الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مِنْ الْفِرَارِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ) الثَّبَاتُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ الْعَطَبَ (كَمَا لَوْ ظَنُّوا الْهَلَاكَ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْفِرَارِ وَالثَّبَاتِ (فَ) يُسْتَحَبُّ الثَّبَاتُ وَأَنْ (يُقَاتِلُوا، وَلَا يَسْتَأْسِرُوا قَالَ) الْإِمَامُ (: أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَسْتَأْسِرُوا وَقَالَ: يُقَاتِلُ أَحَبُّ إلَيَّ الْأَسْرُ شَدِيدٌ وَلَا بُدَّ مِنْ الْمَوْتِ وَقَالَ: يُقَاتِلُ، وَلَوْ أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ، قَدْ لَا يَفُوا، وَإِنْ اسْتَأْسَرُوا جَازَ) .
قَالَ فِي الْبُلْغَةِ وَغَيْرِهَا: وَقَالَ عَمَّارٌ " " مَنْ اسْتَأْسَرَ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ " فَلِهَذَا قَالَ: الْآجُرِّيُّ: يَأْثَمُ، وَإِنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ (فَإِنْ جَاءَ الْعَدُوُّ بَلَدًا فَلِأَهْلِهِ التَّحَصُّنُ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحِصْنِ (أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِمْ، لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ أَوْ قُوَّةٌ) وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَوَلِّيًا وَلَا فِرَارًا إنَّمَا التَّوَلِّي بَعْدَ اللِّقَاءِ (وَإِنْ لَقُوهُمْ خَارِجَ الْحِصْنِ فَلَهُمْ التَّحَيُّزُ إلَى الْحِصْنِ) لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ أَوْ قُوَّةٌ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ أَوْ التَّحَيُّزِ لِفِئَةٍ.
(وَإِنْ غُزُوا فَذَهَبَتْ دَوَابُّهُمْ) لِشُرُودٍ أَوْ قَتْلٍ (فَلَيْسَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الْفِرَارِ) إذْ الْقِتَالُ مُمْكِنٌ بِدُونِهَا (وَإِنْ تَحَيَّزُوا إلَى جَبَلٍ لِيُقَاتِلُوا فِيهِ رَجَّالَةً جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ (وَإِنْ فَرُّوا) أَيْ: الْمُسْلِمُونَ (قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ إنْ أَحْرَزَهَا غَيْرُهُمْ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا لِمَنْ أَحْرَزَهَا.
(وَإِنْ قَالُوا) أَيْ: الْفَارُّونَ (إنَّهُمْ فَرُّوا مُتَحَرِّفِينَ لِلْقِتَالِ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ أَيْضًا) ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الْوَاقِعَةَ حَالَ تَقَضِّي الْحَرْبِ، وَالِاعْتِبَارُ بِهِ كَمَا يَأْتِي (وَإِنْ أُلْقِيَ فِي مَرْكَبِهِمْ) أَيْ: الْمُسْلِمِينَ (نَارٌ فَاشْتَعَلَتْ، فَعَلُوا مَا يَرَوْنَ فِيهِ السَّلَامَةَ) ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الرُّوحِ وَاجِبٌ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَالْيَقِينِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ فَهُنَا كَذَلِكَ (مِنْ الْمَقَامِ أَوْ الْوُقُوعِ فِي الْمَاءِ) لِيَتَخَلَّصُوا مِنْ النَّارِ (فَإِنْ شَكُّوا) فِي أَيِّهِمَا السَّلَامَةُ (فَعَلُوا مَا شَاءُوا) ؛ لِأَنَّهُمْ اُبْتُلُوا بِأَمْرَيْنِ، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (كَمَا لَوْ تَيَقَّنُوا الْهَلَاكَ فِيهِمَا، أَوْ ظَنُّوهُ ظَنًّا مُتَسَاوِيًا أَوْ ظَنُّوا السَّلَامَةَ) فِيهِمَا (ظَنًّا مُتَسَاوِيًا) قَالَ أَحْمَدُ: كَيْفَ شَاءَ صَنَعَ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هُمَا مَوْتَتَانِ فَاخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا انْتَهَى وَهُمْ مُلْجِئُونَ إلَى الْإِلْقَاءِ، فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ الْفِعْلُ بِوَجْهٍ، فَلَا يُقَالُ: أَلْقَوْا بِأَنْفُسِهِمْ إلَى التَّهْلُكَةِ.
[فَصْلٌ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ]
(فَصْلٌ، وَيَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ وَهُوَ كَبْسُهُمْ لَيْلًا، وَقَتْلُهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ) أَيْ: مَغْرُورُونَ.
(وَلَوْ قُتِلَ فِيهِ) أَيْ: فِي
التَّبْيِيتِ (مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ امْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَغَيْرِهِمَا) كَمَجْنُونٍ وَشَيْخٍ فَانٍ، إذَا لَمْ يُقْصَدُوا لِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ:«سَمِعْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ عَنْ دِيَارِ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؟ فَقَالَ: هُمْ مِنْهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَكَذَا قَتْلُهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (فِي مَطْمُورَةٍ إذَا لَمْ يَقْصِدْهُمْ) أَيْ: النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَنَحْوَهُمْ.
