الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ترجمة الشّيخ أبي إسحاق الجبنياني ومناقبه:
ومن أجل أعيان وطن صفاقس الشّيخ الصّالح الجليل أبو إسحاق إبراهيم (103) بن أحمد بن علي بن سلم (104) الجبنياني البكري / من بكر [بن](105) وائل من ربيعة، كان أبوه وجدّه (106) من اهل الخطط ومسجد إبن سالم وربعه بالقيروان مشهور، وكان جدّه علي بن سالم (104) من أهل العلم ومن أصحاب سحنون بن سعيد - رضي الله تعالى عنه - وهو ولد سحنون من الرّضاعة، أرضعته أمّ محمّد بن سحنون مع محمّد، ثمّ ولاّه سحنون قضاء صفاقس وسائر السّاحل فلم يكن يغمض عليه في أحكامه شيء.
فلمّا مات علي بن سالم (107) ولّى بنو الأغلب أبا العبّاس أحمد والد الشّيخ أبي إسحاق خراج إفريقية فتورّط معهم فيما هم بسبيله.
وكان من أهل الأدب والفهم، ثمّ ارتفع شأنه عندهم إلى أن صار في حدّ الوزارة والمشاورة، وكان إذا خرج إلى منازله خرج في عسكر كما يخرج الوزراء، وبين يديه وخلفه النّجائب.
وأبو إسحاق في ذلك غلام له معلّمان أحدهما يعلّمه القرآن والآخر يعلّمه العربية والشّعر في رفاهية من العيش. قال الشّيخ أبو القاسم اللبيدي - رحمه الله تعالى - وعليه أعتمد فيما أنقل من أمر هذا الشّيخ: ولقد عرّفني شيخ معمّر يعرفه في تلك الأيام أنّه رأى حوله خمسة عشر صقلبيا موكّلين بحفظه.
وسبب انقطاعه عن هذا الحال وزهده أنه كان إذا نزل والده بقرية جبنيانة في أيّام النّزهة (108)، يقيم بها الشّهر وأكثر منه.
وإلى جانب جبنيانة قرية يقال لها طرس أسباط بها شيخ معلم يعرف بابن عاصم وقد شهر بالعبادة والبكاء وإجابة الدعاء، وكان النّاس يتبرّكون بدعائه، وكان قد نفع
(103) له ترجمة في ترتيب المدارك 13/ 497 - 517، الدّيباج 1/ 264 - 265، رحلة التّجاني 80 - 81، شجرة النّور الزّكيّة 95، مناقب أبي إسحاق الجبنياني للبيدي ص: 2، جامع كرامات الأولياء للنبهاني 1/ 392، وفيه الحسباني وهو تحريف، الحلل السّندسيّة 1/ 323 - 324.
(104)
أنظر ص: 172 هامش 6.
(105)
إضافة من المناقب.
(106)
النّقل بتصرّف يسير ص: 12.
(107)
في الأصول: «سلم» .
(108)
في ش: «النزاهة» .
الله به خلقا كثيرا منهم علماء / ومتعبّدون، وكان أيّام إقامة أبي العبّاس، والد أبي إسحاق بجبنيانة، يوجّه بأبي إسحاق إليه يعلّمه ويقيم عنده يتعلّم فيتخلّف إليه غدوّا وعشيّا تبرّكا به، يفعل ذلك في كلّ سنة إلى أن بلغ أبو إسحاق الحلم، فدخل قلبه من الخير ممّا يسمع من إبن عاصم وما يعاين من فضله ما أزعجه عما كان فيه، فانخلع من الدّنيا ولبس عباءة وهرب، فطلب فلم يوجد.
قال الشّيخ أبو القاسم: عرّفني الشّيخ الجليل أبو الحسن علي بن محمّد الفقيه - يعني القابسي - عن أحمد بن عيشون البكّاء، وكان من خيار أصحاب أبي إسحاق، أن أبا إسحاق وجد بعد مدّة يعجن طينا بمدينة سوسة بأجرة، فقيل [له] إن أباك كثير الإجتهاد في طلبك، فقال: قولوا له: أكنت تظنّ أنّه يخرج من ظهرك من يطلب الحلال؟.
ولمّا هرب وقع عند رجل بناحية سوسة، فاستأجر نفسه عنده يرعى (109) له بقرا، فأتاه يوما بفأس، فقال: إقطع خشبة من هذه الشّجرة، فقال له الشّيخ أبو إسحاق:
ليست لك إنّما هي لأخيك، فقال له: صرت له ضدّا، إنما عليك أن تستمع ما آمرك به فتعمله، فقال له الشّيخ: بل عليّ أن أتّقي الله، فانصرف عنه فلحقه، وبذل له أجرته، فقال له الشّيخ: من أين تدفعها إلي، أنت لم تتورع عن قطع شجرة أخيك في غيبته، فمن أين تريد أن تدفع إلي؟ فذهب ولم يأخذ منه شيئا.
(وإذا استأجر نفسه لجمع الزيتون وبذلوا له أجره ردّ لهم بعضه خوفا أن يكون حصل منه تقصير في العمل)(110)، ثمّ وفّقه / الله لطلب العلم، فكان (111) لا يسمع بعالم إلاّ أتاه، فسمع منه وكتب عنه، ولا يسمع برجل صالح إلاّ أتاه وانتفع به، وذلك كلّه أيّام بني الأغلب، وأبوه معهم على حالته إلى أن زال بنو الأغلب، وطولب أبوه فيمن طولب، فأخذت أملاكه ومنازله ورباعه، ولم يبق له إلاّ بعض دور بمدينة صفاقس.
كلّ ذلك والشّيخ أبو إسحاق هارب من بلد إلى بلد مجدّ في طلب العلم والعبادة والزّهد في الدّنيا.
ثمّ حجّ في سنة أربع عشرة وثلاثمائة (112) وانصرف، فكان يبحث عن العلماء
(109) في ش: «يرعا» .
(110)
في المناقب عن أبي القاسم عن أبي بكر السّيوطي: «ربّما استأجرنا أنفسنا في جمع الزيتون، أنا وهو، إذا دفعت إلينا أجرتنا يحط منها ويقول: نخشى أنا لم نوف فكيف نستوفي» . ص: 6.
(111)
«فكان في تصرفاته وسياحته» ، المناقب ص:7.
(112)
926 م.
ويتبعهم ويكتب عنهم، وأخذ من عيسى بن مسكين الإجازة (113)، وكتب عن أبي بكر ابن اللباد، وأقام عنده مدّة وكان به معجبا.
ومدّة إقامته بالقيروان للسّماع عن إبن اللبّاد كانت عنده جرادق (114) من دقيق شعير يفطر كلّ ليلة على واحدة ويشرب من بئر روطة (115)، فلمّا فرغت جرادقه إنصرف ولم يشتر بالقيروان شيئا (116) ولا يشرب بها إلاّ من بئر روطة.
وكان أكثر دراسته بالسّاحل على أبي عبد الله محمّد بن سهلون الفقيه الزّاهد، صاحب أبي عبد الله محمّد بن عبدوس، وانتفع أيضا بصحبة محمّد بن عبد الرّحيم بن علي بن عبد ربّه، وكان من الحفّاظ.
وكان كثير الصّحبة لأبي يوسف بن مسلم بن يزيد بن ربيعة، وكان أبو يوسف من أهل العلم والفهم والعبادة والورع، وكان أبو يوسف هذا قد لقي جماعة من أصحاب سحنون، ولقي بمصر أصحاب الحارث بن مسكين، وكتب عنهم، ولقي بمكة / إبن الجارود النيسابوري (117) وإبن المنذر (118) والخزاعي (119) والجندي (120) والمغربي وغيرهم، وكتب عنهم، وأبو يوسف هذا أخوه مسرّة بن مسلم وهو أكبر منه، وهم أهل بيت وعلم وقرآن وعبادة، محمّد وأبو يوسف وأحمد ويزيد ومسرّة كلهم ممّن سمع العلم وتعبّد، وكان أكثر منفعتهم بابن عاصم الذي إنتفع به أبو إسحاق.
(113) في المناقب: «أجازه» .
(114)
جمع جردقة وهي خبز شعير ينضج في المنزل لا في الفرن، وخبز القمح يسمّونه مبسوط بالتّأنيث والتّذكير.
(115)
ما زالت موجودة إلى الآن بالقيروان في علو.
(116)
في المناقب: «شيئا يؤكل» . ص: 8.
