخالف في ذلك الشيعة فقالوا: لا تدخل إلا إذا كانت قريب الزوج ومِن نسبه، فإن المراد من البيت بيت النسب لا بيت الطين والخشب، ودخول سارة رضي الله تعالى عنها هنا لأنها بنت عمه، وكأنهم حملوا البيت على الشرف كما هو أحد معانيه .. إلى أن قال: ثم خصوا الشرف بالشرف النسبي، وإلا فالبيت بمعنى النسب مما لم يشع عند اللغويين، ولعل الذي دعاهم لذلك بغضهم لعائشة رضي الله تعالى عنها فراموا إخراجها من حكم {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33].) روح المعاني (6/ 298)
(5)
ينظر: فصل المقال في تعريف الآل ليحيى الشريف ص 22
فائدة تكرار قصص الأنبياء في القرآن.
قال الله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود: 100]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: ({نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} أي: نخبرك به يا محمد خبراً بعد خبر، وفائدة ذكر هذه القصص على النبيّ صلى الله عليه وسلم ليعلم السامع أنّ المؤمن يخرج من الدنيا مع الثناء الجميل في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، وأنّ الكافر يخرج مع اللعنة في الدنيا، والعقاب في الآخرة، وإذا تكرّرت هذه الأقاصيص على السمع، فلا بدّ وأن يلين القلب، وتخضع النفس، وتزول العداوة، ويحصل في القلب خوف يحمله على النظر والاستدلال
(1)
. وفي إخباره صلى الله عليه وسلم بهذه القصص
(1)
قوله (خوف يحمله على النظر والاستدلال) هو على مذهبه الأشعري. حيث أن أول واجب عند الأشاعرة هو النظر، فإذا بلغ المكلف سن التكليف وجب عليه النظر ثم الإيمان،. ينظر: منهج الأشاعرة في العقيدة (1/ 80)
من غير مطالعة كتب، ولا تتلمذ، دلالة على نبوّته فإنّ ذلك لا يكون إلا بوحي من الله تعالى).
(1)
الدراسة:
لما ذكر تعالى قصص الأولين قال بعدها: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} واستنبط الخطيب رحمه الله – من هذه الآية فوائد منها: دلالتها باللازم على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان أمياً لا يخط ولا يقرأ، ولم يُدارس أحداً، وقد جاء بهذه القصص والأخبار عن الأنبياء والرسل والأمم السابقة وأحوالهم، ومجيء هذه القصص على هذا الوجه، من غير تحريف ولا خطأ، يدلّ على أنه إنما عرفها بالوحي الذي يوحى إليه من ربه، وذلك يدل على صحة نبوته.
(2)
وقد نصَّ كثير من المفسرين على هذه الدلالة من ذكر قصص الأنبياء في أكثر من موضع في القرآن
(3)
، وممن نصَّ عليها في هذا الموضع من سورة هود: السمرقندي، والرازي، وحقي، والسعدي، وغيرهم.
(4)
(1)
السراج المنير (2/ 86).
(2)
ينظر: إعجاز القرآن للباقلاني (1/ 49)، والقرآن وإعجازه العلمي لمحمد إسماعيل إبراهيم (1/ 22)
(3)
ينظر: جامع البيان (5/ 442)، وأحكام القرآن للجصاص (2/ 301)، وزاد المسير (2/ 475)، والجامع لأحكام القرآن (18/ 34)، والتسهيل (1/ 397)، وروح المعاني (2/ 220)، وتيسير الكريم الرحمن (1/ 408)، وأضواء البيان (2/ 218).
(4)
ينظر: تفسير القرآن للسمرقندي (2/ 169)، والتفسير الكبير (18/ 395)، وروح البيان (4/ 184)، وتيسير الكريم الرحمن (1/ 389)
وقد تقدم الكلام عن قريب من هذه الدلالة
(1)
فيما يتعلق بفوائد تكرار القصص القرآني، وأنه تعالى جمع بهذه الأقاصيص أنواع الدلائل التي جاء بها الأنبياء عليهم السلام، وذكر مدافعات الكفار لتلك الدلائل وشبهاتهم في دفعها، وأنهم لما أصروا واستكبروا وقعوا في عذاب الدنيا، وبقي عليهم اللعن والعقاب في الدنيا وفي الآخرة، وأنّ المؤمن يخرج من الدنيا بالثناء والذكر الحسن، وبالثواب الجزيل في الآخرة، فيتقرر لدى السامع لهذه القصص هذه المعاني العظيمة.
كما أن في تكرار هذه القصص تسليته صلى الله عليه وسلم وتثبيت قلبه، وهي دلالة قوية الظهور، والله تعالى أعلم.
(1)
تقدم الكلام عنها عند الآية (59) من سورة الأعراف، ينظر الاستنباط رقم:(91).
الحذر من عاقبة الظلم والمبادرة بالتوبة.
قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله في تفسير هذه الآية: (عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله تعالى ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته»
(1)
، ثم قرأ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وفي هذه الآية الكريمة، والحديث الشريف دلالة على أن من أقدم على ظلم فإنه يتداركه بالتوبة والإنابة، وردّ الحقوق إلى أهلها إن كان الظلم للغير؛ لئلا يقع في هذا الوعيد العظيم، والعذاب الشديد، ولا يُظنّ أنّ هذه الآية مختصة بظالمي الأمم الماضية، بل هي عامّة في كل ظالم، ويعضده الحديث).