(وَ) يَجُوزُ أَيْضًا (رَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم «نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا وَنَصَبَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة؛ وَلِأَنَّ الرَّمْيَ بِهِ مُعْتَادٌ كَالسِّهَامِ، وَسَوَاءٌ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا.
(وَ) يَجُوزُ (قَطْعُ الْمِيَاهِ عَنْهُمْ وَ) قَطْعُ (السَّابِلَةِ) عَنْهُمْ (وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَتْلَ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّبْيِيتِ السَّابِقِ فِيهِ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إضْعَافُهُمْ وَإِرْهَابُهُمْ لِيُجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ.
(وَ) يَجُوزُ (الْإِغَارَةُ عَلَى عَلَّافِيهِمْ وَحَطَّابِيهِمْ وَنَحْوِهِ) أَيْ: نَحْوِ مَا ذُكِرَ مِمَّا فِيهِ إضْعَافٌ وَإِرْهَابٌ لَهُمْ.
(وَلَا يَجُوزُ إحْرَاقُ نَحْلِهِمْ) بِالْمُهْمَلَةِ (وَلَا تَغْرِيقُهُ) لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَوْصَى أَبَا هُرَيْرَةَ بِأَشْيَاءَ قَالَ: «إذَا غَزَوْت، فَلَا تُحَرِّقْ نَحْلًا، وَلَا تُغْرِقْهُ» وَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ نَحْوَهُ؛ وَلِأَنَّ قَتْلَهُ فَسَادٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا} [البقرة: 205] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو رُوحٍ فَلَمْ يَجُزْ إهْلَاكُهُ لِيَغِيظَهُمْ، كَنِسَائِهِمْ.
(وَيَجُوزُ أَخْذُ الْعَسَلِ وَأَكْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ (وَ) يَجُوزُ (أَخْذُ شَهْدِهِ كُلِّهِ، بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ لِلنَّحْلِ شَيْئًا فِيهِ) ؛ لِأَنَّ الشَّهْدَ مِنْ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ، وَهَلَاكُ النَّحْلِ بِأَخْذِ جَمِيعِهِ يَحْصُلُ ضِمْنًا غَيْرُ مَقْصُودٍ فَأَشْبَهَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ فِي الْبَيَاتِ (وَالْأَوْلَى أَنْ يَتْرُكَ لَهُ) أَيْ: لِلنَّحْلِ (شَيْئًا) مِنْ الشَّهْدِ لِيَبْقَى بِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ عَقْرُ دَوَابِّهِمْ، وَلَوْ شَاةً) لِنَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ صَبْرًا وَقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِي وَصِيَّتِهِ: " وَلَا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا دَابَّةً عَجْمَاءَ وَلَا شَاةً إلَّا لِمَأْكَلَةٍ "(أَوْ مِنْ دَوَابِّ قِتَالِهِمْ) ، فَلَا يَجُوزُ عَقْرُهَا لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا حَالَ قِتَالِهِمْ) ، فَيَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ،؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ إذْ قَتْلُ بَهَائِمِهِمْ مِمَّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ لِأَكْلٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ) فَيُبَاحُ قَتْلُهَا لِذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الصِّدِّيقِ " إلَّا لِمَأْكَلَةٍ "؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَالَ الْمَعْصُومِ
فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
(وَيُرَدُّ الْجِلْدُ فِي الْغَنِيمَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ، وَإِنْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى أَكْلِهِ وَكَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ كَالْخَيْلِ، لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ لِلْأَكْلِ (وَأَمَّا الَّذِي لَا يُرَادُ إلَّا لِلْأَكْلِ، كَالدَّجَاجِ وَالْحَمَامِ وَسَائِرِ الطُّيُورِ وَالصُّيُودِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّعَامِ) فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ.
(وَيَجُوزُ حَرْقُ شَجَرِهِمْ، وَزَرْعِهِمْ، وَقَطْعُهُ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إتْلَافِهِ لَوْ كَانَ) كَائِنٌ (لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (إلَّا بِهِ) كَاَلَّذِي يَقْرُبُ مِنْ حُصُونِهِمْ، وَيَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ، أَوْ يَسْتَتِرُونَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُحْتَاجُ إلَى قَطْعِهِ لِتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ (أَوْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ) أَيْ: حَرْقَ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ وَقَطْعَهُمَا (مِنَّا) أَيْ: مَعَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ (فَيُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ لِيَنْتَهُوا) عَنْهُ، وَيَنْزَجِرُوا.