(117)
في الأصول: «ابن الجارود والنيسابوري» والتّصويب من المناقب ص: 9، والنيسابوري هو عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري أبو محمد، المجاور بمكة، من حفاظ الحديث، ووفاته بمكة 307/ 920، له المنتقى في الحديث، وهو مطبوع (الإعلام 4/ 104).
(118)
محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري أبو بكر، فقيه مجتهد، من الحفاظ، كان شيخ الحرم بمكّة، قال الذهبي: إبن المنذر صاحب الكتب لم يصنف مثلها منها «المبسوط في الفقه» و «الأوسط في السنن» و «حد الإجماع والإختلاف» و «الإشراف على من أسب أهل العلم» و «تفسير القرآن» وغير ذلك، وتوفّي بمكة سنة 319/ 931 م (الإعلام 5/ 294 - 295).
(119)
لعله أبو القاسم أحمد بن علي الخزاعي الراوي عن الهيثم بن كليب عن الترمذي كما في برنامج الوادي آشي ص: 211، عند الكلام عن الشمائل للترمذي.
(120)
المفضل بن محمد بن إبراهيم الجندي الشعبي، أبو سعيد، مؤرخ يماني الأصل، كان محدث مكة وتوفي بها سنة 308/ 920 م من كتبه «فضائل المدينة وفضائل مكة» الإعلام 7/ 280.
وصحب أبو إسحاق غير هؤلاء فإنه قال: لقد أدركت هذا السّاحل وما منه قرية إلاّ بها رجل من أهل العلم أو من أهل القرآن أو رجل صالح يزار.
وعن عيسى بن ثابت قال: يقول أبو إسحاق: انصب شبكتك على هذا البحر، فلا بدّ أن يقع في يدك طائر فاره، يريد أن يقع في يدك رجل ينتفع به لكثرة من كان يرد الحصون من الصّالحين.
ولقد كان بقصر زياد المرابط من أصحاب سحنون أربعة عشر رجلا منهم ثابت بن سليمان وهو جليل في أصحاب سحنون.
قال يحيى بن عمر (121): إذا رأيت محمّد بن سحنون [يقول](122): حدّثني الثّقة عن سحنون، فهو ثابت بن سليمان.
وسكن يحيى بن زكرياء الأموي صاحب أبي مصعب (123) بقصر زياد، وكانوا يسمّون قصر زياد دار مالك لكثرة من كان به من أهل العلم ذلك الزمان، وكان قد سكنه أبو الحارث ليث بن محمّد، وحمدون بن مجاهد، ومحمّد بن الأنباري (124) نشر مصحفا يقرأ فيه فمات من خشية الله، وسكنه قبلهم عبد الرّحيم الزاهد، وعبد الرّحيم بن علي، وصام بقصر زياد سحنون خمسة عشر رمضانا (125)، وكان محمّد بن سحنون لا يكاد ينقطع عنه.
قال أحمد / بن حبيب (126) - وكان من أهل العلم - قال لي أبو إسحاق: أتدرس في هذا الوقت العلم؟ قلت: نعم! قال: فتجتمعون للمذاكرة؟ قال: قلت نعم! قال: إنما العلم بالمذاكرة، لقد كنّا نحن نجتمع، ولقد ألقينا المدوّنة في شهر، ندرس النّهار ونلقي بالليل، فما علمت أنّا نمنا في ذلك الشّهر، ثمّ قال لي: أي كتاب في أيديكم تدرسون؟ قلت: العتق الأوّل (127)، قال: فألقى علي من أوله، وسرد المسائل حتى كأنّ الكتاب
(121) في الأصول: «يحيى بن عمران» والتّصويب من المناقب ص: 10.
(122)
إضافة من المناقب يقتضيها السّياق.
(123)
أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زراة بن مصعب بن عبد الرّحمان بن عوف الزهري المالكي (ت. 242 بالمدينة) الدّيباج 1/ 140 - 141.
(124)
في ش: «الانبري» وفي ط وب «الانيري» وفي ت «الايزري» .
(125)
في الأصول والمناقب: «رمضان» .
(126)
في الأصول: «أحمد بن أبي حبيب» والتّصويب من المناقب ص: 11.
(127)
أي من المدونة.
في يده، فإذا ألقى علي مسألة وزاد فيها من غير المدوّنة وقفت ولم أدر ما أجاوبه، فيقول لي: أنت كرجل لا يعرف غير طريقة واحدة، فإذا عرضت له أخرى وقف.
وكان أبو إسحاق لا يفتي إلاّ أن يسمع من يتكلّم بما لا يجوز، فيردّ عليه أو يرى من يخطيء في صلاته.
قال الشّيخ أبو الحسن القابسي في أوّل سفرة سافر إليه: أوّل ما قربنا من جبنيانة دخل قلبي منه رعب وهيبة عظيمة وقلت لأصحابي: إني خشيت أن يجري على لسان هذا الشّيخ الجليل من أحوالنا ما يظهره الله للنّاس، فوجدناه غائبا، خرج ليصلّي على جنازة في إحدى القرى، قال: فلمّا جاء وقت الصّلاة وأذّن فما هو إلاّ أن وقع أذانه في أذني ما ملكت نفسي حتّى جلست إلى الأرض وسمعت أذانا ما سمعت مثله، ثمّ دخلنا المسجد فلا أسمع أحدا يتكلّم إلاّ أن سلّم سلاما خفيفا، قال: فلما صلّى انصرف فسلمنا عليه، فكان منه إقبال ودعاء.
وكان قبل دخولنا جبنيانة تكلّم منّا بعض أصحابنا فقال: أنا رجل من العرب، وقد خطب إلى ابنتي رجلان / من الموالي صالحان، فإن زوجتهما لم يطب على قلبي، وإن رددتهما خشيت أن لا أجد مثلهما، قال: فكان أوّل شيء سمعناه من الشّيخ لمّا أن جلس بعد الصّلاة قال: كان لسحنون بن سعيد صاحب من العرب، وكانت له بنت خطبها إليه رجل من الموالي، فالتمس خلوة من سحنون ليشاوره فلم يجد حتّى خرج إلى السّاحل فأخبره، فقال له [سحنون] زوّج من له دين ومروءة، ولو إنفلقت عنه بعرة، يعني كان غير معروف النّسب، ثمّ حوّل أبو إسحاق وجهه إلى صاحب البنتين فقال:
كذا قال سحنون، قال: فقلت له: قد أفتيت في مسألتك على لسان الجبنياني.
قال أبو الحسن: ثمّ سألته أن أذكر له إسمي فمتى ذكرني دعا لي، فقال لي: بل أدعو لك في جماعة المسلمين، فقلت له: بل تخصّني، فقال لي: أرأيت من أودع وديعة فضيّعها، أليس يضمن كما يضمن المتعدي؟ فقلت بلى، قال: فما دعا (128) الإنسان إلى شيء إن ضيعه صار كالمتعدي قال: فقلت له: فلا عليك أن أعرفك باسمي، فإن نشطت للدعاء لي دعوت وإلاّ تركت، قال: لا. ثمّ أخذ بيدي فرآني كئيبا إذ لم يقبل منّي ما سألته فيه، فقال: ما اسمك؟ فقلت له: علي، فقال لي: أبشر يا علي! أعلى الله قدرك في الدّنيا والآخرة، ثمّ لمّا قرّبت لي دابتي لأركب أخذ بركابي،
(128) في ش: «دعى» .
وكذلك شأنه أن يأخذ بركاب من فيه علم أو خير.
قال أحمد بن عيشون: قال أبو إسحاق يوما بعد صلاة الصّبح: يا أحمد، إني فكرت البارحة فيّ وفيك أن الناس يرون أنّا خير أهل هذه القرية، ونحن شرّها / فقم بنا نبكي على أنفسنا يوما من الدّهر، قال: فخرجنا إلى فحص منقطع نذكر ونبكي النهار كلّه حتّى ذهب بصري فلم يعد لي إلاّ بعد مدّة من الزّمن.
قال الشّيخ أبو محمّد بن أبي زيد إذا ذكر أبا إسحاق: طريق أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في هذا الوقت، وكان يعظّمه كثيرا ويقول: لو لم يكن أمر أويس القرني صحيحا فالجبنياني أويس هذه الأمّة، وكان أيضا يقول: لو فاخرنا بنو إسرائيل بعبّادهم لفاخرناهم بالجبنياني. وقال أيضا: من محبّتي فيه وذكري له أراه في المنام، ولقد قوى قلبي لمّا بلغني أنّه يدعو لي، وبلغني أنّه رأى جامع مختصر المدوّنة الذي ألفت فأعجبه.
