الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة المنافقين
مدنية
وهي سبعمائة وستة وسبعون حرفًا، وثَمانٍ وثَمانُونَ كلمةً، وإحدى عشرة آيةً.
باب ما جاء فِي فضل قراءتها
عن أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُنافِقِينَ بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ"
(1)
.
ورُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنْ قَرَأ سُورةَ المُنافِقِينَ بُنِيَ لَهُ فِي قَبْرِهِ بَيْتٌ ألْفَ باعٍ فِي ألْفِ باعٍ، كُلُّهُ نُور"
(2)
.
باب ما جاء فيها من الإعراب
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله عز وجل: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} يعني عبد اللَّه بن أُبَيٍّ وأصحابَهُ،
(1)
ينظر: الكشف والبيان 9/ 319، الوسيط 4/ 302، الكشاف 4/ 112، مجمع البيان 10/ 16.
(2)
لَمْ أعثر له على تخريج.
و {إِذَا} في موضع نصب بـ {جَاءَكَ} ، إلّا أنها غير معربة لِتَنَقُّلِها، وفي آخرها ألِفٌ، والألِفُ لا تُحَرَّكُ
(1)
.
قوله: {قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} وتَمَّ الخَبَرُ عنهم، وهو جواب {إِذَا} ، ثم ابتدأ فقال:{وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} ؛ أي: أنَّهُ أرْسَلَكَ، وكُسِرَتْ "إنَّ" لدخول اللَّامِ فِي خَبَرِها.
قوله: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)} جَعَلَهُمْ كاذبين؛ لأنهم أضْمَرُوا غَيْرَ ما أظْهَرُوا، فَدَلَّ هذا على أن حقيقة الإيمان بالقلب، ومن قال شيئًا واعْتَقَدَ بخلافه فهو كاذب، وإنما كُسِرَت الألف من {إِنَّ} لأجل لام الخبر، ولولا ذلك لكانت مفتوحةً؛ لتوسطها الكلام، قال الشاعر:
358 -
وَأعْلَمُ عِلْمًا -لَيْسَ بِالظَّنِّ- أنَّهُ
…
إذا ذَلَّ مَوْلَى المَرْءِ فَهْوَ ذَلِيلُ
وَإنَّ لِسانَ المَرْءِ -ما لَمْ يمُنْ لَهُ
…
حَصاةٌ- عَلَى عَوْراتِهِ لَدَلِيلُ
(2)
(1)
قاله النحاس بنصه في إعراب القرآن 4/ 431، ومذهب الجمهور أن العامل في "إذا" هو جوابها، وهو هنا قوله:"قالُوا"، ينظر: شرح الكافية للرضي 3/ 274: 277، ارتشاف الضرب ص 1411، مغني اللبيب ص 135، 131، همع الهوامع 2/ 133 - 134.
(2)
البيتان من الطويل، لطرفة بن العبد يهجو ابن عمه الذي كان خادما للملك عمرو بن هند، وَوَشَى بطَرَفةَ عِنْدَهُ، ويُنْسَبُ البيتان لكعب بن سعد الغَنَوِيِّ، وهما في ديوانه، ونُسِبا للهيثم ابن الأسَود النخعي.
اللغة: مَوْلَى المَزءِ: يريد به هنا ابنَ عمه المَهْجُوَّ، حَصاةٌ: عَقْلٌ ورَزانةٌ، العَوْراتُ: جَمْعُ عَوْرةٍ وهي كل أمْرٍ يُسْتَحْيا منه.
التخريج: ديوان طرفة ص 120، ديوان كعب الغنوي ص 130، العين 3/ 268، 7/ 177، معانِي القرآن للأخفش ص 320، الصاحبي ص 147، مقاييس اللغة 2/ 70، الصمت وآداب اللسان ص 229، المخصص 3/ 19، شرح الحماسة للتبريزي 4/ 8، البصائر والذخائر 5/ 96، بهجة المجالس 1/ 85، ذكر الفرق بين الأحرف الخمسة ص 345، =
ففتح الألف في البيت الأول في قوله: "أنَّهُ" لَمّا لَمْ يُدْخِل اللامَ على الخَبَرِ، وكَسَرَ الألِفَ في البيت الثانِي:"وَإنَّ لِسانَ المَرْءِ" لدخول اللام على الخبر في قوله: "لَدَلِيلُ"
(1)
.
قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} يعني: سِتْرًا من القتل {فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ؛ أي: مَنَعُوا الناسَ عن دين اللَّه الإسلامِ {إِنَّهُمْ سَاءَ مَا} بِئْسَ ما {كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)} من النفاق، و {مَا} في موضع رفع بـ {سَاءَ} عند سيبويه
(2)
،
= التذكرة الحمدونية 7/ 44، 62، الحماسة البصرية ص 134، أساس البلاغة: حصي، اللسان: أجا، حصي، حظرب، التاج: حصو، حصي.
(1)
من أول قوله: "وإنما كسرت الألف من إن" قاله الأخفش في معاني القرآن ص 320، وورد أيضًا في الجمل المنسوب للخليل ص 252. وقال سيبويه:"هذا باب آخر من أبواب "إنَّ"، تقول: أشْهَدُ إنَّهُ لَمُنْطَلِقٌ، فـ "أشْهَدُ" بِمَنْزِلةِ قوله: واللَّهِ إنهُ لَذاهِبٌ، و"إن" غير عاملة فيها "أشْهَدُ"؛ لأن هذه اللام لا تلحق أبدًا إلا في الابتداء. . . فإذا ذكرت اللام هاهنا لَمْ تكن إلا مكسورةً. . . ونظير ذلك قول اللَّه عز وجل: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} . الكتاب 3/ 146 - 147.
وينظر في هذه المسألة أيضًا: الأصول لابن السراج 1/ 182، مشكل إعراب القرآن 2/ 379، شرح التسهيل لابن مالك 2/ 88 - 89، ارتشاف الضرب ص 2114.
(2)
"ساءَ" مُلْحَقٌ بـ "بِئْسَ"، ولهذا فإنه يأخذ أحكامه، وجاءت "ما" هنا بعد "ساءَ"، ومذهب سيبويه أن "ما" إذا جاءت بعد "نِعْمَ" أو "بِئْسَ" فإنها تعرب فاعلًا بهما؛ لأنها عنده معرفة تامة فلا تحتاج إلى صِلةِ، والجملة بعد "ما" صفة للمخصوص المحذوف، فالتقدير على مذهب سيبويه: ساءَ الشَّيْءُ شَيْءٌ كانوا يَعْمَلُونَهُ، وقد أشار سيبويه إلى ذلك إشارة سريعة في كتابه، فقال:"وتقول: إنِّي مِمّا أنْ أفْعَلَ ذاكَ، كأنه قال: إنِّي من الأمر أو من الشأن أنْ أفْعَلَ ذاك، فوقعت "ما" هذا الموقع، كما تقول العرب: بئْسَما لَهُ، يريدون: بِئْسَ الشَّيْءُ ما لَهُ". الكتاب 3/ 156.
وينظر أيضًا: إعراب القرآنَ 1/ 247، 4/ 432، مشكل إعراب القرآن 2/ 379، الفريد 4/ 472، شرح التسهيل لابن مالك 3/ 9، ارتشاف الضرب ص 2044 - 2045، همع الهوامع 3/ 25.
و {كَانُوا يَعْمَلُونَ} صفةُ {مَا} ، والهاء محذوفة؛ أي: يَعْمَلُونَهُ، وقال الأخفش
(1)
: {مَا} نكرة. في موضع نصب، و {كَانُوا يَعْمَلُونَ} نَعْتُهُ، والهاء محذوفة أيضًا من الصفة، وحَذْفُها من الصِّلةِ أحْسَنُ، وهو جائز من الصِّفةِ.
وقال ابن كيسان
(2)
: {مَا} والفعل مصدر في موضع رفع بـ {سَاءَ} . فلا يُحْتاجُ إلَى هاءٍ محذوفة على قوله.
{ذَلِكَ} رفع بالابتداء؛ أي: ذلك الكَذِبُ {بِأَنَّهُمْ آمَنُوا} باللسان {ثُمَّ كَفَرُوا} بالسِّرِّ {فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} بالكفر {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3)} الإيمان والقرآن.
