الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ وَإِحْيَاءُ أَرْضٍ مَوَاتٍ يَجُوزُ بِحَائِطٍ مَنِيعٍ]
سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِبِنَاءٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ حَظِيرَةٍ لِغَنَمٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا نَصًّا. لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَلَهُمَا عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلُهُ ; وَلِأَنَّ الْحَائِطَ حَاجِزٌ مَنِيعٌ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْقَصْدِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَرَادَهَا حَظِيرَةً فَبَنَاهَا بِجِصٍّ وَآجُرٍّ وَقَسَّمَهَا بُيُوتًا، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا وَقَوْلُهُ:" مَنِيعًا " أَيْ: يَمْنَعُ مَنْ وَرَاءَهُ وَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ تَسْقِيفٌ وَلَا تَرْكِيبُ بَابٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْخَبَرِ (أَوْ) أَيْ: وَيَحْصُلُ إحْيَاؤُهَا (بِإِجْرَاءِ مَاءٍ) بِأَنْ يَسُوقَهُ إلَيْهَا مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ (لَا تُزْرَعُ إلَّا بِهِ) أَيْ: بِالْمَاءِ الْمَسُوقِ إلَيْهَا (أَوْ مَنْعِ مَاءٍ لَا تُزْرَعُ مَعَهُ) كَأَرْضِ الْبَطَائِحِ الَّتِي يُفْسِدُهَا غَرَقُهَا بِالْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ، فَإِحْيَاؤُهَا بِسَدِّهِ عَنْهَا وَجَعْلِهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ زَرْعُهَا ; لِأَنَّ بِذَلِكَ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِيمَا أَرَادَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ (أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ) أَوْ نَهْرٍ نَصًّا. وَيَصِلُ إلَى مَاءِ الْبِئْرِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ: وَإِنْ خَرَجَ الْمَاءُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى طَيٍّ، فَتَمَامُ الْإِحْيَاءِ طَيُّهَا (أَوْ غَرْسُ شَجَرٍ فِيهَا) أَيْ: الْمَوَاتِ بِأَنْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لِغَرْسٍ لِكَثْرَةِ أَحْجَارِهَا وَنَحْوِهَا فَيُنَقِّيهَا وَيَغْرِسُهَا ; لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ كَبِنَاءِ الْحَائِطِ. وَلَا يَحْصُلُ إحْيَاءٌ بِحَرْثٍ وَزَرْعٍ.
(وَبِحَفْرِ بِئْرٍ) بِمَوَاتٍ وَاسْتِخْرَاجِ مَائِهَا (يَمْلِكُ) حَافِرٌ (حَرِيمَهَا وَهُوَ) أَيْ: حَرِيمِ الْبِئْرِ (مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فِي قَدِيمَةٍ) وَتُسَمَّى الْعَادِيَّةَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ نِسْبَةً لِعَادٍ، وَلَمْ يُرِدْ عَادًا بِعَيْنِهَا، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَكَانَتْ لَهَا آثَارٌ فِي الْأَرْضِ نُسِبَ إلَيْهَا كُلُّ قَدِيمٍ (خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَ) الْحَرِيمُ (فِي) بِئْرٍ (غَيْرِهَا) أَيْ الْقَدِيمَةِ (خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا) نَصًّا. لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ " السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا وَالْبَدِيءُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ "، وَرَوَى الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وَالْبِئْرُ الَّتِي لَهَا مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ لَيْسَ لِأَحَدٍ احْتِجَازُهُ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ
. (وَحَرِيمُ عَيْنٍ وَقَنَاةٍ) حُفِرَتَا بِمَوَاتٍ (خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ و) حَرِيمُ (نَهْرٍ) بِمَوَاتٍ (مِنْ جَانِبَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ) أَيْ: مَا يُلْقَى مِنْهُ لِيُسْرِعَ جَرْيُهُ (وَطَرِيقِ شَاوِيهِ) أَيْ قَيِّمُهُ. قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَالْكِرَايَةُ وَالشَّاوِي لَمْ أَجِدْ لَهُمَا أَصْلًا فِي اللُّغَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَعَلَّهُمَا مُوَلَّدَتَانِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الشَّامِ (وَنَحْوِهِمَا) أَيْ: نَحْوِ مَطْرَحِ كِرَايَتِهِ وَطَرِيقِ شَاوِيهِ مِنْ مَرَافِقِهِ وَمَا يَسْتَضِرُّ صَاحِبُهُ بِتَمَلُّكِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَثُرَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ كَانَ بِجَنْبِهِ مُثَنَّاةٌ لِغَيْرِهِ
ارْتَفَقَ بِهَا فِي ذَلِكَ ضَرُورَةً. وَلَهُ عَمَلُ أَحْجَارِ طَحْنٍ عَلَى النَّهْرِ وَنَحْوِهِ وَمَوْضِعِ غَرْسٍ وَزَرْعٍ وَنَحْوِهِمَا
. (وَ) حَرِيمُ (شَجَرَةٍ) غُرِسَتْ بِمَوَاتٍ (قَدْرُ مَدِّ أَغْصَانِهَا) حَوَالَيْهَا. لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «اُخْتُصِمَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدِهَا فَذُرِعَتْ فَكَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ أَوْ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَقَضَى بِذَلِكَ»
(وَ) حَرِيمُ (أَرْضٍ تُزْرَعُ) مِنْ مَوَاتٍ (مَا) أَيْ: مَحَلٍّ (تَحْتَاجُ) إلَيْهِ (لِسَقْيِهَا وَرَبْطِ دَوَابِّهَا وَطَرْحِ سَبَخِهَا وَنَحْوِهِ) مِنْ مَرَافِقِ زُرَّاعِهَا كَمَصْرِفِ مَائِهَا عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ.
(وَ) حَرِيمُ (دَارٍ مِنْ مَوَاتٍ حَوْلَهَا مَطْرَحُ تُرَابٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ وَمَاءِ مِيزَابٍ وَمَمَرٍّ لِبَابٍ) ; لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ مَرَافِقِ سَاكِنِهَا (وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِمِلْكٍ) لِغَيْرِهِ مِنْ جَوَانِبِهَا ; لِأَنَّ الْحَرِيمَ مِنْ الْمَرَافِقِ وَلَا يَرْتَفِقُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ (وَيَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْلَاكِ الْمُتَلَاصِقَةِ (بِحَسَبِ عَادَةٍ) فَإِنْ تَعَدَّاهَا مُنِعَ (وَإِنْ وَقَعَ فِي) قَدْرِ (الطَّرِيقِ نِزَاعٌ وَقْتَ الْإِحْيَاءِ فَلَهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ) لِلْخَبَرِ (وَلَا تُغَيَّرُ بَعْدَ وَضْعِهَا) أَيْ: الطَّرِيقِ ; لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ
. (وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا بِأَنْ أَدَارَ حَوْلَهُ أَحْجَارًا) أَوْ تُرَابًا أَوْ شَوْكًا أَوْ حَائِطًا غَيْرَ مَنِيعٍ لَمْ يَمْلِكْهُ، (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا لَمْ يَصِلْ مَاءَهَا) لَمْ يَمْلِكْهَا نَصًّا (أَوْ سَقَى شَجَرًا مُبَاحًا) كَالزَّيْتُونِ وَالْخَرْنُوبِ. قَالَ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: الصَّوَابُ شَفَّا بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ: قَطْعِ الْأَغْصَانِ الرَّدِيئَةَ لِتَخْلُفَهَا أَغْصَانٌ جَيِّدَةٌ (وَأَصْلَحَهُ وَلَمْ يُرْكِبْهُ) أَيْ: يُطْعِمْهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَإِنْ طَعَّمَهُ مَلَكَهُ بِذَلِكَ (وَنَحْوِهِ) بِأَنْ حَرَثَ الْأَرْضَ أَوْ خَنْدَقَ حَوْلَهَا لَمْ يَمْلِكْهَا ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ يَنْزِلُ مَنْزِلًا وَيُحَوِّطُ عَلَى رَحْلِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ (أَوْ أَقْطَعَهُ) أَيْ: أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ مَوَاتًا لِيُحْيِيَهُ (لَمْ يَمْلِكْهُ) قَبْلَ إحْيَائِهِ ; لِأَنَّ الْمَوَاتَ إنَّمَا يُمْلَكَ بِالْإِحْيَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لِلْإِمَامِ إقْطَاعَ الْمَوَاتِ لِمَنْ يُحْيِيهِ وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْإِقْطَاعِ بَلْ بِإِحْيَائِهِ (وَهُوَ) أَيْ: مَنْ تَحَجَّرَ الْمَوَاتَ أَوْ حَفَرَ الْبِئْرَ وَلَمْ يَصِلْ مَاءَهَا أَوْ سَقَى الشَّجَرَ الْمُبَاحَ وَلَمْ يَرْكَبْهُ وَنَحْوُهُ أَوْ أُقْطِعَهُ (أَحَقُّ بِهِ) مِنْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» ".
(وَ) كَذَا (وَارِثُهُ) مِنْ بَعْدِهِ بِهِ أَحَقُّ لِحَدِيثِ «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» ; وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَوْرُوثِ فَقَامَ فِيهِ وَارِثُهُ مُقَامَهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، (و) كَذَا (مَنْ يَنْقُلُهُ) الْمُتَحَجِّرُ وَنَحْوُهُ وَالْمُقَطَّعُ (إلَيْهِ) أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ سِوَاهُ ; لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ فِيهِ
(وَكَذَا مَنْ نَزَلَ عَنْ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ بِيَدِهِ لِغَيْرِهِ أَوْ عَنْ وَظِيفَةٍ لِأَهْلٍ)
فَالْمَنْزُولُ لَهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَتَقَرَّرُ غَيْرُهُ أَيْ: إذَا كَانَ النُّزُولُ مُتَوَقِّفًا عَلَى الْإِمْضَاءِ لِشَرْطِ وَاقِفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَالنُّزُولُ إذَا لَمْ يَتِمَّ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمُتَحَجِّرِ إذْ الْمُتَحَجِّرُ لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ إلَّا بِالْإِحْيَاءِ وَالنُّزُولُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْإِمْضَاءِ، وَحَقُّ الْمَنْزُولِ لَهُ قَائِمٌ بِهِ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى الْإِمْضَاءِ. فَإِنْ وُجِدَ انْبَرَمَ وَتَمَّ النُّزُولُ لَهُ وَإِلَّا كَانَ الْمَنْزُولُ عَنْهُ لِلنَّازِلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْغَبْ عَنْهُ رَغْبَةً مُطْلَقَةً بَلْ مُقَيَّدَةً بِحُصُولِهِ لِلْمَنْزُولِ لَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ التَّقْرِيرُ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّمَا يُقَرِّرُ فِيمَا هُوَ خَالٍ عَنْ يَدِ مُسْتَحِقٍّ أَوْ فِي يَدِ مَنْ يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ لِمُقْتَضًى شَرْعِيٍّ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ النُّزُولُ مَشْرُوطًا بِالْإِمْضَاءِ وَكَانَ الْمَنْزُولُ لَهُ أَهْلًا فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ عَاجِلًا بِقَبُولِهِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقْرِيرِ نَاظِرٍ وَلَا مُرَاجَعَتِهِ ; إذْ هُوَ حَقٌّ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ جَائِزُ التَّصَرُّفِ فِي حُقُوقِهِ قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْمَجْدِ (أَوْ آثَرَ شَخْصًا بِمَكَانِهِ فِي الْجُمُعَةِ)، فَالْمُؤْثَرُ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَحَقُّ بِهِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ قُلْنَا إنَّهُ أَحَقُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ السَّابِقِ (بَيْعُهُ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ، وَكَمَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ لَكِنَّ النُّزُولَ عَنْهُ بِعِوَضٍ لَا عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ جَائِزٌ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ قِيَاسًا عَلَى الْخُلْعِ (فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ) أَيْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ وَنَحْوَهُ (عُرْفًا وَلَمْ يَتِمَّ إحْيَاؤُهُ وَحَصَلَ مُتَشَوِّقٍ لِإِحْيَائِهِ قِيلَ لَهُ) أَيْ: قَالَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِلْمُتَحَجِّرِ وَنَحْوِهِ: (إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ) لِغَيْرِكَ يُحْيِيهِ لِتَضْيِيقِهِ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ. أَشْبَهَ مَنْ وَقَفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّق (فَإِنْ طَلَبَ) الْمُتَحَجِّرُ (الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ أُمْهِلَ مَا يَرَاهُ حَاكِمٌ مِنْ نَحْوِ شَهْرٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ) لِيَحْصُلَ مَا يَحْتَاجُهُ لِإِحْيَائِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ قِيلَ لَهُ: إمَّا أَنْ تُعَمِّرَ أَوْ تَرْفَعَ يَدَكَ، فَإِنْ لَمْ يُعَمِّرْهَا كَانَ لِغَيْرِهِ عِمَارَتُهَا (وَلَا يَمْلِكُ) الْمُتَحَجِّرُ (بِإِحْيَاءِ غَيْرِهِ فِيهَا) أَيْ: مُدَّةَ الْمُهْلَةِ لِأَنَّهُ إحْيَاءٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ. أَشْبَهَ إحْيَاءَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَحَجِّرِ أَسْبَقُ فَكَانَ أَوْلَى. فَإِنْ أَحْيَاهُ غَيْرُهُ بَعْدَ مُدَّةِ الْمُهْلَةِ مَلَكَهُ (وَكَذَا لَا يُقَرِّرُ) فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ أَوْ وَظِيفَةٍ مَنْزُولٍ عَنْهَا لِأَهْلٍ (غَيْرُ مَنْزُولٍ لَهُ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِذَلِكَ، (وَ) كَذَا (لَا) يَجُوزُ (لِغَيْرِ الْمُؤْثَرِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (أَنْ يَسْبِقَ) إلَى الْمَكَانِ الْمُؤْثَرِ بِهِ غَيْرُهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُؤْثَرِ بِهِ
وَيَنْقَسِمُ الْإِقْطَاعُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ، وَإِقْطَاعُ اسْتِغْلَالٍ، وَإِقْطَاعُ إرْفَاقٍ. وَقَسَّمَ الْقَاضِي الْأَوَّلَ إلَى: مَوَاتٍ وَعَامِرٍ وَمَعَادِنِ، وَجَعَلَ الثَّانِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: خَرَاجٍ وَعُشْرٍ. وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْأَخِيرِ بِقَوْلِهِ (: وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ جُلُوسٍ بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ مَا لَمْ يَضِقْ عَلَى النَّاسِ) ; لِأَنَّ لَهُ فِي
ذَلِكَ اجْتِهَادًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ إلَّا فِيمَا لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ فِيهَا، فَلَهُ أَنْ يُجْلِسَ فِيهَا مَنْ لَا يَرَى أَنَّهُ يَضُرُّ بِجُلُوسِهِ (وَلَا يَمْلِكُهُ مُقْطَعٌ) بِهِ (بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ) أَيْ: بِالْجُلُوسِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَزُولُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ، بِخِلَافِ السَّابِقِ إلَيْهَا بِلَا إقْطَاعٍ كَمَا يَأْتِي ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا يَسْبِقُهُ إلَيْهَا. فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْهَا زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ، وَهُنَا اسْتِحْقَاقُهُ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ لَهُ فَلَا يَزُولُ (مَا لَمْ يَعُدْ الْإِمَامُ فِي إقْطَاعِهِ) فَيُقْطَعُ بِعَوْدِهِ ; لِأَنَّ لَهُ اجْتِهَادًا فِي قَطْعِهِ كَمَا لَهُ اجْتِهَادٌ فِي ابْتِدَائِهِ. فَإِنْ كَانَتْ رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ مَحُوطَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ إقْطَاعُ الْجُلُوسِ فِيهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسْجِدِ (وَإِنْ لَمْ يُقْطِعْ) الْإِمَامُ الْجُلُوسَ بِطَرِيقٍ وَاسِعَةٍ أَوْ رَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ، (فَالسَّابِقُ) إلَى الْجُلُوسِ فِيهَا (أَحَقُّ) بِهِ (مَا لَمْ يَنْقُلْ قُمَاشَهُ عَنْهَا) ; لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» ; وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ بِمُبَاحٍ بِلَا إضْرَارٍ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَالِاجْتِيَازِ. فَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إزَالَتَهُ، وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ كَانَ لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ اللَّيْلُ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنِ إمَامٍ (فَإِنْ أَطَالَهُ) أَيْ: الْجُلُوسَ بِلَا إقْطَاعٍ (أُزِيلَ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالتَّمَلُّكِ. وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيهِ غَيْرُهُ فِيهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْجَالِسِ بِطَرِيقٍ وَاسِعٍ وَرَحْبَةِ مَسْجِدٍ غَيْرِ مَحُوطَةٍ بِإِقْطَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَنْ يَسْتَظِلَّ بِمَا لَا يَضُرُّ كَكِسَاءٍ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ إلَيْهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ رَحْبَةٍ (أَوْ إلَى خَانٍ مُسْبَلٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ أَوْ خَانِكَاهْ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ) الِانْتِفَاعُ (بِهَا إلَى تَنْزِيلِ نَاظِرٍ) وَضَاقَ الْمَكَانُ عَنْ انْتِفَاعِ جَمِيعِهِمْ (أُقْرِعَ) لِاسْتِوَائِهِمْ، وَالْقُرْعَةُ مُمَيِّزَةٌ
(وَالسَّابِقُ إلَى مَعْدِنٍ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُهُ) مِنْهُ بَاطِنًا كَانَ أَوْ ظَاهِرًا لِلْخَبَرِ (وَلَا يُمْنَعُ إذَا طَالَ مُقَامُهُ) لِلْخَبَرِ (وَإِنْ سَبَقَ عَدَدٌ) إلَى مَعْدِنٍ (وَضَاقَ الْمَحِلُّ عَنْ الْآخِذِ جُمْلَةً أُقْرِعَ) ; لِأَنَّهُ لَا مُرَجِّحَ غَيْرُهَا
(وَالسَّابِقُ إلَى) أَخْذِ (مُبَاحٍ كَصَيْدٍ وَعَنْبَرٍ وَحَطَبٍ وَثَمَرٍ) وَنَحْوِهِ (وَمَنْبُوذٍ رَغْبَةً عَنْهُ) كَالنِّثَارِ فِي الْأَعْرَاسِ وَنَحْوِهَا، وَمَا يَتْرُكُهُ حَصَّادٌ وَنَحْوُهُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ رَغْبَةً عَنْهُ وَكِسْرَةٍ وَلَحْمٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَظْمٍ (أَحَقُّ بِهِ) فَيَمْلِكُهُ بِأَخْذِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا (وَيُقَسَّمُ بَيْنَ عَدَدٍ) أَخَذُوهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً (بِالسَّوِيَّةِ) لِاسْتِوَائِهِمْ فِي السَّبَبِ وَإِمْكَانَ الْقِسْمَةِ
(وَلِلْإِمَامِ لَا غَيْرِهِ إقْطَاعُ غَيْرِ مَوَاتٍ تَمْلِيكًا وَانْتِفَاعًا لِلْمَصْلَحَةِ) لِفِعْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي سَوَادِ الْعِرَاقِ. وَمَعْنَى الِانْتِفَاعِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ بِالزَّرْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ بَقَائِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ إقْطَاعُ الِاسْتِغْلَالِ (وَ) أَيْ: لِإِمَامٍ (حَمْيُ مَوَاتٍ لِرَعْيِ دَوَابِّ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مَا لَمْ يُضَيِّق) عَلَى النَّاسِ، لِقَوْلِ عُمَرَ