وكان أبو إسحاق يرغب في طلب العلم وصحبة العلماء ويقول: وددت لو أنّي على أبواب العلماء أفترش خدي لطلبة العلم، ويقول للزّوار: أتتركون العلماء وتأتوني!
وكان متقلّلا في أكله ولبسه غاية (129) قال منصور إبن هانيء المعلّم: رأيته يوما مهموما فسلّمت عليه وقلت: ما بالك - أصلحك الله - مغموما؟ فقال: لأنّ المنكر على داري {إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ} (130) قلت له: المنكر؟ قال: أي والله، قلت: ما هو يرحمك الله؟ قال: قشور قرع ملقاة (131) على بابي رماها أهلي، يمشى عليها وفيها قوت، أيموت أحدكم جوعا ويجد قشر قرع يقتات بها؟ فلمّا صلّى جمع تلك القشور فطبخت (132) لقوته.
ويلبس الصّوف من موضع يعرف أهله، فلمّا تغيّرت الأمور صار يلبس من خرق المزابل يجمعها فيغسلها ويبطّن بعضها ببعض / فيجعل شيئا منها في وسطه وشيئا على ظهره ويخيطها بمسلّة من عظم غزال، ويأكل البقل البرّي والجراد إذا وجده، ويطحن الشّعير قوته بيده، ثمّ يعجنه (133) بنخّالته دقيقا في قدر مع ما يجد من بقل بري أو غيره حتّى إنّه ربّما رمى منه شيئا لكلب أو هرّ فلا يأكله، وربّما عوتب في ذلك، فيقول:
(129) في المناقب: «أشدّ الناس أخذا وتضييقا على نفسه ثمّ على أهله» ص: 19.
(130)
إقتباس من الآية 11 من سورة الرّعد.
(131)
في الأصول: «ملقى» .
(132)
في المناقب ص: 20 «طبخها» .
(133)
كذا في ش وت وط، وفي ب:«يطحنه» ، وفي المناقب:«يجعله» .
الرّقاد مع الكلاب على المزابل وأكل خبز الشعير بنخّالته كثير لمن يرجو في الآخرة شيئا، وكان قوته من شعير يتولاّه له رجل من إخوانه يحرثه في أرض حلال وبذر حلال وبقر حلال يوجّهه إلى أبي إسحاق شيئا فشيئا، فإذا أصاب فيما زرع أكثر من القوت تصدّق به.
وكان يتوطّأ (134) الرّمل، فإذا كان الشّتاء أخذ قفاف المعاصر الملقاة على المزابل يجعلها تحته.
وأعانه الله بأبناء صالحين، كان عنده سبعة من الولد: أبو بكر وأبو الطّاهر وأحمد وأبو عبد الله محمّد وأبو الحسن علي وأبو زيد عبد الرّحمان، وأبو محمّد عبد الله.
مات عبد الله (135) وهو دون الثّلاثين سنة، وكان رحمه الله أشدّ من الشّيخ إجتهادا في العبادة، قتله القرآن، كلّما مرّ بآية فيها وعد ووعيد يبكي حتّى أذاب الحزن فؤاده، فمات رحمه الله، لقّنه والده حتّى مات فأغمضه، ثمّ استرجع على المصيبة ودعا له، ثمّ قال لزوجته أمّ عبد الله، وكانت قريبة من الشّيخ في الفضل والعبادة: إحمدي الله (136) واشكريه فقد مات عبد الله على الإسلام وحصل في صحيفتك، فإن كان عندك طيب فتطيّبي وتجمّلي لنعم الله، ثمّ قام فتوضّأ / وأخرج مئزرا قديما عنده تجمّل به، وركع، ثمّ جلس للنّاس، وظهر عليه من البشر والفرح ما لم يكن يظهر عليه قبل ذلك.
وتوفّي عبد الرّحمان (137) بعد الشّيخ بثلاث سنين، كان يختم كل ليلة.
وكان الشّيخ أبو إسحاق يسرد الصوم ولا يفطر إلاّ في الأيّام التي لا يحلّ صومها (138) ويختم القرآن في ثلاثة أيام بلياليها لأنّه كان يقرأ ويتدبّر، وإذا دخل في الصّلاة فلو سقط البيت الذي هو فيه ما التفت إليه إقبالا على صلاته واشتغالا بمناجاة الله، وقام سنة في آية {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ} (139).
وقال أحمد بن عيشون لمّا حججت أتيت معي بحصيّات من حصى المسجد
(134) كذا بالمناقب ص: 21.
(135)
مات قبله أبو الحسن علي قبل أن يحتلم، المناقب 21.
(136)
ساقطة من ش.
(137)
توفي قبله أبو الحسن في حياة الشيخ أيضا، المناقب ص:22.
(138)
أو في مرض، المناقب.
(139)
سورة الصافات: 24.
الحرام فقلت للشّيخ أبي إسحاق الجبنياني: إني أتيت بحصيّات من حصى المسجد الحرام، أتحبّ أن أعطيك منها شيئا تسبّح به؟ فقال لي: إرم بهنّ يا أحمق فعلى أقل من هذا عبدت الحجارة، فبلغ ذلك الشّيخ أبي الحسن القابسي فأعجبه لقول مالك: فيمن يخرج شيئا من حصباء المسجد الحرام في نعليه فإن كان قريبا [منه] ردّه إليه وإن كان بعيدا رماها.
وقال الشّيخ أبو إسحاق: لا تعلّموا أولادكم إلاّ عند رجل حسن الدّين، فدين الصبي على دين معلّمه، ولقد عرفت أنّ معلّما كان يخفي القول بخلق القرآن، فلمّا فطن به ضرب فوقف بين يدي صبيان المكتب وقال لصبيانه: ما تقولون في القرآن؟ فقالوا: لا علم لنا، فقال: هو مخلوق، ولا تزولوا عن (140) هذا القول ولو قتلتم، ثمّ هرب عنهم فبلغني / أنّهم ماتوا كلّهم، وهم يعتقدون هذا القول. وبلغني عن معلّم عفيف رئي وهو حول الكعبة يدعو ويقول: اللهم أيّما غلام علّمته فاجعله من عبادك الصّالحين، فخرج على يديه نحو من سبعين، ما بين عالم ورجل صالح. فكم بين الرّجلين!
وقيل (141) للشّيخ لم سكنت جبنيانة؟ قال: رجاء أن يخمل (142) ذكري فيها لأنّي رأيتها من أقل القرى ذكرا.
وكان للشّيخ أخت إسمها عائشة، وهي سوداء، ولدها أبوه من جارية سوداء، فكانت أكبر من الشّيخ أبي إسحاق، وكانت من العابدات الزّاهدات، وكان يعظّم قدرها ويحقر نفسه عندها في العبادة، وكان أبو إسحاق إبن جارية، فكان إذا ازدحم عليه النّاس يقول: كانت أمّي - رحمها الله - خادما ثمنها كذا وكذا، يذكر ثمنا قليلا.
وكان الشّيخ أبو إسحاق يؤثر [أبا بكر](143) مسرّة في العلم لفضله، ويأمر بالسّماع منه ولده وغيره.
جاءه الشّيخ عطية الصفاقسي بموطّأ مالك، فسأل الشّيخ أبا إسحاق أن يسمعها
(140) كذا في المناقب ص: 25.
(141)
قالها إبنه أبو الطاهر، المناقب ص:26.
(142)
كذا في ط والمناقب، وفي ش:«يخل» .
(143)
مسرة بن مسلم بن ربيعة الحضرمي، من أهل العلم والعبادة (ت.393/ 1002 - 1003 م) ترتيب المدارك: 4/ 533 - 535 نقلا عن اللبيدي والمالكي، شجرة النّور الزّكيّة: 97، وهو قيرواني له رحلة إلى الشرق أخذ فيها عن جماعة من الأعلام.
له، فامتنع منه، وقال: أنا أدلّك على رجل صالح من أهل العلم تسمع منه، فلبس أبو إسحاق نعله وخرج بين يدي الشّيخ عطية، فتبعه حتى انتهى به إلى قرية عظيمة وكان مسرّة يومئذ بها، وهي قرية زوجته، فلمّا دنا أبو إسحاق منها قال: تلك دار الرّجل فاقرئه سلامي، وانصرف راجعا، قال عطية: فدخلت على أبي بكر مسرّة، فسلّمت عليه، وأقرأته سلام أبي إسحاق وأخبرته بما قال لي، فخرج مسرّة ليدركه ففاته / لأنّه كان إذا مشى أسرع حتّى لا يكاد يدرك إلاّ بالجري.