قوله: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ} يا محمد، يعني المنافقين {تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} في المَنْطِقِ والصُّورةِ والحُسْنِ، قيل: إنهم كانوا أحسن الناس وُجُوهًا، وقال
= وأما ما ذكره المؤلف هنا من أن التقدير على مذهب سيبويه: ساءَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَهُ، فمعناه أن "ما" موصولة، وهو مذهب الفارسي، وليس مذهب سيبويه، فقد قال الفارسي:"فقوله: "بئْسَما اشْتَرَوْا بهِ أنْفُسَهُمْ" يجوز عندي أن تكون "ما" موصولة، وموضعها رفع بكونها فاعَلة لـ "بِئْسَ". الإغفال 1/ 350، وقاله أيضًا في المسائل المشكلة ص 251 وما بعدها، والمسائل الشيرازيات ص 487 - 490.
(1)
قال الأخفش: "وقال: "إنْ اللَّهَ نِعِمّا. يَعِظُكُمْ بهِ"، فـ "ما" هاهنا اسم وليست له صِلةٌ؛ لأنك إن جَعَلْتَ "يَعِظُكُمْ بِهِ" صلة لـ "ما" صار كقوَلك: إنَّ اللَّهَ نِعْمَ الشَّيءُ أو نِعْمَ شَيْئًا، فهذا ليس بكلام، ولكن تجعل "ما" اسما وحدها كما تقول: غَسَلْتُهُ غَسْلًا نِعِمّا، تريد به: نِعْمَ غَسْلًا، فإن قيل: كيف تكون "ما" اسمًا وَحْدَها وهي لا يُتَكَلَّمُ بِها وحدها؟ قلت: هي بمنزلة: يا أيها الرجلُ؛ لأن "أيًّا" هاهنا اسم، ولا يُتَكَلَّمُ به وحده حتى يوصف، فصار "ما" مثل الموصوف هاهنا". معانِي القرآن ص 37، 38، وقال مثله في ص 139.
(2)
ينظر قوله فِي إعراب القرآن للنحاس 3/ 248، مشكل إعراب القرآن 2/ 380، البيان للأنباري 2/ 440 - 441، والتقدير على قول ابن كيسان: ساءَ العَمَلُ عَمَلُهُمْ.
ابن عباس
(1)
: كان عبد اللَّه بن أُبَيٍّ جَسِيمًا صَحِيحًا فَصِيحًا ذَلِقَ اللسانِ، فإذا قالَ يَسْمَعُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لقوله.
وأجاز النحويون الجزم بـ "إذا"، وأن يُجْعَلَ بِمَنْزِلةِ حَرْفِ المُجازاةِ، قال الشاعر:
359 -
واسْتَغْنِ ما أغْناكَ رَبُّكَ بِالغِنَى
…
وَإذا تُصِبْكَ خَصاصة فتجَمَّلِ
(2)
والاختيار عند الخليل وسيبويه
(3)
والفراء
(4)
ألا يُجْزَمَ بـ "إذا"؛ لأن ما بعدها مُؤَقَّتٌ، فخالفت المجازاةَ في هذا كما قال الشاعر:
360 -
وَإذا تَكُونُ كَرِيهةٌ أُدْعَى لَها
…
وَإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ
(5)
(1)
ينظر: شفاء الصدور ورقة 131/ ب، الكشف والبيان 9/ 320، زاد المسير 8/ 2740، 275، تفسير القرطبي 18/ 124.
(2)
البيت من الكامل، لعَبْدِ قَيْسٍ بن خُفافِ البُرْجُمِيِّ، ونُسِبَ لحارثةَ بنِ بَدْرٍ الغُدانِيِّ، ولأبانَ ابنِ عبد الحميد البُرْجُمِيِّ، ولعبد اللَّه بن قيسٍ الحنظليِّ.
التخريج: معانِي القرآن للفراء 3/ 158، المفضليات ص 385، الأضداد لابن الأنباري ص 120، إعراب القرآن 4/ 432، أمالِي المرتضى 1/ 383، شرح المفضليات للتبريزي ص 1291، تفسير القرطبي 5/ 338، شرح التسهيل لابن مالك 2/ 211، 4/ 82، اللسان: كرب، حماسة الظرفاء 1/ 269، مغني اللبيب ص 128، 131، 916، المقاصد النحوية 2/ 203، شرح شواهد المغني ص 271، همع الهوامع 2/ 132.
(3)
الكتاب 3/ 60 - 62.
(4)
معانِي القرآن 3/ 158.
(5)
البيت من الكامل، لِهُنَيِّ بنِ أحْمَرَ الكِنانِيِّ، ونُسِبَ لجَسّاسِ بنِ مُرّةَ، ولرجل من مَذْحِجَ، ولزُرافةَ الباهليِّ، ولأحمر بن الحارث بن عبد مَناةَ، وذَكَرَ المُفَضَّلُ أن هذا القول لبعض ولد طيء، وكان يفضل أبوه واحدًا من ولدِ وَلَدِهِ، واسمه جُنْدُبٌ، على وَلَدِهِ، ويقدمه عليهم، فقال أحدهم هذا البيت. =
قوله: {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} لأن مَنْطِقَهُمْ كَمَنْطِقِ أهل الإيمان، وهو شرط وجزاء، ثم قال تعالى:{كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} ؛ أي: أشْباحٌ بلا أرْواحٍ، وأجْسامٌ بلا أحْلَامٍ، قرأ الأعمش وأبو عمرو والكسائي:"خُشْبٌ" بجزم الشين، ورُوِيَ ذلك عن ابن كثير، واختاره أبو عبيد، قال
(1)
: لِمَذْهَبِها في العربية، وذلك أن واحِدَتَها خَشَبةٌ، ولَمْ نَجِدْ فِي كلامهم اسْمًا على وزن "فَعَلةٍ" يُجْمَعُ على "فُعُلٍ" بضم الفاء والعين، ويَلْزَمُ مَنْ ثَقَّلَها أن يُثَقِّلَ البُدْنَ أيضًا فيقول:"والبُدُنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ"
(2)
؛ لأن واحدتها بَدَنةٌ أيضًا.
وقرأ الآخرون بالتثقيل، وهي اختيار أبِي حاتم
(3)
، واختلف فيه عن ابن كثير وعاصم
(4)
، ومعنى قوله:"مُسَنَّدةٌ"؛ أي: مُمالةٌ إلى الجِدارِ، من قولهم:
= اللغة: الكَرِيهةُ: النازلة والشدة فِي الحرب، الحَيْسُ: الأقِطُ يُخْلَطُ بالتمر والسمن، يُحاسُ: يُخْلَطُ.
التخريج: شعر هُنَيِّ بن أحمر ص 468 وتخريجه ص 472 - 474 ضمن (الشعراء الجاهليون الأوائل)، ديوان الحارث بن حلزة ص 88، معانِي القرآن للفراء 1/ 122، 3/ 158، البخلاء للجاحظ ص 230، الأضداد لابن الأنباري ص 120، الزاهر 1/ 13، إعراب القرآن 4/ 433، اللامات للزجاجي ص 107، معجم الشعراء ص 26، الجليس الصالح الكافي 2/ 274، 275، الأزهية ص 185، شرح المفصل 2/ 110، اللسان: حيس، خزانة الأدب 2/ 38، التاج: حيس.
(1)
ينظر قول أبِي عبيدٍ في إعراب القرآن للنحاس 4/ 433، الكشف والبيان 9/ 320، المحرر الوجيز لابن عطية 5/ 312، تفسير القرطبي 18/ 125، وقد رد عليه النحاس بقوله:"وهذا غَلَطٌ وطَعْنٌ على ما رَوَتْهُ الجماعةُ". إعراب القرآن 4/ 433.
(2)
الحج 36، وينظر ما تقدم فيها 1/ 251.
(3)
ينظر اختيار أبِي حاتم في الكشف والبيان 9/ 320، تفسير القرطبي 18/ 125.
