الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة المدثر
- معاندة الوليد بن المغيرة.
قال الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} [المدثر: 16]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: (تنبيه: في الآية إشارة إلى أنّ الوليد كان معانداً في أمور كثيرة، منها: أنه كان يعاند في دلائل التوحيد، وصحة النبوّة، وصحة البعث، ومنها: أنّ كفره كان عناداً؛ لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها بلسانه، وكفر العناد أفحش أنواع الكفر، ومنها: أنّ قوله تعالى {كَانَ} يدل على أنّ هذه حرفته من قديم الزمان).
(1)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية دلالتها بالنّص على معاندة الوليد بن المغيرة في أمور كثيرة وأن العناد صفة لازمة له، بدلالة قوله تعالى {إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} وذلك أنّ قوله تعالى {كَانَ} يدل على أنّ هذا ديدنه من قديم الزمان، كما نصَّت الآية أنّ كفره كان كفر عناد، وكفر العناد أشنع أنواع الكفر؛ لأنه كان يعرف الآيات بقلبه وينكرها بلسانه. فكان مُعانداً للحق مُجانباً له، يعاند في دلائل التوحيد، وصدق النبوّة، وصحة البعث منكراً للكل بدلالة قوله {لِآيَاتِنَا} فخصَّ الآيات بجحوده وعناده لا غيرها.
وممن نصَّ على هذه الدلالة موافقاً الخطيب: الرازي، والخازن، وغيرهما.
(2)
قال الرازي في تفصيل وجه استنباط هذه الدلالة: (في هذه الآية إشارة إلى
(1)
السراج المنير (4/ 479)
(2)
ينظر: التفسير الكبير (30/ 705)، ولباب التأويل (4/ 364)
أمور كثيرة من صفاته، أحدها: أنه كان معانداً في جميع الدلائل الدالة على التوحيد، والعدل، والقدرة، وصحة النبوة، وصحة البعث، وكان هو منازعاً في الكل، منكراً للكل، وثانيها: أن كفره كان كفر عناد، كان يعرف هذه الأشياء بقلبه إلا أنه كان ينكرها بلسانه، وثالثها: أن قوله: {إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} يدل على أنه من قديم الزمان كان على هذه الحرفة والصنعة، ورابعها: أن قوله: {إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} يفيد أن تلك المعاندة كانت منه مختصة بآيات الله تعالى وبيناته، فإن تقديره: إنه كان لآياتنا عنيداً، لا لآيات غيرنا، فتخصيصه هذا العناد بآيات الله مع كونه تاركاً للعناد في سائر الأشياء، يدل على غاية الخسران).
(1)
فجاءت دلالة الآية على ملازمة صفة العناد له، ليس في سائر أحواله بل فيما يتعلَّق بآيات الله على وجه الخصوص، وأن معاندته للحق ومبارزته لله ولرسوله بالمحاربة وأذيته لهما صفة قديمة فيه، واختصار هذه المعاني كلها في هذه الآية الواحدة من محاسن بلاغة هذا الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه، وهي إشارة لطيفة من الآية، والله تعالى أعلم.
(1)
التفسير الكبير (30/ 705) بتصرف يسير.
صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين.
قال الله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 42 - 48]
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: ({فَمَا تَنْفَعُهُمْ} أي: في حال اتصافهم بهذه الصفات {شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثَمَّ شفاعة غير نافعة. كقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وهذه الآية تدل على صحة الشفاعة للمذنبين من المؤمنين بمفهمومها؛ لأنّ تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، يدل على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين).
(1)
الدراسة:
استنبط الخطيب من الآية بدلالة مفهوم المخالفة صحة الشفاعة ونفعها لعصاة المؤمنين؛ لأنّ تخصيص هؤلاء المذكورين بأنهم يومئذ لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدل على أن غيرهم تنفعهم الشفاعة، وإلا لما كان لتخصيصهم بعدم منفعة الشفاعة وجه.
قال الزجاج: (وفي هذا دليل أن المؤمنين تنفعهم شفاعة بعضهم لبعض).
(2)
وقال ابن عطية: (أخبر تعالى أن شفاعة الشافعين لا تنفعهم، فتقرر من ذلك
(1)
السراج المنير (4/ 486)
(2)
معاني القرآن وإعرابه (5/ 249)
أن ثم شافعين)
(1)
.
وقال بهذا الاستنباط من المفسرين غير الزجاج، وابن عطية: ابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، والنسفي، وأبو حيان، والنيسابوري، وحقي، والقاسمي، وابن عاشور، وغيرهم.
(2)
فثبت أن للمذنبين شفاعة كما دلّ له مفهوم هذه الآية، وأن نفع الشفاعة لمن آمن، وهو دليل قوي على صحة عقيدة أهل السنة، وفساد مذهب المعتزلة الذين تمسكوا بهذه الآية وغيرها في نفي الشفاعة للعصاة
(3)
، وقولهم لاشك مردود؛ لأن المنفي هنا شفاعة الكفار دون المؤمنين، بدليل الأخبار الواردة في ذلك
(4)
، وأيضاً فإن الله تعالى أثبت الشفاعة لأقوام، ونفاها عن أقوام، فقال في صفة الكافرين {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] وقال {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] وقال {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23]. فظهر بهذا أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين
(5)
، والله تعالى أعلم.
(1)
المحرر الوجيز (5/ 399)
(2)
ينظر: زاد المسير (4/ 366)، والتفسير الكبير (30/ 716)، والجامع لأحكام القرآن (19/ 88)، ومدارك التنزيل (3/ 568)، والبحر المحيط (10/ 339)، وغرائب القرآن (6/ 396)، وروح البيان (10/ 241)، ومحاسن التأويل (9/ 360)، والتحرير والتنوير (29/ 328)
(3)
وهو مبني على أحد أصولهم أن أهل الكبائر لا يخرجون من النار بعد دخولها.
(4)
كما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه أوتي الشفاعة، وأخبر أنه يأتي فيسجد تحت العرش ويحمد ربه بمحامد يعلمه إياها، لا يبدأ بالشفاعة حتى يقال له:«ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط واشفع تشفع» ، وأخبر أنه لا يشفع في جميع العصاة من أهل التوحيد دفعة واحدة، بل قال:«فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة» ، ثم يرجع فيسجد كذلك فيحد له حداً .. إلى آخر حديث الشفاعة الذي أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح: 1]، برقم (3340)، (4/ 134)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (322)، (1/ 180)
(5)
ينظر: مجموع الفتاوى (1/ 149) وينظر: شرح الطحاوية لأبي العز (1/ 206)، والفصل في الملل لابن حزم (4/ 53)، والمعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها لعواد المعتق ص 236.