الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الأحقاف
عِظَم حق الأم.
قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: 15].
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (دلَّت الآية على أنّ حق الأم أعظم لأنه تعالى قال: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} فذكرهما معاً، ثم خصَّ الأم بالذكر فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأنّ وصول المشاق إليها بسبب الولد كثيرة، والأخبار كثيرة في هذا الباب).
(1)
الدراسة:
استنبط الخطيب رحمه الله من الآية دلالتها بالنص أنّ حق الأم أعظم وآكد من حق الأب؛ لخصوص إفرادها بالذكر بعد الوصاية بالوالدين معاً، مما يدل على أن الأم لها أعظم الحق ومزيد عناية وشفقة لِما تحملته وكابدته في سبيل العناية بولدها، كما أخبر سبحانه:{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} .
قال الشوكاني: (وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب، لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك).
(2)
وممن أشار إلى هذه الدلالة من الآية: الرازي، والشوكاني، والألوسي، وابن عاشور، والشنقيطي، وغيرهم.
(3)
(1)
السراج المنير (3/ 720).
(2)
فتح القدير (5/ 22)
(3)
ينظر: التفسير الكبير (28/ 15)، وفتح القدير (5/ 22)، وروح المعاني (13/ 175)، والتحرير والتنوير (26/ 30)، وأضواء البيان (7/ 223)
ففي الآية إشارة إلى ما يقتضي البر بها على الخصوص، حيث نبَّه تعالى على الواجب لها على ولدها من البر، واستحقاقها عليه من الكرامة وجميل الصحبة؛ إذ الآية بيان لما تكابده الأم وتقاسيه في تربية الولد مبالغة في التوصية بها، ولذا اعتنى الشارع ببرها فوق الاعتناء ببر الأب، وقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رجلا قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك»
(1)
، وهي دلالة حسنة، والله تعالى أعلم.
(1)
أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، برقم (5971)، (8/ 2)
أقل مدّة الحمل ستة أشهر
قال الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (وفي ذلك دلالة على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، وقال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233]، فإذا أسقطنا الحولين الكاملين وهي أربعة وعشرون شهراً من ثلاثين، بقي مدة الحمل ستة أشهر).
(1)
الدراسة:
استنبط الخطيب رحمه الله من الآية بدلالة التركيب والجمع بين النصوص أن أقل مدّة الحمل ستة أشهر؛ لأن هذه الآية صرَّحت بأن أمد الحمل والفصال معاً ثلاثون شهراً، وقد قال تعالى في سورة لقمان:{وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} وقال: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233]، فبيَّن أن أمد الفصال عامان، وهما أربعة وعشرون شهراً، فإذا طُرحت من الثلاثين بقيت ستة أشهر، فتعين كونها أمداً للحمل وهي أقله
(2)
فهذه الآية منفردة ليس فيها تعرضٌ لبيان أقل مدة الحمل، ولكنها بضميمة بعض الآيات الأخرى إليها يُعلم أقل أمد الحمل، لأن في الكلام حذف مضاف تقديره: و «مدة» حمله وفصاله، وهذا لا يكون إلا بأن يكون أحد الطرفين ناقصاً، وذلك إما بأن تلد المرأة لستة أشهر وتُرضع عامين، وإما بأن تلد لتسعة - على العُرف -
(1)
السراج المنير (3/ 21)
(2)
ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (7/ 223)
وتُرضع عامين غير ربع العام، فإن زادت مدة الحمل نقصت مدة الرضاع، وبالعكس.
(1)
وروي أن امرأة أتت بولد لستة أشهر من وقت النكاح في زمان عمر رضي الله عنه فهمَّ عمر برجمها، فقال علي رضي الله عنه: لا سبيل لك عليها، وتلا قوله تعالى:{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} ، فقال عمر: لولا علي لهلك عمر.
(2)
وقد أشار إلى هذا الاستنباط أكثر المفسرين كالسمعاني، والبغوي، وابن عطية، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، والسيوطي، وابن كثير، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، وغيرهم.
(3)
قال ابن كثير: (وقد استدل علي رضي الله عنه، بهذه الآية مع التي في لقمان:{وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14]، وقوله:{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة، رضي الله عنهم.
(4)
وقد أجمع الفقهاء على ذلك وربطوا بهذين الضابطين أحكاما كثيرة
(5)
، والله تعالى أعلم.
(1)
ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (5/ 97)
(2)
ينظر: تفسير السمعاني (5/ 154)
(3)
ينظر: تفسير السمعاني (5/ 154)، ومعالم التنزيل (4/ 195)، والمحرر الوجيز (5/ 97)، والتفسير الكبير (28/ 16)، وأنوار التنزيل (5/ 113)، ومدارك التنزيل (3/ 312)، والإكليل (1/ 236)، وتفسير القرآن العظيم (7/ 280)، وإرشاد العقل السليم (8/ 83)، وفتح القدير (5/ 22)، ومحاسن التأويل (8/ 29)، وتيسير الكريم الرحمن (1/ 781).
(4)
تفسير القرآن العظيم (7/ 280).
(5)
ينظر: روائع البيان تفسير آيات الأحكام للصابوني (2/ 245)، وكشف الأسرار شرح أصول البزدوي (1/ 72)، والمجموع شرح المهذب (18/ 213)، والمغني (8/ 121)، وحاشية الروض المربع لعبد الرحمن القاسم (7/ 43).