(4)
قرأ البَراءُ بن عازب، وابنُ كثير في رواية قُنْبُلٍ عنه، وعاصمٌ في رواية المفضل عنه، وأبو عمرو في رواية اليزيدي وعبدِ الوارث عنه، والكسائيُّ والأعمش:"خُشْبٌ"، وقرأ الباقون، =
أسْنَدْتُ الشَّيْءَ؛ أي: أمَلْتُهُ، والتفعيل للتكثير لأنه صفة {خُشُبٌ} ، وهي جَمْعٌ، وأراد أنها ليست بأشجارٍ تُثْمِرُ وتَنْمُو ويَحْسُنُ مَنْظَرُها، بل هي خُشُبٌ مُسَنَّدةٌ إلَى حائطٍ
(1)
.
ثم عابَهُمْ بالجُبْنِ، فقال تعالى:{مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} لا يسمعون صوتًا إلّا ظَنُّوا أنهم قد آلوا، أو نادَى مُنادٍ في العَسْكَرِ، أو انْفَلَتَتْ دابّةٌ، أو أُنْشِدَتْ ضالّةٌ، ظَنُّوا أنهم يُرادُونَ بذلك، مِمّا في قلوبهم من الرعب أن يَكْشِفَ اللَّهُ أسْرارَهُمْ.
ثم أخْبَرَ بعداوتهم، فقال:{هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} يا محمد أن تَأْمَنَهُمْ على سِرِّكَ؛ لأنهم عُيُونٌ لأعدائك من الكفار، {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)} .
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ} ؛ أي: لا تَشْغَلْكُمْ {أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} يعني: عن طاعة اللَّه وعن الصلاة وعن القرآن {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} ؛ أي: مَنْ شَغَلَهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ عن ذكر اللَّه، شرط وجزاء {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)}؛ أي: المَغْبُونُونَ، ومحل "مَنْ" رفع بالابتداء، و"أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ" ابتداء وخبر، وهو جواب الشرط، والجملة خَبَرُ ابتداءِ الأوَّلِ، وهو قوله:{وَمَنْ} .
{وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} يريد زكاة الأموال {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} فَيَسْألَ الرَّجْعةَ إلَى الدنيا، وهو قوله:{فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي} ؛ أي: أجَّلْتَنِي وأمْهَلْتَنِي {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} يعني: مِثْلَما أجَّلْتَ لِي فِي الدنيا.
= وحفصٌ عن عاصم، وأبو ربيعة عن أصحابه عن ابن كثير، وعُبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ وعَبّاسُ بنُ مَنْصُورٍ والخَفّافُ وأبو زيد كلهم عن أبي عمرو:"خُشُبٌ". ينظر: السبعة ص 636، جامع البيان 28/ 137، تفسير القرطبي 18/ 125، البحر 8/ 268، النشر 2/ 216.
(1)
قاله الواحدي في الوسيط 4/ 303.
يجوز أن تكون "لا" صلةً، فيكون الكلام بمعنى التمني
(1)
، ويجوز أن تكون بمعنى "هَلّا"، وهو قول الزَّجّاجِ
(2)
، فيكون استفهامًا، فإن قيل: كيف يَصِحُّ معنى التوبيخ والإنكار في قوله تعالى: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} ، وهو بمعنى: هَلّا أخَّرْتَنِي؟ قيل: فيه جوابان:
أحدهما: أن هذا يجري مَجْرَى مخاطبة الإنسان لنفسه مُوَبِّخًا لَها، وإن كان في الظاهر خطابًا لإلَهِنا تبارك وتعالى.
والآخر: أن هذا دعاء؛ لأن كل ما كان من هذا النوع لِمَنْ هُوَ دُونَكَ فهو بمعنى الأمْرِ، وما كان لِمَنْ هو فَوْقَكَ فهو بمعنى الدعاء، وما كان لمن هو مِثْلُكَ فهو بمعنى السؤال، وإن اشْتَرَكَ اللفظُ فالمعنى مختلف، ونصب {فَيَقُولَ} لأنه عطف على قوله:{أَنْ يَأْتِيَ} .
وقوله: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)} أُؤَدِّي الفرائضَ، وأجْتَنِبُ المَحارِمَ، والتقدير: وَأكُنْ صالِحًا من الصالحين.