وكان أبو بكر مسرّة يجلّ أبا إسحاق ويعرف قدره أيضا فكان إذا ذكر أبا إسحاق بعد موته بكى بكاء شديدا ويقول: كان والله مقدّما علينا في صغره وكبره، مع أنّ أبا بكر مسرّة لم يترك من إجتهاده في العبادة، وكان من البكّائين على أنفسهم حتّى تستقرّ (144) الدّموع في موضع سجوده ويسقط من قيامه فيتهشّم وجهه، واجتمعا بقرية لبيدة (145) للصّلاة على جنازة سليمان بن يزيد بن أخي مسرّة، وكان صالحا، فقدم مسرة أبا إسحاق للصّلاة مع أنّ مسرّة وليّ الجنازة، فلمّا فرغا من الدّفن جرى بينهما حديث ودعاء ثمّ افترقا على دعاء، وتوادعا وتصافحا، فما اجتمعا بعدها حتّى مات أبو إسحاق، فأقام بعده مسرّة ثلاث سنين - رحمة الله عليهما -.
وقال أحد أولاد أبي إسحاق: ضاق بنا الحال فلم نجد قوتا، وكنت جمعت سمارا وعملت منه مصلية (146) بعتها بنصف درهم ثمّ عرضته عليه، فقال: حتّى أسأل أبا عبد الله بن سهلون، وبين صفاقس وابن سهلون نحو من يوم، فتوجّه إليه فسأله، قال:
ولطف الله بنا من بعده في شيء أكلناه، فرجع من عند إبن سهلون، وكشف عن الأرض التي جمع منها السمار، فوجدها غير طيّبة، فتصدّق بنصف الدّرهم، وكان إذا فرغ قوته يقول:
[البسيط]
مالي بلاد ولا استطرفت من نشب
…
ولا أؤمّل غير الله من أحد
إنّ القنوع بفضل الله يمنعني
…
من التّعرض للمنّانة النّكد /
إني لأكرم وجهي أن أعرّضه
…
عند السّؤال لغير الواحد الصّمد
(144) في الأصول: «يستقر» .
(145)
قال عنها الحميري: إنها قرية من قرى القيروان ص: 508، وذكرها التّجاني وعدّها من منازل صفاقس، ورسمها عنده «لبيدى» ، إذ قال:«كذا تحقّقتها وسمّاها الرّشاطي: «لبيدة» وينتسب إليها الفقيه الصالح عبد الرّحمان بن محمد الحضرمي اللبيدي». الرّحلة ص: 83.
(146)
ما يصلّى عليه، وهي المعروفة عندنا بالسّجادة.
وإذا هدأت العيون في جوف الليل يقول:
[الوافر]
إلى كم أنت في بحر الخطايا
…
تبارز من يراك ولا تراه
وسمتك سمت ذي ورع وزهد
…
وفعلك فعل متّبع هواه
أيا من بات مرتكب المعاصي
…
وعين الله شاهدة تراه
أتطمع أن تنال العفو ممن
…
عصيت وأنت لم تبلغ رضاه
فتب قبل الممات وقبل يوم
…
يلاقي العبد ما كسبت يداه
وكان بمرسى أنشلة شيخ يختلف إلى المنستير في كلّ عام، فإذا رجع مرّ بالجبنياني فيقول له: أخوك أبو الحسن الكانشى يقرئك السّلام، فيقول له أبو إسحاق: أنت في ثغر فأولى بك سدّ ثغرك، فلا تدعه وتمشي إلى المنستير، قال: فأتاه مرّة فقال له مثل ذلك، فقال له الرّجل: قد عرفت بما قلت لي أبا الحسن، فقال: قل لأبي إسحاق: انتهاني عن ذلك وأنت تعرف أنّ المنستير باب من أبواب الجنّة؟ فقال أبو إسحاق: قل له: يا أبا الحسن قد جاء في الخبر أن ما بين مصراعي باب الجنّة كما بين المشرق والمغرب (147)، فنحن إن شاء الله تعالى بين مصراعي الباب، ليس المنستير وحدها مخصوصة بذلك.
ومن خاصة إخوانه الذين يزورهم سيدي مروان، وهو الشّيخ الصّالح، كان يسكن بشريانة (148) إلى جانب سوق بدرنة، وكان مشتهرا بالعبادة فهلكت له إبنة، فصلّى عليها الشّيخ أبو إسحاق، فانصرف كلّ من بالسّوق إلى الصّلاة خلفه، وكان معه كبار الموضع وغيرهم (149) / ممّن على السّنّة (150)، فرفع الأمر إلى السلطان معد، واشتهرت عنده (151) المسألة، وقيل [له](152) إنه مطاع (153)، فأمر بالبريد فخرجت لتأتي به،
(147) جاء في الحديث: «إنّ ما بين مصراعين في الجنّة مسيرة أربعين سنة، ذكره السيوطي في الجامع الصّغير ورمز لحسنه وذكر أنّه أخرجه الإمام أحمد في المسند وأبو يعلى في مسنده عن أبي سعيد الخدري» (أنظر فيض القدير للمناوي 2/ 519).
(148)
بكسر الشين المعجمة وسكون الراء المهملة وفتح النون، من قرى صفاقس من الناحية الشرقية.
(149)
في الأصول: «وغيره» .
(150)
في المناقب: «الإسلام» . ص: 36.
(151)
كذا في ش والمناقب، وفي ت:«عنه» .
(152)
إضافة من المناقب ص: 36.
(153)
كذا في ش والمناقب، وفي ت:«استغاض» .
فسمع وزراؤه بذلك، فأتوا حفاة مشاة يقولون: إنّا تحت (154) الهلاك ما ظنّك برجل مجاب الدعوة، منقطع عن الدّنيا وأهلها؟ فوجّه بردّ البريد، ثمّ أرسل شيخا من كتامة معه سبعة في زي نسّاك ليحبسوا اخوانه (155)، فنزلوا في زي زوّار عند الشّيخ عيشون بن يزيد، وكان من الفضلاء، القوّام الصوّام ويطعم الطعام. فاختفى الشّيخ الكتامي في المسجد خلف حصير كان في مؤخّره، فلمّا جاء الشّيخ أبو إسحاق أذّن بالمغرب وأقام وصلّى، فخرج الكتامي من وراء الحصير فقال للشّيخ: يا منافق على مولاي ألا تؤذّن حيّ على خير العمل ولا (156) تقرأ باسم الله الرّحمان الرّحيم، ولا تسلّم على النّاحيتين، ما لمولانا عدوّ مثلك، فدعا عليه وقال: اللهم اجعله آية للعالمين، فطارت عيناه، فما خرج إلاّ بقائد وهو يقول: الموت الموت مع هذا الشّيخ، لا تقربوه، فانصرف هو وأصحابه إلى معد فارتاع وقال لوزرائه: ألم تروا كيف بدر منه فينا بادر!
ووقف عليه رجل فقال للشّيخ: عندي دعاء إبراهيم عليه السلام الذي دعا به حين ألقي في النّار، ودعاء يونس عليه السلام حين التقمه الحوت، فقال له الشّيخ: إذا كنت تدعو بدعاء الأنبياء وتفعل فعل الفراعنة فمن تخادع؟
وكان رجل بالسّاحل يقال له نصير / صاحب خبر السّلطان، وكان مارقا معلنا، فمرّ بالشّيخ وهو يؤذّن، وهو راكب على فرس، فقال للشّيخ: يا منافق كم تضل النّاس وتصدّهم عن دعوة مولانا، فلمّا قضى الشّيخ أذانه قال له: أذلّك الله يا فاسق عاجلا على يدي من اعتززت به، فبعث السّلطان إليه بعد ثلاث في أمر نقم (157) عليه، فضرب خمسمائة سوط وصلب حيّا، (فكان بعد ذلك يقول: دواء مجرّب، من أحبّ أن يضرب خمسمائة [سوط](158) ويصلب حيّا فليسبّ (159) الجبنياني) (160).
ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق الشّيخ عيسى بن ثابت.
(154) في المناقب: «أنّا نخشى الهلاك» .
(155)
في بعض نسخ المناقب: «أحواله» .
(156)
كذا بالأصول، والمناقب ص: 36، والشيعة الإسماعيلية يقرؤونها في الصّلاة، وجرت مناظرات وخلاف في ذلك بينهم وبين المالكية.
(157)
في بعض نسخ المناقب: «يقيمه» ، هامش ص:40.
(158)
إضافة من المناقب.
(159)
في ش: «فيسب» .
(160)
ما بين القوسين ساقط من ت.