(2)
الدراسة:
استنبط الخطيب من التحذير والوعيد للظلمة، والتهديد بالأخذ والعذاب الأليم في هذه الآية، دلالتها باللازم على المبادرة بالتوبة، والتخلص من حقوق الخلق، حذراً من وعيد الله، وخوفاً من عقابه؛ لأن عاقبة الظلم شديدة أليمة.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]، برقم (4686)، (6/ 74)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (2583)، (4/ 1997).
(2)
السراج المنير (2/ 88).
قال الزمخشري: (وهذا تحذير من وخامة عاقبة الظلم لكل أهل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرها، بل لكل من ظلم غيره أو نفسه بذنب يقترفه، فعلى كل من أذنب أن يحذر أخذ ربه الأليم الشديد، فيبادر التوبة، ولا يغتر بالإمهال).
(1)
وقال الرازي مؤيداً هذه الدلالة: (واعلم أن هذه الآية تدل على أن من أقدم على ظلم فإنه يجب عليه أن يتدارك ذلك بالتوبة والإنابة، لئلا يقع في الأخذ الذي وصفه الله تعالى بأنه أليم شديد، ولا ينبغي أن يُظن أن هذه الأحكام مختصة بأولئك المتقدمين، لأنه تعالى لما حكى أحوال المتقدمين قال: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} فبيّن أن كل من شارك أولئك المتقدمين في فعل ما لا ينبغي، فلا بد وأن يشاركهم في ذلك الأخذ الأليم الشديد).
(2)
وممن استنبط هذه الفائدة غيرهما: البيضاوي، والنسفي، والخازن، والنيسابوري، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والقاسمي، وغيرهم.
(3)
وعلى هذا ففي الآية إشعار بأنهم أُخذوا بظلمهم، وإعلام بسنته تعالى التي لا تتبدل في أخذ الظالمين، وإنذار كل من ظلَم نفسه أو غيره، من سوء وبال هذه العاقبة، وهي إشارة حسنة، والله تعالى أعلم.
(1)
الكشاف (2/ 427)
(2)
التفسير الكبير (18/ 396)
(3)
ينظر: أنوار التنزيل (3/ 148)، ومدارك التنزيل (2/ 83)، ولباب التأويل (2/ 502)، وغرائب القرآن (4/ 48)، وإرشاد العقل السليم (4/ 240)، وروح البيان (4/ 185)، وروح المعاني (6/ 332)، ومحاسن التأويل (6/ 130).
الصلاة والصبر من الإحسان.
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (قوله: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم أي: واصبر يا محمد على أذى قومك، أو على الصلاة، وهو قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132]، {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} أي: أجر أعمالهم، وعدَل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود، ودليلاً على أنّ الصلاة والصبر إحسان، وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص).
(1)
وجه الاستنباط:
في تذييل خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {الْمُحْسِنِينَ} في سياق أمره بإقامة الصلاة والصبر، والعدول عن ضمير الخطاب، ربطٌ للصبر والصلاة بالإحسان.
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم مناسبة تذييل خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في الآية بقوله
{الْمُحْسِنِينَ} ، وهو أنّ الصلاة والصبر من الإحسان؛ لأنها جاءت في سياق أمره عليه الصلاة والسلام بإقامة الصلاة والصبر عليها، أو على أذية قومه له، وعدل عن ضمير الخطاب فلم يقل: أجرك، أو نحوه ليكون دليلاً على ذلك.
(1)
السراج المنير (2/ 91).
كما أشار رحمه الله إلى أن في الآية إيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإخلاص، ووجه الإيماء: أنّ إحسان ذلك إخلاص؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الإحسان أن تعبد الله كأنك
تراه»
(1)
.
(2)
ولا شك أن فعل كل الطاعات إحسان، وأهم هذه الطاعات الصلاة، فإذا أقيمت الصلاة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وفي أوقاتها، فهذا عين الإحسان، والصبر على ذلك إحسان، والصبر على كيد التكذيب إحسان، كما أن الصبر عن محارم الله إحسان، والصبر على أقدار الله إحسان، وكل أنواع الصبر إحسان، والله لا يضيع أجر المحسنين.
(3)
قال أبو حيان مقرراً هذا المعنى من الآية: (وأتى بعام وهو قوله: «أجر المحسنين» ، ليندرج فيه كل من أحسن بسائر خصال الإحسان، مما يحتاج إلى الصبر فيه، وما قد لا يحتاج كطبع من خُلق كريماً، فلا يتكلف الإحسان، إذ هو مركوز في طبعه. وقال ابن عباس: المحسنون هم المصلون، كأنه نظر إلى سياق الكلام
(4)
).
(5)
وممن استنبط هذه الدلالة من سياق الآية: البيضاوي، وأبو السعود، وغيرهما.
(6)
(1)
أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلم الساعة برقم (50)، (1/ 19)
(2)
ينظر: حاشيه الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي (5/ 145).
(3)
ينظر: مجلة البحوث الإسلامية العدد الثامن والخمسون - الإصدار: من رجب إلى شوال سنة 1420 هـ، (الإحسان والصبر).
(4)
ينظر: زاد المسير لابن الجوزي (2/ 407).
(5)
البحر المحيط (6/ 224)
(6)
ينظر: أنوار التنزيل (3/ 151)، وإرشاد العقل السليم (4/ 246)