واختلف القُرّاءُ فيه
(3)
، فقرأ أبو عمرو والحسن وابن مُحَيْصِنٍ:{وَأكُونَ} بالواو ونصب النون، وقرأ الباقون:{وَأَكُنْ} بغير واو، فمن حذف الواو عطفها على موضع الفاء قبل دخول الفاء؛ لأن موضعها جَزْمٌ على التَّمَنِّي؛ أي:
(1)
قاله الثعلبي في الكشف والبيان 9/ 323، وينظر: تفسير القرطبي 18/ 131.
(2)
معانِي القرآن وإعرابه 5/ 178.
(3)
قرأ ابن مسعود وأبَيُّ بن كعب وأبو عمرو والحسن وابن جبير وأبو رجاء وابن أبِي إسحاق ومالك بن دينار والأعمش وابن محيصن ومجاهد وعبد اللَّه بن الحسن العنبري: "وَأكُونَ" بالنصب، وقرأ عبيد بن عمير:"وَأكُونُ" بالرفع، وقرأ الباقون:"وَأكُنْ" بالجزم، ينظر: السبعة ص 637، تفسير القرطبي 18/ 131، البحر المحيط 8/ 271.
إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ من الصالحين، قال الشاعر:
361 -
فَأبْلُونِي بَلِيَّتَكُمْ لَعَلِّي
…
أُصالِحُكُمْ وَأسْتَدْرِجْ نَويَّا
(1)
فجزم "أسْتَدْرِجْ" على محل "أُصالِحُكُمْ" قبل دخول "لَعَلِّي".
ومن أثبت الواوَ عَطَفَهُ على لفظ {فَأَصَّدَّقَ} ، والنصب في قوله:{فَأَصَّدَّقَ} على إضمار "أنْ"، وفي "وَأكُونَ" عطف على ما بعد الفاء.
قال الخليل
(2)
: نصب {فَأَصَّدَّقَ} على جواب الاستفهام بالفاء، ثم
(1)
البيت من الوافر، لأبِي دُؤادٍ الإيادِيِّ.
اللغة: قال الأزهري: "قوله: "نَويَّا"، أي: نَوايَ، وهذه لغة طيئ، مثل: قَفَيَّ، أي: قَفايَ، وهُدَيَّ، أي: هُدايَ، وبُشْرَيَّ؛ أي: بُشْرايَ". معانِي القراءات 3/ 72، وقد شرحه الشيخ محمد الأمير، فقال: "فَأبْلُوني: فَأعْطُونِي، البَلِيّةُ: النّاقةُ تُتْرَكُ عند قَبْرِ صاحبها بلا طعام ولا شراب حتى تَمُوتَ، نَويَّا: أصله: نَوايَ فقُلِبَتْ الألِفُ ياءً على لغة هذيل، والنَّوَيُّ: الجهة التي ينويها المسافر. حاشية الأمير على مغنى اللبيب 2/ 69.
التخريج: ديوان أبي دؤاد ص 350، معانِي القرآن للفراء 1/ 88، شرح نقائض جرير والفرزدق 1/ 599، تأويل مشكل القرآن ص 56، الزاهر لابن الأنباري 1/ 288، إعراب القرآن 4/ 437، معانِي القراءات 3/ 72، إعراب القراءات السبع 2/ 369، الحجة للفارسي 4/ 44، الخصائص 1/ 176، 2/ 341، سر صناعة الإعراب ص 701، الكشف والبيان 9/ 324، أمالِيُّ ابن الشجري 1/ 428، عين المعانِي ورقة 134/ ب، اللسان: علل، مغني اللبيب ص 553، 620، شرح شواهد المغني ص 839.
(2)
قال سيبويه: "وسألتُ الخليلَ عن قوله عز وجل: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} فقال: هذا كقول زهير:
بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى
…
وَلَا سابِقٍ شَيئًا إذا كانَ جائِيا
فإنما جَرُّوا هذا لأن الأول قد يدخله الباءُ، فجاءوا بالثانِي وكأنهم قد أثبتوا في الأوَّلِ الباءَ، فكذلك هذا، لَمّا كان الفعل الذي قبله قد يكون جَزْمًا ولا فاءَ فيه، تكلموا بالثانِي وكأنهم قد جَزَمُوا قَبْلَهُ، فعلى هذا تَوَهَّمُوا هذا". الكتاب 3/ 100 - 101.