قال الشّيخ أبو القاسم اللبيدي (161): بتّ ليلة عنده فسمعته وقد طلع إلى فراشه وهو يبكي، وزوجته تعذله (162) وتقول له: تبكي تصلّي، وتبكي تمشي (163) وتبكي في فراشك أيضا، فقال لها: ولم لا أبكي؟ والله لا بكى أحد على ذنوبي غيري أبدا، ثمّ غلبته العبرة، فترك النّوم وأحيى ليلته.
وكان مجاب الدّعوة، واجتمع بالشّيخ [أبي] محمّد بن أبي زيد فجرى (164) بينهما بكاء شديد وذكر، فلمّا أراد فراقه قال له عيسى: أحبّ أن أكتب إسمي في البساط الذي تحتك، فإذا رأيته دعوت لي، فبكى أبو محمّد وقال: قال الله تعالى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ} (165) فهذه دعوتي لك، فأين عمل صالح يرفعه؟ وكذا إجتمع بأبي الحسن القابسي، فتذاكرا وبكيا حتّى سقط كلّ واحد منهما على ظهره، فما اجتمعا بعدها.
وجعل (166) على نفسه بعد موت أبي إسحاق / أن لا يمرّ بناحية جبنيانة وما قاربها إلاّ زار قبره (167)، قال: فزرته يوم الجمعة فدعوت له، ثمّ عرض لي أمر يوم السّبت فمررت بالموضع فلم أزره وقلت: بالأمس كنت عنده، قال: فنمت فرأيته في المنام، فقال لي: يا أبا موسى: ما أقلّ الوفاء، تمرّ قريبا من قبري فلا تقف عليه، وتقول قد زرته بالأمس! فلم يترك زيارته حتّى مات.
وكان الشّيخ عيسى هذا رحمه الله كثير قيام الليل ولا ينام إلاّ قليلا، وربّما غلبته الخشية، فسقط على (168) الأرض على وجهه من قيامه للصلاة فيخدش وجهه.
وكان أكثر أصحاب الشّيخ أبي إسحاق فضلاء أجلاّء. فمن أصحابه أبو جعفر أحمد بن عيشون البكّاء، كان بكى حتّى ذهبت أشفار عينيه واتخذ الدّمع في خدّيه أخدودا، وكان كثيرا ما يسكن بقصر زياد، فيسكن في بيت في جوف المسجد، فيغلق
(161) المناقب ص: 41.
(162)
في الأصول: «تعزله» .
(163)
في المناقب: «كم تبكي، تصلي وتبكي، وتمشي وتبكي. . .» .
(164)
في ش، وت:«فجرا» .
(165)
سورة فاطر: 10.
(166)
أي عيسى بن ثابت.
(167)
مقام أبي إسحاق حيث قبره مشهور في هذه البلدة، ومزار أهل هذه المنطقة وغيرها إلى اليوم.
(168)
في الأصول والمناقب ص: 42: «في» .
باب المسجد وباب البيت إرادة أن لا يسمع قراءته أحد، وكان حزين القراءة إذا قرأ ترك أهل الأحزاب أحزابهم وبكوا لبكائه، حتّى تصير كأنّها مناحة.
ومن خيار الشّيخ أبي إسحاق عيشون بن يزيد، وأبو بكر بن داوود، كان عيشون كثير التلاوة والخشية وإطعام الطّعام وإحياء الليل والنّاس نيام، مجاب الدّعوة.
قال عيشون رحمه الله خرج زيان الصقلي من المهدية ومعه ثلاثمائة فارس حتى وصل جبنيانة، وافترقت خيله في تلك المنازل حولها، وجاء إلى مسجد الشّيخ وأمرهم أن يفرشوا له في ظله فنام في صحن المسجد، فذبحنا له ولرجاله / أرخة (169) وغنما، ثمّ دخلنا على الشّيخ وقلنا له: هذا الظّالم في مسجدك، فقال: أظننتم أنّي أترك الصلاة في المسجد؟ فلمّا كان وقت الصّلاة خرج، وكان يبتدئ الأذان من باب داره، فلا يصل إلى المسجد حتّى يتمّ الأذان، فكان كلّ من يسمع الأذان تدخل قلبه خشية عظيمة، فلمّا سمع زيّان أذانه جلس متّكئا على يديه، فلمّا فرغ الشّيخ أذانه دخل المسجد، فركع ثمّ جاء إلى زيان فجعل يديه على كتفي زيان وقال له: يا ظالم يا غلام الظالم، توضّأ وصلّ، فقال زيّان: نعم! ودخل أبو إسحاق المسجد، فأمرهم زيان أن يشدوا له على دابته، وركب بلا عمامة ولا خف ولا سراويل، وقال لخيله: والله لا أقام واحد منكم في هذا المنزل، فقال له رجاله: نفعل بهذا ونصنع، فقال لهم: اسكتوا فو الله لولا أنّه رفع يديه عن كتفي ما غرقت إلاّ في الأرض، وكان زيان طويلا سمينا.
قال الشّيخ أبو القاسم (170): دخلت على الشّيخ عيشون قبل موته بأيّام يسيرة، وهو مريض، وحبل معلّق من السّقف عند رأسه، فسألت إبنه إبراهيم عن الحبل، فقال: يتعلّق به بالليل ويصلّي.
وكان قلّما ينزع ثوبه للنوم ولا ينام إلا مغلوبا.
وكان يكثر من قول: لا يأتي بالخير إلاّ الله، لا يذهب السّوء إلاّ الله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، لا يكاد يزول ذلك من لسانه.
قالت زوجته: ما نام معي على فراش قط، فإذا كان منه ما يكون من الرّجال مع نسائهم إغتسل وأحيى ليلته.
(169) كذا في المناقب، والأرخة هي العجلة الصغيرة في اللهجة الدارجة.
(170)
اللبيدي في المناقب ص: 43.
ولمّا أيقن بالموت / قال: أخرجوني إلى المكان الذي أجيبت فيه دعوتي أدعو فيه، وذكر أنّ النّاس كانوا يأتمنونه فأودعوه حليا ومتاعا فعمل اللصوص على قصره فأتوا بالشّموع والسلالم وطلعوا ففتحوا باب القصر فخلصوا ما في القصر، ولمّا نزلوا قطعوا علي صلاتي وقالوا: هات ما كان عندك من وداعة. فقلت: ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، لا يأتي بالخير إلاّ الله، لا يذهب السّوء إلاّ الله، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فنزعوا ثيابي وتركوني في مئزر، وقالوا: يخرج من كلّ طائفة رجل يقتلونه في مرّة، فوقف ستّة نفر في ناحية، وستّة من ناحية ورفعوا سيوفهم ليقتلونني، فلمّا أيقنت بالهلاك رفعت رأسي تحت ظلال السّيوف إلى السّماء، فقلت: يا غياث المستغيثين أغثني، فوقعوا على ظهورهم وطارت سيوفهم من أيديهم، ونظرت إلى نفسي قائما في أعلى القصر لا أدري والله كيف رفعت وخرجوا هاربين.
ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق محمد بن يزيد أخي مسرّة بن مسلم، فكان من الصّالحين المجتهدين في الدّعاء الشاكرين، كان يخفي الذّكر. وكان الشّيخ أبي زيد يوجّه إليه بالدعاء لما ثبت عنده من فضله، وكذا الشّيخ القابسي.
وكان نبت في ساق الشّيخ أبي إسحاق نبت، فقال له محمّد بن يزيد: داوه رحمك الله حتّى يطيب. فقال له: بماذا؟ فقال: بأغثاء البقر يسخن مع الزّيت ويلصق به يطيب، قال أبو إسحاق: هل عندك من بقر؟ فقال: لا. قال: هل تعلم بقرا أصله من حلال؟ قال له: / عند علي بن عيشون، قال: قد مات وترك ورثة فيهم (171) أطفال من لنا بهذا.
ومات محمّد بن يزيد هذا في السّجود، قرأ سورة «ق» وسجد، فقبض في السّجود وهو من أهل قرية لبيدة، حضر جنازته قوم برؤيا رآها رجل صالح، نام بعد صلاة الفجر يوم موته قال: رأيت سليم بن عزوز كان رجلا استشهد بقتله ظلما وكأنّه راكب فرس، فقلت له: أين تريد؟ فقال لي: نحن جماعة الشّهداء مع عمر بن عبد العزيز، أذن لنا في حضور جنازة الرّجل الصّالح محمّد بن يزيد، يدفن اليوم بعد صلاة الظّهر بقرية لبيدة، فقال جيرانه: فلمّا أخبرنا بالرّؤيا قلنا له: نمضي، فإن كان حيّا زرناه وإن صدقت رؤياك صلّينا عليه، فأدركوا الصّلاة عليه وموضعهم بعيد.
