الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمُرَادَ: اسْتِحْبَابًا مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِمَنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا قَبْلَ إخْرَاجِهَا وَلَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ الْفَرْقُ.
(وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ نَحَرَ بَدَلُ مَا عَطِبَ مِنْ أُضْحِيَّةٍ أَوْ هَدْيٍ، أَوْ تَعَيَّبَ، أَوْ ضَلَّ وَنَحْوُهُ (اسْتِرْجَاعُ عَاطِبٍ وَمَعِيبٍ وَضَالٍّ وَجَدَهُ وَنَحْوُهُ) كَمَغْصُوبٍ قَدَرَ عَلَيْهِ (بَعْدَ ذَبْحِ بَدَلِهِ) وَقَوْلُهُ (إلَى مِلْكِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِرْجَاعٍ (بَلْ يَذْبَحُهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا أَهْدَتْ هَدْيَيْنِ فَأَضَلَّتْهُمَا فَبَعَثَ إلَيْهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ بِهَدْيَيْنِ فَنَحَرَتْهُمَا ثُمَّ عَادَ الضَّالَّانِ فَنَحَرَتْهُمَا وَقَالَتْ: هَذِهِ سُنَّةُ الْهَدْيِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؛ وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِمَا بِإِيجَابِهِمَا عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِذَبْحِ بَدَلِهِمَا.
(وَإِنْ غَصَبَ شَاةً فَذَبَحَهَا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ) مِنْ دَمِ فِدْيَةٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ نَذْرٍ وَنَحْوِهِ (لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ أَرْضَى مَالِكَهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً فِي ابْتِدَائِهِ، فَلَمْ يَصِرْ قُرْبَةً فِي أَثْنَائِهِ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهَا لِلْأَكْلِ، ثُمَّ نَوَاهَا لِلتَّقَرُّبِ.
(وَلَا يَبْرَأُ مِنْ الْهَدْيِ) الْوَاجِبِ عَلَيْهِ (إلَّا بِذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ) فِي وَقْتِهِ وَمَحِلِّهِ، إذْ الْمَقْصُودُ إرَاقَةُ الدَّمِ كَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
(وَيُبَاحُ لِلْفُقَرَاءِ الْأَخْذُ مِنْ الْهَدْيِ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ إلَيْهِمْ بِالْإِذْنِ كَقَوْلِهِ) أَيْ: الْمَالِك (مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ، أَوْ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ؛ لِأَنَّهُ) صلى الله عليه وسلم «نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ وَقَالَ مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ» وَقَالَ لِسَائِقِ الْبُدْنِ «اُصْبُغْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا وَاضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اكْتِفَاءِ الْفُقَرَاءِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا.
[فَصْلٌ سَوْقُ الْهَدْيِ مِنْ الْحِلِّ مَسْنُونٌ]
(فَصْلٌ سَوْقُ الْهَدْيِ مِنْ الْحِلِّ مَسْنُونٌ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ فَسَاقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِائَةَ بَدَنَةٍ وَكَانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ إلَى الْحَرَمِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ.
(وَلَا يَجِبُ) سَوْقُ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ (إلَّا بِالنَّذْرِ) لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَهُ) أَيْ: الْهَدْيَ (بِعَرَفَةَ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى هَدْيًا إلَّا مَا وَقَفَهُ بِعَرَفَةَ وَلَنَا أَنَّ الْمُرَادَ نَحْرُهُ وَنَفْعُ الْمَسَاكِينِ بِلَحْمِهِ وَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَلَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ دَلِيلٌ يُوجِبُهُ.
(وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَجْمَعَ فِيهِ) أَيْ: الْهَدْيِ (بَيْنَ
الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيُسَنُّ إشْعَارُ الْبُدْنِ) بِضَمِّ الْبَاءِ جَمْعُ بَدَنَةٍ (فَيَشُقُّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا) بِفَتْحِ السِّينِ (الْيُمْنَى أَوْ) يَشُقُّ (مَحَلَّهُ) أَيْ: السَّنَامِ (مِمَّا لَا سَنَامَ لَهُ مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ، حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ وَتُقَلَّدُ هِيَ) أَيْ: الْبُدْنُ.
(وَ) تُقَلَّدُ (بَقَرٌ، وَغَنَمٌ نَعْلًا، أَوْ آذَانَ الْقِرَبِ، أَوْ الْعُرَى) بِضَمِّ الْعَيْنِ جَمْعُ عُرْوَةٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ أَيْضًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دَعَا بِبُدْنِهِ، فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا بِيَدِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ لَا يُقَالُ: إنَّهُ إيلَامٌ؛ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَجَازَ كَالْكَيِّ وَالْوَسْمِ وَالْحِجَامَةِ وَفَائِدَتُهُ: أَنْ لَا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا، وَأَنْ يَتَوَقَّاهَا اللِّصَّ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّقْلِيدِ بِمُفْرَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحَلَّ، وَيَذْهَبَ.
(وَلَا يُسَنُّ إشْعَارُ الْغَنَمِ) ؛ لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ؛ وَلِأَنَّ صُوفَهَا وَشَعْرَهَا يَسْتُرُ مَوْضِعَ إشْعَارِهَا لَوْ أُشْعِرَتْ.
(وَإِذَا سَاقَ الْهَدْيَ) مِنْ (قَبْلِ الْمِيقَاتِ اُسْتُحِبَّ إشْعَارُهُ وَتَقْلِيدُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(وَإذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا، فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ شَاةٌ أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ سُبْعُ بَقَرَةٍ) كَالْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ الْمُطْلَقِ (فَإِنْ ذَبَحَ) مَنْ نَذَرَ هَدْيًا وَأَطْلَقَ (الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ، كَانَتْ كُلُّهَا وَاجِبَةً) لِتَعَيُّنِهَا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِذَبْحِهَا عَنْهُ.
(وَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ إنْ أَطْلَقَ) الْبَدَنَةَ لِمُسَاوَاتِهَا لَهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُطْلِقْ، بَلْ نَوَى مُعَيَّنًا مِنْ الْإِبِلِ (لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ) كَمَا لَوْ نَوَى كَوْنَهَا مِنْ الْبَقَرِ، وَكَمَا لَوْ عَيَّنَهُ بِاللَّفْظِ (فَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا بِنَذْرِهِ) بِأَنْ قَالَ: هَذَا هَدْيٌ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ هَذَا هَدْيًا وَنَحْوَهُ (أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا مِنْ حَيَوَانٍ) ، وَلَوْ مَعِيبًا وَغَيْرَ حَيَوَانٍ كَدَرَاهِمَ وَعَقَارٍ (وَغَيْرِهِمَا) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ لَمْ يُوجِبْ سِوَى هَذَا، فَأَجْزَأَهُ كَيْفَ كَانَ (وَالْأَفْضَلُ) كَوْنُ الْهَدْيِ (مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) لِفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم.
(وَإِنْ قَالَ إنْ لَبِسْت ثَوْبًا مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ، فَلَبِسَهُ أَهْدَاهُ) وُجُوبًا إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ لِوُجُودِ شَرْطِ النَّذْرِ (وَعَلَيْهِ إيصَالُهُ) أَيْ: الْهَدْيِ مُطْلَقًا (إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33] ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا، وَالْمَعْهُودُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ: بِالشَّرْعِ، كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ يَذْبَحُهُ بِالْحَرَمِ فَكَذَا يَكُونُ الْمَنْذُورُ.
(وَيَبِيعُ غَيْرَ الْمَنْقُولِ كَالْعَقَارِ، وَيَبْعَثُ ثَمَنَهُ إلَى الْحَرَمِ)
لِتَعَذُّرِ إهْدَائِهِ بِعَيْنِهِ، فَانْصَرَفَ إلَى بَدَلِهِ.
يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تُهْدِيَ دَارًا قَالَ: تَبِيعُهَا وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ.
وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ (ابْنُ عَقِيلٍ أَوْ يُقَوِّمُهُ) أَيْ: الْعَقَارَ (وَيَبْعَثُ الْقِيمَةَ) إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ الْقِيمَةُ الَّتِي هِيَ بَدَلُهُ، لَا نَفْسَ الْبَيْعِ (إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهُ) أَيْ: الْمَنْذُورَ (لِمَوْضِعٍ سِوَى الْحَرَمِ، فَيَلْزَمُهُ ذَبْحُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ (وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ عَلَى مَسَاكِينِهِ) أَيْ: مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (أَوْ إطْلَاقُهُ لَهُمْ) أَيْ: لِمَسَاكِينِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ) الَّذِي عَيَّنَهُ (بِهِ صَنَمٌ أَوْ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْكُفْرِ أَوْ الْمَعَاصِي كَبُيُوتِ النَّارِ وَالْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا، فَلَا يُوفِ بِهِ) أَيْ: بِنَذْرِهِ رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَذْبَحَ بِالْأَبْوَاءِ قَالَ: أَبِهَا صَنَمٌ قَالَ: لَا قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِك» .
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِهِ التَّطَوُّعِ، وَيُهْدِي وَيُهْدِي وَيَتَصَدَّقُ أَثْلَاثًا) وقَوْله تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 28] وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ مِنْ بُدْنِهِ.
وَقَالَ جَابِرٌ كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«كُلُوا وَتَزَوَّدُوا فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا: ثُلُثٌ لَك، وَثُلُثٌ لِأَهْلِك، وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينِ» قَالَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ أَيْ: الْمَأْكُولُ: الْيَسِيرُ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَأَكَلْنَا مِنْهَا، وَحَسَيْنَا مِنْ مَرَقِهَا» ؛ وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فَاسْتُحِبَّ الْأَكْلُ مِنْهُ (كَالْأُضْحِيَّةِ) وَلَهُ التَّزَوُّدُ وَالْأَكْلُ كَثِيرًا لِحَدِيثِ جَابِرٍ (فَإِنْ أَكَلَهَا) أَيْ: الذَّبِيحَةَ هَدْيًا تَطَوُّعًا (كُلَّهَا ضَمِنَ الْمَشْرُوعَ لِلصَّدَقَةِ مِنْهَا كَأُضْحِيَّةٍ) أَكَلَهَا كُلَّهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَيَأْتِي.
(وَإِنْ فَرَّقَ أَجْنَبِيٌّ