خطاب الكفار بفروع الشريعة.
قال الله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف: 20].
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (دلَّت الآية على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأنّ الله تعالى عللَّ عذابهم بأمرين؛ أولهما: الكفر. وثانيهما: الفسق، وهذا الفسق لا بدّ وأن يكون مغايراً لذلك الكفر، لأنّ العطف يوجب المغايرة، فثبت أنّ فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم، ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات).
(1)
الدراسة:
استنبط الخطيب بدلالة اللازم من الآية، والاقتران بين الكفر والفسق أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأنّ الله تعالى علَّل عذابهم بالكفر وعطف عليه الفسق فغاير بينهما، ومعلوم أن الفسق خروج عن طاعة الله بترك المأمورات وفعل المنهيات، فدلَّ على أنهم مخاطبون بالفروع كخطابهم بالأصول.
وممن استنبط هذه الدلالة من معنى الآية: الرازي، وغيره.
(2)
وخطاب الكفار بفروع الإسلام مختلف فيه، والصحيح أنهم مخاطبون، ومكلفون بها
(3)
، لدلالة النصوص على ذلك، كما في قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي
(1)
السراج المنير (3/ 723)
(2)
ينظر: التفسير الكبير (28/ 23).
(3)
وقيل غير مخاطبين بها، واحتجوا بأنهم لو فعلوها فى حال كفرهم لم تقبل منهم ولا يجب قضاؤها عليهم بعد الإسلام وما لم يقيل منهم فلا يخاطبون به، وهذا الاحتجاج مردود؛ لأنهم مخاطبون بها وبما لا تصح إلا به وهو الاسلام، كالمحدِث يخاطب بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به كالطهاره؛ لأن ما لا يتم الواجب الا به واجب.
ينظر تفصيل المسألة في: البرهان للجويني (1/ 107 (، والإحكام للآمدي 1/ 144، وأصول السرخسي 1/ 73، والمحصول للرازي 1/ 2/400، وشرح الكوكب المنير 1/ 504، وروضة الناظر 1/ 160، والفوائد الأصولية لابن اللحام الحنبلي 1/ 76.
سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 42 - 44] الآية، ففيها التصريح بأن من الأسباب التي سلكتهم في سقر عدم إطعام المسكين، وهو فرع من الفروع، ونظيره قوله تعالى:{خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} .ثم بيَّن العلة بقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 30 - 34]. وغيرها من الآيات
وهذا من لطيف الاستنباط عند الخطيب رحمه الله وغيره؛ للمغايرة الظاهرة بين الكفر والفسق، وقد تقدم الكلام عن هذه الدلالة في أول سورة البقرة
(1)
، والله تعالى أعلم.
(1)
ينظر: استنباطات سورة البقرة، الاستنباط رقم:(21).
بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الجن.
قال الله تعالى: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31].
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (في هذه الآية دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن، كما كان مبعوثاً إلى الإنس).
(1)
الدراسة:
استنبط الخطيب رحمه الله من الآية بدلالة النص أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن كبعثته إلى الإنس، لأنه دعا الجن إلى الله تعالى، ومنه يُعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثاً إلى الجن أيضاً وهذا من جملة خصائصه، وهو ما عليه الجمهور.
(2)
قال مقاتل: (ولم يبعث الله نبياً إلى الإنس والجن قبله)
(3)
، ويدل على قوله ما في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«أُعطيت خمساً لم يُعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود»
(4)
، قال مجاهد: الأحمر والأسود: الجن والإنس.
(5)
(1)
السراج المنير (3/ 732)
(2)
قال جمهور العلماء: رسل الجن هم من البشر، ولم يبعث إلى الجن رسول منهم. ينظر: فتاوى السبكي (2/ 618)، والأشباه والنظائر (2/ 330)، وإيضاح الدلالة في عموم الرسالة لابن تيمية ص 3
(3)
ينظر: جامع البيان للطبري (22/ 141)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (16/ 217)
(4)
أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» برقم (521)(1/ 370)
(5)
ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (16/ 217)، والمستدرك على الصحيحين للحاكم، كتاب التفسير سورة سبأ، رقم الحديث (3517)، (2/ 460).
وممن استنبط هذه الدلالة من الآية: الرازي، والقرطبي، والخازن، وابن كثير، والنيسابوري، وحقي، والقاسمي، وغيرهم.
(1)
قال ابن كثير: (فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن، حيث دعاهم إلى الله، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين، وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن؛ ولهذا قال {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ}).
(2)
وأما ما كان من نبي الله سليمان عليه السلام فإنه لم يُبعث إلى الجن بل سُخِّروا له، فكان من خصائص محمد صلى الله عليه وسلم بعثته إلى الثقلين، كما دلَّت عليه هذه الآية، وبه يظهر صحة هذا الاستنباط، والله تعالى أعلم.
(1)
ينظر: التفسير الكبير (28/ 29)، والجامع لأحكام القرآن (16/ 217)، ولباب التأويل (4/ 137)، وتفسير القرآن العظيم (7/ 303)، وغرائب القرآن (6/ 125)، وروح البيان (8/ 490)، ومحاسن التأويل (8/ 458).
(2)
تفسير القرآن العظيم (7/ 303).