ولم يخلّف محمّد بن يزيد إلاّ ثيابه الّتي كان يلبسها، فكفّن فيها، وصلّى عليه
(171) في ش: «فهم» ، وبقية الأصول تتّفق مع المناقب.
الشّيخ الجليل أبو حفص عمر بن مثنى (172) وكان من العلماء بالقرآن (173)، يجيد (174) رواية ورش وكان مقداما في الإعراب ومعرفة النّاسخ والمنسوخ والخاص والعام، والأحكام والتّفسير والعربية والحساب، والفرائض والفقه، وكان منقطعا في العبادة، كان أبو محمّد الصدفي يقول: ما رأيت في إفريقية (175) أعلم منه، لزم بعد وفاة مسرّة بن مسلم سكنى قصر زياد، يؤم فيه ويطلب النّاس عليه.
وكان ضحكه التّبسّم ولا يتكلّم فيما لا يعنيه، إنما يجلس لقراءة القرآن أو لمذاكرة في علم أو لانتظار الصّلاة أو للذّكر، وكان من أعلم النّاس بالوثائق والشروط والبلاغة في التّرسّل، وكان من جلّة أصحاب عيسى بن مسكين، / مات وتركه صغيرا، فربّاه الشّيخ الجليل الفاضل أبو الحارث ليث بن محمّد بن صفوان، وكان ليث هذا من الفقهاء، وكان منقطعا في الزّهادة والإنزواء عن النّاس متبتّلا بقصر زياد، فإذا كثر النّاس عليه هرب.
ومن أصحاب عمر بن مثنى حمدون بن مجاهد، قال عمر بن مثنى: إذا انصرف حمدون بن مجاهد من المحراب وجد موضع سجوده مبتلاّ بدموعه، ولقد صلّى بنا القيام ليلة سبع (176) وعشرين من رمضان فبكى وأبكى، وتاب في تلك الليلة على يديه ممّن شرب (177) المسكر ومن غير ذلك نحو من سبعين رجلا.
وكان حمدون مشتهرا بالعلم. روى عنه أهل مصر وأهل المغرب ولا يكتب إلاّ ما يفهم، ويعجم كل مشكل. قال مسرّة بن مسلم: قال لي حمدون: كتبت بيدي ثلاثة آلاف كتاب ونيفا، ولعلّ الكتاب الذي أدخل به الجنّة ما كتبته بعد، وكان يحب نشر العلم وإذاعته.
وكان أبو حفص عمر بن مثنى من خاصة أبي إسحاق الجبنياني، وكان ينبسط معه ما لا ينبسط مع غيره، فقال للشّيخ يوما: إلى جانبي قوم يقال لهم بنو قراضة يتشيّعون ولا يسبّون أحدا، ولا يخالفون في صلاة ولا زكاة ولا صيام، فما ترى في السّلام عليهم
(172) له ترجمة في ترتيب المدارك 4/ 627.
(173)
في المناقب: «بالقراءة» .
(174)
في الأصول وبعض نسخ المناقب: «يجود» .
(175)
في المناقب: «في خارج إفريقية» ، ص:45.
(176)
في الأصول: «سبعة» .
(177)
في المناقب: «يشرب» ، ص:46.
ومخالطتهم، فقال له الشّيخ أبو إسحاق: سلهم من أفضل: أبو بكر وعمر أو علي؟ فقال: يقولون عليّا أفضل، فقال الشّيخ: لا توادهم ولا تسلّم عليهم ولا تناكحهم، فإنّ من فضّل عليّا على أبي بكر وعمر فقد أزرى باثني عشر ألف صحابي صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّه صلى الله عليه وسلم مات وبالمدينة وما حولها ممّن آمن به وصحبه / نحو إثني عشر ألف، كلّهم إتفقوا على ولاية أبي بكر وعمر وتفضيلهما - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -، فمن أزرى بواحد منهم هلك، فكيف بمن خالفهم وأزرى بهم أجمعين؟ والصّحابة - رضي الله تعالى عنهم - لا يجتمعون على ضلالة، فمن نسب إليهم أو إلى أحد منهم ظلما أو ضلالا فهو الظّالم المضلّ، وهم الهداة الأئمّة الرّاشدون.
وقال أبو حفص عمر بن مثنى: كلّ من أدركت بهذا السّاحل من عالم أو عابد كان يستتر وينزوي بدينه من بني عبيد إلاّ أبا إسحاق، فإنّه بائن، ووثق بالله، فلم يسلّمه، ومسك به قلوب المؤمنين، وأعزّ به الدّين وهيّبه في عيون المارقين.
وأخبر أبو حفص عمر بن مثنى عن محمّد بن عبد الرّحيم بن علي بن أخي عبد الرّحيم إبن عبد ربّه الزّاهد أن محمّد بن سحنون أتى بعد موت سحنون هو وأصحابه زائرين إلى عبد الرّحيم بن عبد ربّه الزّاهد، فسلّم عليه، فردّ عليه السلام، وتركه جالسا حيث بلغ به المجلس ولم يقبل عليه حتّى انصرف، فلمّا كانت الجمعة الآتية إستنهض إبن سحنون أصحابه في الرّجوع إلى عبد الرّحيم، فقالوا له: رأيناه لم يقبل عليك، فقال لهم: ليس هذه بغيتي، هو رجل صالح ترجى بركته وبركة دعائه، وقد كان سحنون يأتيه ويتبرك بدعائه ويلجأ إليه في المهمّات من الأمور، فعاد إبن سحنون وأصحابه إلى عبد الرّحيم فلمّا رآه قام له على رجليه وأجلسه في موضعه، ولم يزل مقبلا عليه حتّى انصرف. فرجع إليه بعض أصحاب إبن سحنون فقال له: أصلحك الله رأينا فيك عجبا، فقال له: وما هو / يا ابن أخي؟ قال: أتاك إبن سحنون تلك الجمعة، فلم تقبل عليه، ثمّ أتاك اليوم فأقبلت عليه. فقال عبد الرّحيم: والله ما أردت بذلك إلاّ وجه الله، رأيت إجتماع النّاس حوله فخفت عليه الفتنة، فعملت ما عملت لأحزنه، فرأيت الليلة المقبلة قائلا يقول لي: ما لك لم تقبل على إبن سحنون وهو ممّن يخشى الله؟ فكان منّي ما رأيت.
ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق الشّيخ أبو زكرياء يحيى، ويعرف بابن المزيدي كان في سبيله، فكتب في جملة البحريين. فرفع إلى المهدية. فوجّه إلى الشّيخ أبي إسحاق وعرّفه أنّ الوقت وقت إستعانة، وتعرّف إلى أين يذهبون، قال: فوصلوا بي عند
الغروب وأدخلت دار الصّناعة فوجدت بها خلقا كثيرا، كلّهم على المعاصي والفسوق لا يذكرون الله إلاّ قليلا، فانزويت خلف مركب فصلّيت سرّا لأنّي ما رأيت أحدا منهم يتوضّأ ولا يصلّي، فبقيت إلى الغد ضحى، فنودي بي، فقال لي صاحب الصّناعة:
أنت صاحب الجبنياني؟ قلت له: نعم. قال: إنصرف وها أنا محوت إسمك من الدّفتر، قلت: من سأل في؟ قال: أتاني رجل راكب على فرس له هيبة، سألني فيك، والله ما رأيته قبلها، ولا أعرف من هو، قال: فمضيت فأتيت أهلي ليلا، فسألت إبني متى مضيت إلى أبي إسحاق، فعرفني أنّه ضحوة في حين أطلعت من الصنعة، فقلت لابني: كيف كان دعاؤه؟ قال: لما أخبرته توضّأ وقام يصلّي، وقد أغلق على نفسه باب المسجد، وكنت أسمعه وهو يبكي / ويقول: اللهم، السّاعة السّاعة فكّ أسره وأنقذه من يد عدوه، ولا تجعل لهم عليه سبيلا ونحو هذا من الدعاء، قال: فأتيت الشّيخ وأخبرته، فقال: احمد الله فأنت مضطرّ وقد أجيبت دعوتك، ولكن أعرف كيف تستقبل نعمة ربّك، فاعتزل أبو زكرياء هذا ولزم العبادة بمرسى اللوزة، وكان يسرد الصّوم ويصيد بيده من البحر لقوته ويتصدّق منه حتّى جرت له قصّة في آخر عمره فكتمها، وهي: أن سلاّبة نزلوا عليه في مرسى اللوزة بشماع (178) ففتحوا الباب، ثمّ قسموا بيوت المرابطين فانتهبوا ما كان فيها حتّى أتوا إلى بيت أبي زكرياء، فوجدوه قائما في الصّلاة وسراجه يوقد، وهو يصلّي، فقطعوا صلاته وقالوا له: هات ما عندك من الودائع وإلاّ عذّبناك، فقال:
إتّقوا الله ولا يغرّنّكم حلمه فيكم، ولا تتّبعوا الشّيطان، فقال بعضهم لبعض: هذا لا يجيئكم منه شيء إلاّ بالعذاب، قال: فجاءوا إليّ بخيط قنب (179) ورفعوا مئزري ليلقوه في أنثيني (180) فلمّا رأيت البلاء قد نزل رفعت عيني إلى السّماء وأنا أبكي وأتضرّع فقلت: إلا هي، ما هذا ظنّي بك، أعبدك لا أشرك بك شيئا تسعين سنة، فتهتك ستري وتفضحني في آخر عمري، لا وعزتك ما هذا ظنّي بك، قال: فسقط الخيط من أيديهم وولوا هاربين ما أخذوا من البيت شيئا، فقلت: اللهم لا تبق (181) على الأرض منهم أحدا! فما أتى عليهم ثلاثون يوما حتى قتلوا كلّهم، ومات أبو زكرياء وقد بلغ المائة.
(178) كذا كتبها اللبيدي وكتبها المؤلّف فيما سبق: شموع وهو الصّواب.
(179)
في بقية الأصول والمناقب: «قرنب» .
(180)
كذا بالأصول وبعض نسخ المناقب، وفي أخرى:«انثاي» ، وفي تاج العروس 1/ 600:«تحت الأذنين» .
(181)
في الأصول وبعض نسخ المناقب: «تبقى» ، هامش 9 ص:52.
ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق موسى المعلّم كان / مشهورا بالعبادة وممّن كان سكن قصر زياد في آخر عمره وبه مات، وكان كتب أسماء إخوانه ليخصّهم بالدّعاء عنده غدوة وعشية ثمّ يدعو لسائر المسلمين.
وكان إذا سمع بامرأة فقيرة أرمل لا مال لها ولا جمال، ولها أطفال فقراء، تزوجها ليربي أطفالها، فاذا زوجهم وقاموا بأنفسهم فارق أمهم. حكى بعض أيتام تزوج أمهم أنّه قال: تزوّج أمّي وكانت لا مال لها ولا جمال ولا خلق حسن، وكانت تعاتبه على كثرة صلاته تقول له: كم تصلّي ولا تسأل عن شيء، فيقول: ما جئت رغبة فيك، إنّما جئت رغبة في هذه الأيتام، قال: فزوّج أختي وأدخلها على زوجها، وعلّمني القرآن وجعلني عند من يعلّمني النجارة، فلمّا اكتفينا فارق أمّي فبكت عليه، فقال لها: ما يبكيك؟ ما كنت راغبا فيك، فما لك في فائدة، الذي قصدت إليه قد وفّقه الله لي، يريد كفالة الأيتام.
ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق الفضلاء عبد الله بن صالح، إختفى فلم يعلم به إلاّ بعد دهر طويل، وقد صار كشن قد تقطّع، وليس في بيته غطاء ولا وطاء إلاّ قطعة تليس على ظهره، وقطعة في وسطه، وقطعة من حصير أسود تحته، وقد اتّخذت الدّموع في خدّيه أخدودا، وله أخت متعبّدة، ماتا في يوم واحد، وسبب انقطاعه عن النّاس أنّه شهّر بصحبة أبي إسحاق فهرب، وكان من النّصحاء الفصحاء الدّعاة إلى الله تعالى.
ومن أصحاب / الشّيخ أبي إسحاق أبو عبد الله [محمد] بن أبي العبّاس المؤدّب يعرف بابن قشّاش (182) كان من العبّاد الصّالحين ومن أهل العلم، فكان أبو إسحاق يعرف حقّه ويقرّبه، وكان إلى جانب أبي عبد الله عين تسمّى عين العافية، إفتتن بها العامّة يأتونها من الآفاق، من تعذّر عليها نكاح أو ولد قالت: أمضوا بي إلى عين العافية. قال أبو عبد الله المذكور: فأنا في سحر ليلة سمعت أذان أبي إسحاق الجبنياني نحو العين فخرجت فوجدته قد هدّمها، وأذّن للصّبح عليها، ثمّ قال: اللهم إني قد هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا، فكان كما قال، ثمّ مشيت معه فأتاه قوم من خدّام السّلطان ينسبون إلى الاعتزال، فسلّموا عليه، وعليهم ثياب جدد، فنزلوا عن خيولهم للسّلام عليه فاعترض لنا كلب فرجمه إنسان عنّا (183) فقال له الشّيخ: دعه، فلعلّه خير
(182) هو كذلك في مناقب اللبيدي وعرف به ص: 54 - 55، وهو فيما يبدو قريب إبراهيم بن أحمد بن أبي قشاش، من أهل صفاقس، الفقيه الزاهد، له ترجمة في رياض النفوس 2/ 201 - 202.
(183)
في المناقب: «انسان منا» ، ص:54.
ممّن يتقرقع عليه ثيابه، فلمّا سمعوا مقالته هربوا، وكانوا من بني نافد، وكان منهم ومن آبائهم وزراء وكبراء لبني الأغلب ولمن بعدهم.
قال أبو عبد الله المذكور عرفني بعض شيوخنا أنّ أبا العبّاس أحمد بن نافد، وزير بني الأغلب، منهم، وكان رجلا على السّنّة، وكان له إبن عمّ على البدعة، فبنى كل واحد منهما قصرا وجعل حوله بستانا بقرية بليانة، فأمّا أبو العباس فإنّه لمّا أكمل قصره وعملت له قبة عجيبة على باب قصره قال: ما تمنّيت إلاّ سماع العلم / فيها على سحنون بن سعيد، وكان إبن عمّه مباينا بعداوة أهل السّنّة، فخرج سحنون بن سعيد من قريته يريد قصر زياد لزيارة عبد الرّحيم المستجاب، فترك الطريق وأخذ غير الجادة فظنّ أصحابه أنّه غلط حتّى قرب من قصر أبي العبّاس بن نافد الوزير، فقال: إذا صرنا هاهنا فلا بدّ من زيارة أبي العبّاس، فأخبر أبو العبّاس، فخرج للقاء سحنون مع أصحابه راجلا فسلّم عليهم، فقال له سحنون: نحبّ أن نرى هذا القصر وهذه القبّة، فمشى معهم فيه، ثمّ جلسوا في القبّة ودعا سحنون بالبركة، ثمّ قال سحنون لأصحابه: أي شيء في أيديكم تسمعون؟ فقالوا له: كتاب الحجّ الأوّل من موطّأ إبن وهب، فقال: اقرؤوا، فسمعوه عليه في القبّة التي تمنّى أبو العبّاس ذلك فيها، ثمّ نهض سحنون ومن معه إلى قصر زياد فتقوّت بذلك نية أبي العبّاس في المذهب ونصرة أهله، وكان نصرة لمن يظلم من أهل السّنّة بعد ذلك اليوم. فلمّا أخبر أبو الحسن القابسي قال: هكذا يفعل من كان إماما داعيا إلى الله تعالى.
ومن أصحاب الشّيخ أبي إسحاق العالم العابد أبو عبد الله محمّد بن محمّد الطّومشي، كان من أهل الرّواية الواسعة، روى عنه خلق كثير، وكان زاهدا ورعا، لا يتكلّم عنده أحد في أحد من النّاس، وكان يقول: إني لأرجو أن ألقى الله وما اغتيب عندي أحد قط، وكان مجاب الدّعوة، وربّما نزل به ما يبلى به المؤمنون، فما يلجأ إلى أحد من المخلوقين، بل يستقبل / القبلة، فربّما قام اليومين بلياليها لا يبرح عن القبلة، ولا يخرج إلاّ لما لا بدّ منه حتّى تقضى حاجته، فأعجب بذلك أبو الحسن القابسي، وقد سقطت [أشفار](184) عينية من البكاء والنّحيب ويهرب من مكان إلى مكان، وكان أمير قريته على غير مذهبه، وصاحب المرسى يعافيه من المظالم فلقيه يوما فطلب كلمة
(184) إضافة من المناقب، ص:56.
يقولها له ترضيه ولا تسخط الله تعالى فوجدها ودعا له بها وهي: تولّى الله عنّا مكافأتك فيما ولّيت، وأراد بها الدّعاء عليه، ففرح وظنّ أنه دعا له ونجا بها منه.
وكان استنسخ (185) من الشّيخ أبي إسحاق كتابا فيه رقائق وحكايات، فقال لعبد الرحمان إبن الشّيخ أبي إسحاق: لعلنا نلاطف الشّيخ، أنا وأنت، لنسمع الكتاب عليه، قال: فجئنا إلى الشّيخ فقلنا له: أصلحك الله نقابل هذا الكتاب بين يديك، قال: إفعلا، فلما أخذنا في المقابلة قلت له: أصلحك الله على من قرأته وعمّن رويته؟ فأخذ الكتاب من يدي وقال لي: إنصرف، فقلت له: أصلحك الله، لو ترك العلماء الرواية لا نقطع العلم، وأنت تعلم ما جاء في الحديث فيمن كتم علما علمه أنه يلجم بلجام من نار (186)، فكان من ردّ الشّيخ وهو يبكي: أليس قد جاء في الحديث: «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوّ له ينفون عنه تحريف القائلين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» فقلت: نعم، فقال لي شيخ جبنيانة: ليس بعدل حتّى تنقل شهادته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرفت / عنه وأنا أبكي.
ولمّا قدم أبو حامد الخراساني لزيارة أبي إسحاق سلّم عليه وقال له: جئتك من خراسان زائرا، فقال له أبو إسحاق: إن صدقت فأنت أحمق، وإن قبلت أنا هذا منك فأنا أحمق منك، كيف تترك العراق ومن به من العلماء ثمّ حرم الله وحرم رسول الله والشّام ومصر، وتأتي إلى المغرب، إلى شيخ جبنيانة تقول له هذا؟ فبكى أبو حامد وقال له: لو لم يكن هذا لم آتك. ولمّا انصرف أبو حامد من المغرب قيل له: ما أعجبك ما رأيت بالمغرب؟ قال: رأيت أربعة لم أر (187) مثلهم قطّ، رأيت أبا الحسن علي بن محمّد بن مسرور الدّبّاغ (188)، فلم أر أكثر حياء منه (189)، ورأيت أبا إسحاق
(185) أي أبو عبد الله محمد الطومشي.
(186)
يشير إلى الحديث الشريف «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيام بلجام من نار» ، رواه الإمام أحمد في المسند وأصحاب السنن الأربع، أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة، ورمز السيوطي لصحته. أنظر فيض القدير، 6/ 146.
(187)
ساقطة من ش.
(188)
هو الفقيه العابد الورع، له رحلة إلى المشرق (ت. سنة 359/ 969 - 970): ترتيب المدارك 4/ 525 - 528، الديباج 2/ 98 - 99 شجرة النور الزكية: 94 وذكر أنه بقصر أبي الجعد أحد قصور المنستير.
(189)
قال القابسي: «ما رأيت أكثر حياء من أبي الحسن الدباغ ما يكلمه أحد إلاّ احمر لونه ولقد كان أحيا من الأبكار» الديباج.
الشيباني فلم أر أعقل منه (190)، ورأيت أبا الحسن الكانشي فلم أر أظهر حزنا منه، ورأيت أبا إسحاق الجبنياني فلم أر أزهد في الدّنيا منه.
قال الشّيخ أبو القاسم اللبيدي (191): وكان من أصحاب الشّيخ جماعة من أهل العلم والعبادة لو ذهبت إلى ذكرهم لطال الكتاب.
وأما زوجة الشّيخ (192) فكانت في الفضل بمكان مكين، قيل لها: هل رأيت من الشّيخ شيئا تخبرينا به؟ فسكتت وأبت من القول. فلما مات الشّيخ سئلت فقالت: بينما أنا في ليلة مظلمة إذ رأيت نورا غشى الحجرة والموضع الذي به الشّيخ، وسمعت الحديث، فرعبت، وأقام (193) ذلك مدّة، فأحسّ بي الشّيخ وعلم أنّي يقظانة فقال لي: احذري أن تذكري ما رأيت ما دمت حيّا.
وكان الشّيخ أبو / إسحاق يؤخّر الظّهرين مخالفة للشيعة لأنّهم كانوا يلزمون النّاس بأدائها لأوّل الوقت، وربّما زاحموا الوقت فخاف الشّيخ أن يعتقد وجوب ذلك أو وقوعها قبل وقتها، واقتدى به أبو الحسن القابسي فكان يؤقّت للظّهرين.
وكان الشّيخ محبّا لآثار الصّالحين وحكاياتهم، ويكتب ذلك، وكتب بخطّه على ظهر كتاب الجنائز (194) حكاية يقول: بلغنا أن إبن عباس - رضي الله تعالى عنهما - ضرب يوما مثلا للنّاس فقال: خرج رجل من مدينة فنصب فخاخا نائية عن الطريق وحيدة، قال: فوقع بين يديه عصفور، فأنطق الله الفخّ وألهم العصفور، فقال له العصفور: ما لي أراك نائيا عن الطّريق؟ فقال: اعتزلت شرار النّاس، فقال: ما لي أراك منحنيا؟ قال: نهكتني العبادة، فقال: ما لهذه العصا بين يديك؟ قال: أتوكّأ عليها من طول القيام، قال: فما هذه الحبّة في فيك؟ قال: أترصّد بها أبناء السّبيل، قال: وأنا منهم، قال: فدونك، فنقر العصفور الحبّة فصارت العصا في حلقه، فصاح: غاق غاق والله لا غرّني مرائي (195) بعدك. قال إبن عبّاس - رضي الله تعالى عنهما - فهذا مثل قراء يكونون في آخر الزّمان.
(190) ساقطة من ش.
(191)
المناقب، ص:60.
(192)
المناقب، ص:64.
(193)
في ش: «قام» .
(194)
أي من المدوّنة، والكتاب مقصود به الباب.
(195)
في الأصول: «مزائي» .
فلمّا سمع أبو الحسن القابسي هذه الحكاية بكى وقال: {أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ} (196)، وأعوذ بالله من الفتنة في الدّين، واتّباع سبيل المفسدين.
قال أبو عبد الله النّجّار: مشيت مع أبي إسحاق في فتنة أبي / يزيد الخارجي حتى دخلنا قرية، فرأينا بعض أعراب أبي يزيد فاختفينا في حجرة في أقصاها حتى دخل فارس منهم بامرأة ذات هيبة وجمال يقودها يراودها عن نفسها، فلما أحسسنا به لم أستطع أن أمسك أسناني (مما تتقلقل)(197) من الخوف، وأما أبو إسحاق فوضع خدّه على كفّه وهو يتطلّع إلى السّماء ويدعو، فنزل الفارس عن فرسه وحلّ سراويله، وهي تتضرّع إلى الله تعالى أن يتركها، واستدعى (198) انتشار آلته فما جاءه من نفسه شيء فتركها، فانصرفت وانصرف، فخرجنا نمشي بعد ما ذهبوا، فلمّا صرنا في الفحص قلت: يا أبا إسحاق ألا ترى هذا البلاء الذي نزل؟ فقال لي: ما هو يا أحمق؟ قلت له: قتل الأنفس، وهتك الحريم، وذهاب الأموال، وخراب الدّيار، وقطع السّبيل، فأقبل علي وهو مغضب ويقول: أين هذا من أن يدعى الله عجلا في الأسواق، لو خرّت السّماوات على الأرضيين وهلك العباد أجمعون على هذه الكلمة لكان قليلا، قال ذلك وهو يبكي، ثم قال لي: يستعظم الناس هذا ولم يستعظموا أن يجعلوا ربّهم عجلا، ثم هم يقيمون على البيع والشراء والاغترار بالدّنيا.
فلمّا بلغ ذلك أبا الحسن القابسي بكى بكاء عظيما وقال: والله إنّه كما قال الجبنياني، ولا أدري كيف خلاص العباد من هذه المسألة يوم القيامة إن لم يتغمدهم الله برحمته.
وكانت وفاة الشّيخ أبي إسحاق / يوم الأربعاء سابع عشر من المحرّم فاتح سنة تسع وستين وثلاثمائة (199) ودفن شرقي جبنيانة (200).
وجبنيانة من وطن صفاقس الشرقي، بينها وبين صفاقس مرحلة خفيفة، فهي من منازل صفاقس الراجعة إليها، فما ذكر مع الشّيخ من رجال الوطن فكلهم من رجال صفاقس، فلذا ذكرتهم.
(196) إقتباس من الآية 67 من سورة البقرة.
(197)
كذا في الأصول وفي بعض نسخ المناقب، وفي غيرها:«تتقلقل» . «ومما تتقلقل بي» .
(198)
في الأصول: «استدعا» .
(199)
14 أوت 979 م.
(200)
في ت: «هذه جبنيانة» .