(وَمَا تَضَرَّرَ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ) مِنْ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ (لِكَوْنِهِمْ يَنْتَفِعُونَ بِبَقَائِهِ لِعُلُوفَتِهِمْ، أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ، أَوْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ، أَوْ تَكُونُ الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدُوِّنَا) بِقَطْعِهِ (حَرُمَ قَطْعُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِنَا (وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا نَفْعَ لَهُمْ) بِهِ (سِوَى غَيْظِ الْكُفَّارِ وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ، فَيَجُوزُ إتْلَافُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} [الحشر: 5] الْآيَةَ وَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ
…
حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَة مُسْتَطِيرُ
» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَكَذَا يَجُوزُ رَمْيُهُمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (بِالنَّارِ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْعَقَارِبِ فِي كِفَّاتِ الْمَجَانِيقِ، وَيَجُوزُ تَدْخِينُهُمْ فِي الْمَطَامِيرِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِغَرَقِهِمْ، وَفَتْحُ حُصُونِهِمْ وَعَامِرِهِمْ) أَيْ: هَدْمِهَا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّبْيِيتِ (فَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ تَحْرِيقُهُمْ) لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْمُرُ بِتَحْرِيقِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالنَّارِ وَفَعَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِهِ.
(وَيَجُوزُ إتْلَافُ كُتُبِهِمْ الْمُبَدَّلَةِ) وَفِي الْمُنْتَهَى يَجِبُ (وَإِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهَا وَوَرَقِهَا) أَيْ:، فَيَجُوزُ إتْلَافُهَا تَبَعًا.
(وَإِذَا ظُفِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (بِهِمْ) أَيْ: بِأَهْلِ الْحَرْبِ (حَرُمَ قَتْلُ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ أَرِقَّاءَ
بِنَفْسِ السَّبْيِ، فَفِي قَتْلِهِمْ إتْلَافُ الْمَالِ فَإِنْ شُكَّ فِي بُلُوغِ الصَّبِيِّ عُوِّلَ عَلَى شَعْرِ الْعَانَةِ قَالَ فِي الْبُلْغَةِ.
(وَخُنْثَى) لِاحْتِمَالٍ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً (وَرَاهِبٌ، وَلَوْ خَالَطَ النَّاسَ) لِقَوْلِ عُمَرَ " سَتَمُرُّونَ عَلَى قَوْمٍ فِي صَوَامِعَ لَهُمْ، احْتَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا، فَدَعُوهُمْ حَتَّى يَبْعَثَهُمْ اللَّهُ عَلَى ضَلَالِهِمْ ".
(وَشَيْخٌ فَانٍ) ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم " نَهَى عَنْ قَتْلِهِ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190] بِقَوْلِهِ: " لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ "؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَنْ قَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ وَخَبَرُنَا خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ.
(وَزَمِنٌ وَأَعْمَى) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا نِكَايَةٌ فَأَشْبَهَا الشَّيْخَ الْفَانِيَ (وَفِي الْمُغْنِي) وَالشَّرْحِ (وَعَبْدٌ وَفَلَّاحٌ) لَا يُقَاتِلُ لِقَوْلِ " عُمَرَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلَّاحِينَ الَّذِينَ لَا يَنْصِبُونَ لَكُمْ الْحَرْبَ "؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ، أَشْبَهُوا الشُّيُوخَ وَالرُّهْبَانَ.
وَفِي الْإِرْشَادِ: وَحَبْرٌ (لَا رَأْيَ لَهُمْ) فَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ ذَا رَأْيٍ - وَخَصَّهُ فِي الشَّرْحِ بِالرِّجَالِ - وَفِيهِ شَيْءٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ - جَازَ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ شَيْخٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، لِأَجْلِ اسْتِعَانَتِهِمْ بِرَأْيِهِ فَلَمْ يُنْكِرْ صلى الله عليه وسلم قَتْلَهُ؛ وَلِأَنَّ الرَّأْيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعُونَةِ عَلَى الْحَرْبِ وَرُبَّمَا كَانَ أَبْلَغَ فِي الْقِتَالِ قَالَ الْمُتَنَبِّي:
الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ
…
هُوَ أَوَّلُ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي
فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسِ مَرَّةً
…
بَلَغَتْ مِنْ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ
وَلَرُبَّمَا طَعَنَ الْفَتَى أَقْرَانَهُ
…
بِالرَّأْيِ قَبْلَ تَطَاعُنِ الْفُرْسَانِ
(إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا) ، فَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «قَتَلَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً أَلْقَتْ رَحًى عَلَى مَحْمُودِ بْنِ سَلَمَةَ» .
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ هَذِهِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي، فَسَكَتَ» (أَوْ يُحَرِّضُوا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْقِتَالِ فَإِنْ حَرَّضَ أَحَدٌ مِنْهُمْ جَازَ قَتْلُهُ فَإِنَّ تَحْرِيضَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ أَبْلَغُ مِنْ مُبَاشَرَتِهِمْ الْقِتَالَ بِأَنْفُسِهِمْ.
(وَلَا يُقْتَلُ مَعْتُوهٌ) أَيْ: مُخْتَلُّ الْعَقْلِ (مِثْلُهُ لَا يُقَاتَلُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نِكَايَةَ فِيهِ أَشْبَهَ الصَّبِيَّ (وَيَأْتِي مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبُلُوغُ) فِي الْحَجْرِ (وَيُقْتَلُ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَلَ، كَالْإِجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ) ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ حَيًّا ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ،