الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولم يطل عمره بل مات دون الخمسين.
ولمّا عطش الحجّ حتّى أشرفوا على التّلف فأتوه فأنشد موشحة (يقول فيها)(608):
[مجزوء الكامل]
إسق (609) العطاشى تكرّما
…
فالعقل طاش من الظّما
فأمطروا حالا كأفواه القرب - رضي الله تعالى عنه -.
تتمّة ترجمة الشّيخ علي الكراي:
ولنرجع إلى الكلام على الشّيخ سيدي علي الكراي، يسمّى بذلك لأنّه كان يكثر تكرار القرآن العظيم، فأبدلت الرّاء ياء.
قدم أبوه ميمون (610) من المشرق، وتزوّج أمّ سيدي علي الكراي، ثمّ سار في سياحته، فربّته أمّه.
قيل إنه لمّا توفّي أبوه تزوّج أمّه سيدي علي بن أبي القاسم، وعليه كان ترقّيه في طريق القوم.
وأخذ الفقه بصفاقس عن الشّيخ الصّفّار ومشايخ الوقت بها، ثم انتقل إلى القيروان، فكان سيدي علي بن أبي القاسم يوصل إليه عشاءه من صفاقس كلّ ليلة، فنشأ في عبادة الله وخدمة العلم من صغره، وزاد في طاعة الله لمّا كبر سنّه، وفي كلّ يوم يزداد.
وكان محبوبا لفضله، مطلوبا لعدم مثله.
قال سيدي علي بن أبي القاسم: أخذ عليّ مائة ألف من الجنّ والأنس، أصغرهم علي، وأتقاهم علي.
وكان مهابا ويتكلّم على ما في القلوب، ويتكلّم مع أهل السّلوك، ويسلّم للمجذوبين أحوالهم / ويبيّن لهم طريقتهم، ويفرّق بينهم، ويعرف الواصل منهم.
وكان في بدايته الغالب عليه الانقباض، فلذا اختار الجولان، فاتّخذ بغيلة يركب
(608) ما بين القوسين ساقط من بقية الأصول.
(609)
في ط: «اسقوا» .
(610)
في بقية الأصول: «وهو ميمون» .
عليها، فلذا سمّي: أبا بغيلة، حتّى انبسط وصار في غاية الألفة والإرتياض، فانكبّ عليه المريدون كما هو شأن رجال الطريقة.
فقد كان الشّيخ سيدي محرز بن خلف في ابتداء أمره يسكن مرسى الرّوم لا يألفه إلاّ أصحابه، فلمّا سكن تونس إنبسط للفقراء وألفهم، وصار يلقى كلّ من يرد عليه من الزوّار في المواسم (611) بل يلقاهم قبل ورودهم عليه في كلّ وقت، وكثروا حتّى أنّ منهم من يصافحه ومنهم من لم يصل إليه، فيلمس أثوابه بيده (612) ويمسح بها على وجهه، وبلغ رتبة القطابة لأنّه سأله بعض تلامذته أن ينظر القطب فقال له الشّيخ: إمض ليلا قرب المسجد الأعظم بعد صلاة العشاء، وامكث حتّى يمرّ بك، ففعل التّلميذ ذلك فلمّا انقطعت الرّجل (613) إرتقب حتى طلع الفجر، فلم ير أحدا إلاّ رجلا يشبه أهل البادية، بيده رمح ومخلب، مشتمل بإحرام، وبرجله سبّاط (614)، ومتعمّم كأهل البادية، فخاف منه وهابه، فانصرف وصلّى الصّبح مع الشّيخ، فلمّا فرغوا من الوظيفة سأله الشّيخ: هل رأيت القطب؟ قال: ما رأيت إلاّ رجلا بصفة كذا وكذا، فقال له:
ذلك هو، ولكن إسمع ما أوصيك به: القطب يموت في اليوم الفلاني من شهر كذا، فما زال يعدّ السّنين والشّهور والأيّام إلى اليوم الّذي وقّت له (615) الشّيخ، فكان فيه وفاة الشّيخ، فتعيّن أنّه هو القطب، واجتمع / بالشّيخ سيدي أحمد بن عروس بصحن جامع الزيتونة من تونس، فسلّم كلّ على صاحبه، فأخرج الشّيخ إبن عروس ثديه الأيمن فرضعه حتّى روي، ثمّ ناوله الثّدي الثّاني فأباه وقال: إنه لأخي أبي (616) راوي، يقدم علينا - إن شاء الله - فحدّث الشّيخ إبن عروس بعض إخوانه فقال لهم: كانت نوبتي (617) البارحة بالمحلّ الفلاني، فباسطه وقال: من يشهد لك؟ فقال: هذا الشّيخ علي الكرّاي، فقال الشّيخ الكرّاي: لا علم لي بهذا، فقال إبن عروس: ألم تكن نوبتك أنت بجبل كذا؟ فقال له: صدقت قد كان ذلك.
(611) في ط: «المراسم» .
(612)
ساقطة من بقية الأصول.
(613)
في ب وط: «الرجال» .
(614)
أي حذاء.
(615)
في بقية الأصول: «وقت له فيه» .
(616)
هو غير بوراوي الفحل محمد بن عمران دفين سوسة لأنّه توفّي بعد إبن عروس بزمان (ت.931/ 1524 م).
(617)
في ش: «نومتي» .
وتوفّي الشّيخ إبن عروس سنة نيف وسبعين وثمانمائة (618).
وللشّيخ الكراي كرامات كثيرة في حياته وبعد وفاته، فمن ذلك أنّه طلب منه تلاميذه يوما دقيقا لقوتهم، فأرسل واحدا منهم وأمره أنّه إذا وصل لضريح الشّيخ سيدي طاهر (619) بشاطئ البحر وكان خارج السور في جهة الجنوب والشرق، وقد صار الآن داخل الربض بجوار الشّيخ النونشي، قال: فإذا وصلت وجدت على شاطئ البحر تربة بيضاء فاملأ منها وعاءك، ففعل التّلميذ ذلك، فلمّا رجع وفتحه وجده دقيقا من خالص الحنطة.
وأرسل تلميذا مرّة لجبل النّور، وهي كدية في الشّمال والشرق من الشّيخ اللّخمي فملأ من ترابه، فوجده من خالص دقيق الحنطة.
وكان يجتمع بالخضر عليه السلام (620) في سيدي عبّاس الجديدي، فدعا له ولذرّيته بالبركة.
ومنها أنّ بعض أهل الشّرّ من أهل صفاقس شهدوا / فيه أنّه زنديق وكانوا ثمانين رجلا، وطلبوا الشّيخ الخطيب أبا العبّاس سيدي أحمد الشّرفي أن يشهد معهم، فامتنع من ذلك وقال لهم: نشهد فيه أنّه رجل صالح لا تأخذه في الله لومة لائم، فدعا له الشيخ ولذرّيته بالبركة، ثمّ إنهم كتبوا شهادتهم وأرسلوها إلى السّلطان الحفصي، فلمّا فتح الكتاب وقرأ ما فيه وجد كلمة صدّيق في مكان زنديق، وتبيّن له أنّ كلامهم باطل، فأرسل من يأتيه بتلك الجماعة الذين شهدوا بالزّور، فأطلع الله الشّيخ عليه قبل وصوله، فركب بغيلته وتلقّاه بالكدية، إسم موضع قرب البلد، فلمّا رآه الرّسول عرّفه بصفته، فنزل عن فرسه إكراما للشّيخ وإجلالا له، فسأله عن سبب قدومه فعرّفه أنّه يطلب شهود الزّور ليحضروا بين يدي السّلطان، فقال له الشّيخ: أرجع من هنا فلا تروّع المسلمين، فقال: أخاف من السّلطان، فقال له: لا بأس عليك، فأنا أكتب للسّلطان وأعرّفه أنّي عفوت عنهم وسامحتهم وأتركهم لوجه الله، فامتثل الرّسول وأخذ كتاب الشّيخ وأخبر السّلطان بخبر الشّيخ، فعمل السّلطان بما أخبره به الشّيخ من العفو والصّفح، قيل لم يخلّف أحد من أولائك الشهود عقبا عقوبة من الله.
(618) يظهر أنه مقلّد لما قاله المناوي في طبقاته، أنظر: جامع كرامات الأولياء ليوسف النبهاني 1/ 536، وتوفّي الشّيخ إبن عروس سنة 868/ 1463 م، أنظر الحقيقة التّاريخية للتّصوّف الإسلامي ص: 273 - 274.
(619)
لعلّه سيدي الظّاهر وكان في المكان الذي يشير إليه. وقد انقرضت قبور هذا المكان.
(620)
ما بين القوسين ساقط من بقية الأصول.
ومن أكبر الكرامات ما وقع له عند إراده التّزوّج حسبما ذكره سيدي أبو الحسن الكراي رحمه الله، وذلك أنّه لمّا أراد التّزوّج ذكر له امرأة بكر صالحة بقرية قرقور، من وطن صفاقس الغربي قرب صفاقس، فخطبها من أبيها، وكان رئيس القرية ومن الصّالحين / واسم البنت سليمة، وله عدة أولاد أصحاب عزّة ونخوة، فخطبها من أبيها فأجابه، وأنكر الأولاد تعلّلا بفقره، فقال لهم: هو رجل صالح وأخاف إن امتنعت أن يتغيّر خاطره علينا، وأنا أعرف به منكم، ولكن نشترط عليه أمورا فإن وفى بها زوّجناه وإلاّ فلا، وهو يعتقد أنّه يوفّي وإنّما قاله تطييبا لقلوبهم، وتسكينا لحميتهم، فقبلوا كلامه فلمّا رجع الشّيخ وطلب العقد إشترط عليه مائة دينار، ومصوغا على جاري عادتهم، وبعيرا بجحفته، وخمس عشرة شاة، فقبل الشّيخ ذلك، ثمّ توجّه إلى أولياء الله تعالى في قبورهم ليمدّوه بما اشترط عليه، وجعل على كلّ وليّ شيئا، ويبيت عنده في ضريحه، ويصلّي ورده، ويجد ما طلبه صباحا، فأتى ضريح شيخ من المتقدّمين لم يشتهر باسم، غربي المحرس، قرب سيدي غريب، فطلب منه عشرة دنانير، وبات كعادته مع غيره، فلمّا صلّى الصّبح وجد خمسة عشر دينارا، فقال مخاطبا لصاحب القبر:
فيّضت يا أبا فياض، فسمع مخاطبا من داخل القبر يقول: أحييت إسمي أحيى الله إسمك، فانصرف لمشايخ الوطن الشّرقي كالشّيخ عبد الرّحيم الزّاهد، والشّيخ الجبنياني، والشّيخ مسرّة وغيرهم، والشّيخ مروان - نفعنا الله بهم وبأمثالهم - وكان ممّا شرط عليه خرصان وزبيبتان من الذّهب، فبات عند الشّيخ الجبنياني على عادته، فلمّا نام رأى الشّيخ أبا إسحاق فقال له: يا علي اقصد سحنون الفلاّح بقرية بليانة، وأمره يبحث / في الركن الفلاني من البيت الفلاني في حوشه (621)، فإنه يجد قدرا بالدّنانير وفيها خرصان وزبيبتان، فخذ الخرصين والزّبيبتين ودع الباقي له، فذهب لسحنون وعرّفه وكان بحضرة جماعة من قومه، فأنكروا أولا قوله، ثمّ رجعوا وذهبوا فحفروا فوجدوا (622)[ذلك]، فاعتذروا واعتقدوا، فأخذ ما عيّن له وانصرف متوجّها للشّيخ اللّخمي، فلمّا جاوز ضريح سيدي منصور الغلام ببرج (623) قزل سمع صوتا خلفه يناديه، فالتفت فرأى شخصا يسوق شياها (624)، فوقف حتّى قدم عليه، فإذا برجل أسمر اللّون عليه لباس أهل
(621) المنزل الرّيفي، وفي صفاقس صارت تعني خلال القرن التّاسع عشر السّاحة الواسعة التّابعة له.
(622)
ساقطة من ش وب، والزّيادة من ت وفي ط:«فوجدوها» .
(623)
على بعد 11 كلم شرقي صفاقس.
(624)
في بقية الأصول: «شاة» .
البادية، فسلّم عليه ثمّ قال: تجاوزتنا ولم تلتفت إلينا، فاعتذر له فعرّفه أنّه الشّيخ سيدي منصور الغلام، ففرح به، وقبل منه الخمس عشرة شاة، وشكره على ذلك، وودّعه وانصرف، فودّع الشاة وبات عند الشيخ اللّخمي، فرآه في النّوم وقال له: إذا صلّيت الصّبح سر لدار الغنم (625)، فالرّجل الذي يلاقيك تجد عنده جملا صفته كذا بجحفته فخذه منه، فهو حصّتنا من إخواننا، ففعل ما أمره به وانصرف لقرية قرقور فسلّم عليه أهلها، ولمّا سمعوا إخوة البنت بقدومه ومعه ما طلبوا لاموا أباهم ونازعوه، وقالوا: لا يأخذها (626) فقال لهم: لا أقدر أخالف فإنه رجل صالح، ولكن نشترط عليه شرطا آخر وهو أنّ ابنتي لا تنزل من جحفتها إذا وصلت باب (627) البلد، وكان قصيرا لا يمكن دخول (628) الجمل بجحفته عادة منه، فإذا لم يدخل (629) الجمل بجحفته بقيت بنتنا وذهب إلى حال سبيله / فاستصوبوا قوله وشرطوه على الشّيخ فقبله، فلمّا وصل الجمل إلى الباب وضع الشّيخ يده على عتبة الباب فارتفعت بإذن الله حتى جاوز الجمل الباب، فسلّم الأولاد وعلموا أنّها عناية من الله تعالى.
ورزق منها ثلاثة رجال: عمر وسعد وحسن.
وكانت له خابية يخزن بها قوت عياله فتكفيهم طول سنتهم، ويزرع منها، فخرج لسياحته على بغيلته فلمّا قدم قال لأولاده: ليقم أحدكم يأت بعلف البغيلة من الخابية، فقام سعد فرجع بالمخلات فارغة وقال: لم أجد بالخابية شيئا، فقام حسن فرجع مثله، فقام عمر فأتى بالعلف من الخابية، فقال له: أنت صاحب الزّاوية وعندك البركة، وهي في عقبك، فمات أخواه عن غير عقب إلاّ بنتا لأحدهما.
ومات الشّيخ رحمه الله ودفن بضريحه المشهور في وسط صفاقس بالجهة الغربية منها، ولم نقف على تعيين سنة وفاته، ويؤخذ تقريبها من وفاة الشّيخ إبن عروس كما أسلفنا ذلك.
وممّا وقع من كراماته بعد وفاته أنّ إبن نويرة كان خادما لقائد البلد، وكانت
(625) مكان قريب من صفاقس من جهتها الغربية على طريق عقارب.
(626)
أي أختهم.
(627)
للمدينة إذ ذاك بابان، باب الجبلي وباب البحر، والمقصود هو باب الجبلي شمال المدينة الذي كان يفتح على ساحة القوافل.
(628)
في بقية الأصول: «خروج» .
(629)
في بقية الأصول: «يخرج» .