الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفليس وَالْحَجر
بَابُ التفليس: وهو لغة النداء على المفلس وشهره بصفة الإِفلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أحسن الأموال.
وشرعًا حجر الحاكم على المديون.
(والحجر) لغة المنع، وشرعًا المنع من التصرفات المالية والأصل فيهما من السنة أخبار يأتي بعضها ومزيد الثاني بآية {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} وبآية {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} .
ففسر الشافعي السفيه بالمبذر والضعيف بالصبي وبالكبير المختل والذي لا يستطيع أن يمل بالمغلوب على عقله.
1/ 370 - (عَنْ أَبِي هُريرَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ أدرَكَ) أي لحق بمعنى وجد (مَالهُ) إضافة المال إليه باعتبار ما كان (بِعَينهِ) تأكيد (عِنْدَ رَجُلٍ) ابتاعه منه (قَدْ أَفْلسَ) أي صار مفلسًا بالثمن
(فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيرِهِ) يعني فهو المستحق له دون غيره (رواه الشيخان).
وفيه رجوع البائع إلى عين ما له إن ونجده عند المشتري وإن تخلل ملك غيره وهو مذهب الشافعي والأكثرين، ومحله إذا حل الثمن وتعذر بالفلس واختار الفسخ ولم يضارب مع الغرماء، ومثله الموت "أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" رواه أبو داود وغيره وصحح الحاكم إسناده وقد عرفت أن الخبر مقيد بالبيع لرواية مالك في الموطأ" أيما رجل باع مالًا فلا يصح حمله على المغصوب والعواري والودائع كما قال به بعضهم، وفي معنى البيع سائر المعاوضات المحضة كالقرض والإِجارة بجامع أن كلا منهما مقابلة مال بمال، والكلام على ذلك مستوفى في كتب الفقه، وذكر الرجل في الأخبار المذكورة مثال، فمثله المرأة والخنثى.
2/ 371 - (وعن أبي عمرو الشريد) بفتح المعجمة وكسر الراء (ابن سويد الثقفي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُّ).
أصلها لوي قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء (الْوَاجِدِ) أي مطل الواجد أي الغني (يُحِلُّ) بضم الياء (عِرْضَة) أي ذمّه كأن يقول له الدائن مطلتني أو ظلمتني (وَعُقُوبَتَهُ) أي تعزيره (رواه أبو داود وغيره وصححه ابن حبان وعلقه البخاري).
وفيه أنه يحل ذمته وعقوبته بأن يحبسه الحاكم فإن لم ينزجر عزره بالضرب أو غيره وإن زاد مجموعه على الحد، لكن لا يعزره ثانيًا حتى يبرأ من الأول.
3/ 372 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أُصِيبَ رَجُلٌ) هو معاذ بن جبل بآفة سماوية (في عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا) بعد بدو صلاحها وتسلمها بالتخلية بينه وبينها (فَكَثُرَ دَينُهُ، فَقَال رسول الله صلى الله عليه وسلم تَصَدَّقُوا عَلَيْه) أي لإِعساره بالدين (فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيه فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أي ما تصدقوا به عليه (وَفَاءَ دَينِهِ فَقَال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِغُرمَائِهِ: خَذُوا مَا وَجَدْتُمْ) من ماله (وَلَيسَ لَكُمْ إلا ذَلِكَ، رواه مسلم).
وفيه أن ضمان ما تلف من الثمار المبيعة قبل أوان الجذاذ بجائحة من ضمان المشتري وهو الأصح عندنا، والثاني من ضمان البائع للأمر في الأخبار بوضع الجوائح ولخبر مسلم في رواية "فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا"
وأجاب الأول بحمل الأمر بوضع الجوائح على الندب، وبأن معنى الرواية المذكورة لا يحل لك مطالبته ما دام معسرًا كما أن معنى آخر الحديث وليس لكم الآن إلا ذلك.
وفيه أيضًا التعاون على البر والتقوى ومواساة المحتاج والحث على الصدقة وأن المعسر لا تحل مطالبته ولا ملازمته ولا سجنه، وأنه يسلم للغرماء جميع مال المفلس إذا لم يف بدينه ولا يترك له سوى ثيابه ونحوها.
4/ 373 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قَال: عُرضْتُ) أي ممن عرض من الجيش أيصلح للقتال فيؤذن له في الخروج له أو لا فيمنع (على النبي صلى الله عليه وسلم يَوْمَ) غزوة (أُحُدٍ) ويقال له ذو عينين وهو جبل بالمدينة على أقل من فرسخ منها وبه قبر هارون عليه الصلاة والسلام.
(وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشرَةَ سَنَةً. فَلَمْ يُجِزْنِي) - أي لم يأذن لي في الخروج للقتال ولم يرني بلغت (وَعُرِضْتُ عَلَيهِ يَوْمَ) غزوة (الْخَنْدَقِ) وتسمى غزوة الأحزاب، وسميت بالخندق لأنه صلى الله عليه وسلم لما تحزّب لقتال الكفار أحزابًا أي طوائف حفر حول المدينة خندقًا في ستة أيام (وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي) أي أذن لي في الخروج للقتال ورآني بلغت (رواه ابن حبان في صحيحه،
وأصله في الصحيحين).
وفيه أن البلوغ بالسن محدد بتمام خمس عشرة سنة وهو مذهب الشافعي وجماعة.
وفيه أنه ينبغي للإِمام استعراض الجيش قبل الحرب فمن وجده أهلًا أجازه، أو غير أهل رده، والمراد كما قال شيخنا شيخ الإِسلام الشهاب بن حجر تبعًا للبيهقي وغيره بقوله وأنا ابن أربع عشرة -أي طعنت فيها- وبقوله وأنا ابن خمس عشرة سنة أي استكملتها لأن غزوة أحد كانت في شوال سنة ثلاث والخندق في جمادى سنة خمس وقيل في شوال سنة أربع فعلى ما قالوه بين الغزوتين سنتان لكن صحح النووي في شرح مسلم خلافه حيث قال: وفيه- أي في الحديث دليل على أن الخندق كان سنة أربع من الهجرة وهو الصحيح وقال جماعة من أهل السير والتواريخ كانت سنة خمس، وهذا الحديث يرد عليهم لأنهم أجمعوا على أن أحدًا كانت سنة ثلاث فيكون الخندق سنة أربع لأنه جعلها في هذا الحديث بعدها بسنة انتهى.
فأخذ بظاهر الحديث فلم يؤوله، والأولون أخذوا به مؤولًا وهو أقعد لما فيه من الجمع بين متنافيين ظاهرًا.
5/ 374 - (وعن عَطِيَّةَ القُرَظِيّ) نسبة إلى بني قريظة يهود المدينة رضي الله عنه قال العلماء لا نعرف له غير هذا الحديث ولا نعرف نسبه
(قال: عُرِضْنَا عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ) السبي من بني (قُرَيظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ) -بمعنى نبت شعر عانته- (قُتِلَ) كسائر الرجال لأن الإِنبات دليل لبلوغ الكافر كما سيأتي، (وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلهُ) أي لم يقتل (فَكُنْتُ ممن لَمْ يُنْبِتْ فَخلّي سَبِيلي، رواه أبو داود وغيره وصححه الترمذي وغيره).
وفيه أن إنبات العانة دليل للبلوغ في حق الكفار ومثلهم من جهل إسلامه، وشرط ذلك أن يكون الشعر خشنًا يحتاج إزالته إلى حلق، فعلم أنه ليس بلوغًا حقيقة ولهذا لو لم يحتلم وشهد عدلان بأن عمره دون خمس عشرة سنة لم يحكم ببلوغه بالإِنبات قاله الماوردي.
وقضيته أنه دليل البلوغ بالسن، وحكى ابن الرفعة فيه وجهين أحدهما: هذا وثانيهما أنه دليل للبلوغ بالاحتلام، قال الإِسنوي: ويتجه أنه دليل للبلوغ بأحدهما، قال الماوردي: وإنما يكون دليلًا في حق الخنثى إذا كان على فرجيه.
6/ 375 - (وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جده قَال: قَال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لا يَجُوزُ لامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ) -أي من مال زوجها- (إِلّا بِإذْنِ زَوْجِهَا، رواه أبو داود وغيره وصححه الحاكم).
وفيه أنه لا يجوز للمرأة أن تتصرف في مال زوجها إِلا بإذنه كالأجنبي بخلاف مالها، وأما رواية "لا يجوز للمرأة أمر في مالها إِذا ملك زوجها عصمتها" فمحمول على ما إِذا كانت تحت حجره، أو معناها: لا يجوز لها ذلك جوازًا مستوى الطرفين، والمراد بالإِذن في الحديث ما يشمل الصريح مطلقًا، والمفهوم من اطراد العرف فيما تعطيه الزوجة كإعطاء السائل كسرة مع العلم برضى الزوج به وعلى ذلك يحمل خبر الصحيحين "إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها وله مثله" ذكر ذلك النووي في شرح مسلم.