الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولمّا بلغ سيدي الباشا رحمه الله وفاة سيدي حسين بكى بكاء شديدا واسترجع (561) وتأسّف أسفا كثيرا وحزن عليه حزنا طويلا واستيقظ وعلم أن الأمر كلّه لله كما قال الشّاعر:
[الرجز]
إذا أراد الله أمرا بامرئ
…
وكان ذا عقل وسمع (562) وبصر
أصمّ أذنيه وأعمى بصره
…
وسلّ منه عقله سلّ الشّعر (563)
حتّى إذا أنفذ فيه حكمه
…
ردّ عليه عقله كي يعتبر
وكان يودّ أنّه يصل إليه حيّا فيعامله بالمبرّة والإكرام، وحسن النزل والتّعظيم والإحترام لما سلف له من خيراته وإكرامه ومبرّاته.
والباشا - رحمه الله تعالى - كان رجلا عالما عاقلا وأهلا للمكافأة بالإحسان ولكن جفّ القلم ومضى الحكم، فمن رضي سلم ومن سخط ندم.
وحزن لموت سيدي حسين جميع النّاس / خصوصا العلماء والصّلحاء والفقراء لما أجراه عليهم من إحسانه وصلاته وهباته وعطيّاته، وما زال الخلق يثنون عليه بكلّ ثناء جميل ويترحّمون عليه في كلّ وقت وحين رحمه الله ورحمنا به ورحم جميع المسلمين -.
علي باشا بن محمّد:
ولمّا خرج سيدي حسين من تونس، وتخلّى عن العسكر بايعوا بعده سيدي علي باشا إبن محمّد رحمه الله.
ولمّا توفّي سيدي حسين بايعه النّاس بيعة عامة، فلم يتخلّف أحد إلاّ من بغى وطغى، إذ بعد بيعة أهل الحلّ والعقد لا يتخلّف إلاّ أهل البغي والفساد، فجرّد الباشا رحمه الله سيف الشّرع (564) لأهل البغي وتتبّع آثارهم في البوادي والقفار وبعيد
(561) في الإتحاف 2/ 115: «وانكر فعل إبنه» .
(562)
في ط وت وب: «وكان ذا سمع وعقل» .
(563)
في ط وت وب: «وسل عقله كسلاّن الشعر» .
(564)
علي باشا معروف بجرأته على سفك الدّماء، قتل كثيرين بدون حقّ، وأشاع الرّعب والخوف من سطواته، والمؤلّف فيما يبدو معظّما له غاضّا الطّرف عن سيّئاته، وهذا من الأسباب الّتي دفعت باي عصره إلى حجز نسخ كتابه حتّى قلّت.
المفاوز وقاصي الدّيار، فقطع آثار كلّ جبّار عنيد بعد جهد جهيد، وكان مؤيّدا في حروبه يحصل لأهل الزيع إزلاق أمعائهم بمجرّد سماع ذكره، وبعد ما طوّع طغاة البوادي طوّع طغاة النّصارى، فهابه المعاهد والمحارب، فأسعفوه بمطلوبه وسالموه في حروبه، وكان - رحمه الله تعالى - منتبها لجميع الشّؤون، وله نوادر وغرائب تتّبعها يخرج بنا عن الإختصار.
ومن نباهته وحزمه صارت الملوك يسألون عن مآثره ليسلكوها وآثاره ليقتفوها، فمن أغرب نكته أنّ رجلا زيّاتا اشترى قلّة سمن وطبخ عشاءه في دكّانه بالسّوق، وجعل فيه شيئا من ذلك السّمن، فلمّا فارت البرمة مرّت به إمرأة فتعلّقت نفسها بشهوة / الأكل من ذلك الطّبيخ، فألجأها الحال أن سألته أعطني (565) شيئا من ذلك الطّعام، فلم يسعه إلاّ إسعافها خوفا أن يكون بها حمل فتزلق حملها، فدخلت للدّكان وناولها شيئا منه، فلمّا أكلت منه كان في ذلك أجلها فماتت، فاحتار الرّجل ولا علم (566) لموتها سببا، فغلق دكّانه وبقي خائفا أن يفطن له أحد، فلما كان اللّيل أخذ المرأة فلفّها في حصير جديد كان (567) عنده وأخرجها إلى مكان بعيد منه بحيث تنقطع عنه التّهمة (568) ووضعها فيه، فلمّا أصبح الصّبح وإذا بالمرأة [وجدت] ميّتة، فأخبر الباشا رحمه الله بذلك، ففكّر ساعة وقال: في أي شيء وجدتموها؟ فقالوا: في حصير، فقال: عليّ بشيخ الحصريّين، فحضر، فقال: أتعرف هذا الحصير صنعة من؟ قال: نعرف، فعيّن رجلا من رجال الصّنعة فأحضر، فقال: بعته لفلان (569) الزّيّات، فأحضر، فقال: هذا الحصير الّذي اشتريت من فلان وجد فيه إمرأة ميّتة، فكيف القصّة؟ أخبرنا بالواقع ولا بأس عليك، فأخبر بما وقع، فقال: وأين الطّعام؟ قال: حاضر، فأحضر فألقى منه لقمة لقطّة فلمّا أكلتها ماتت، ففكّر وقال: من أين وضعت السّمن؟ قال: من قلّة اشتريتها، قال: هل بعت منها لأحد، قال: لا، قال: هل أكلت منها؟ قال: لا، قال: أحضرها، فأحضرت فإذا هي لم ينقص منها إلاّ ما وضع في الطّعام فأمر بتكسيرها
(565) في ط وت وب: «اعطاء» .
(566)
في ط وت وب: «أعلم» .
(567)
في الأصول: «كانت» وكذلك بقيّة الضّمائر العائدة على الحصير جاءت بصيغة التأنيث فصوّ بناها.
(568)
في ط: «منه» .
(569)
في ط وب وش: «من فلان» .
فكسّرت، فإذا في أسفلها حيّة ميّتة، فعفا عن الرّجل / لعذره وأمر أصحابه الدّكّاكين (570) أن لا يبعوا قلّة إلاّ بعد كسرها وتفقّدها، وأمر أصحاب السّمن أن لا يضعوه إلاّ بعد تفقّد الأوعية.
وكان فاضلا عالما مطّلعا على الأحكام الشّرعية والعادية، ولا يقدر أحد من أولي الأحكام أن يتساهل في جزئيّة ولا يولي أحدا ولو مقام التوثيق إلاّ بعد الإختيار الزّائد، وله توغّل في العلوم العربية، فشرح تسهيل إبن مالك (571) بشرح عظيم الشأن، فقبله علماء المشرق والمغرب وأقرّوا له بالفضل، وكان يسوس العلماء في تعليمهم ويحثّهم على تعليم العلوم النّافعة والكتب المتداولة وترقية المبتدئين ويحذّر من علوم الأوائل (572) وأهل الأهواء، ويحذّر من الخوض في علومهم، ويشدّد النّكير على الخائض فيها وربّما نفاه من عمالته.
وكانت له غيرة زائدة على رعيّته ومهما سمع على بعض قوّاده ما يسوء رعيّته انتقم منه بالضّرب والسجن (573).
واعتنى كثيرا ببناء المدارس فبنى أوّلا مدرسة بحومة عاشور من تونس، ورتّب فيها شيخنا أبا محمد سيدي عبد الله السّوسي (574) - رحمه الله تعالى - وأخرى ببير الحجّار (575) وهما معا للمالكية، ثم زاد ثالثة بالقشّاشين قرب جامع الزّيتونة وهي للحنفية، وجعل بها تربته، ثم زاد رابعة بالقرب منها للمالكية، وجعل شيخها الشّيخ أبا عبد الله سيدي محمّد الغرياني (576) - رحمه الله تعالى - وجعل بكلّ مدرسة خزانة
(570) في مكانها في ش: «بياض وشطب» .
(571)
إسم هذا الشّرح: «دفع الملم عن قراء التّسهيل بجلب المهم ممّا يقع به التّحصيل» . منه نسخة في المكتبة الوطنية بتونس، ولعلي باشا ترجمة في الإتحاف 2/ 117 - 145.
(572)
هي الفلسفة وتشمل حسب المصطلح القديم العلوم الرّيّاضية والموسيقى والطّب والمنطق.
(573)
شديدا على العمّال. محترسا من عسفهم رادعا لعدوانهم، يحبّ أن يظلم وحده ويأنف أن يشاركه غيره فيه: الإتحاف 2/ 118 - 119، وبه يتّضح وجه الحقّ، ويعلم ما في كلام المؤلّف من دعوى أنّه كانت له غيرة زائدة على الرّعيّة.
(574)
السكتاني المغربي، نزيل تونس، وشيخ المؤلّف (ت.1169/ 1752) له ترجمة في كتاب تراجم المؤلّفين التونسيين 3/ 86 - 88.
(575)
هذا المكان يقع بنهج الباشا الآن بالحاضرة.
(576)
أصله من جبل غريان بليبيا، قدم تونس واستقر بها، وعقبه موجود إلى الآن وهو راوية مسند فقيه صوفي. ووفاته بتونس في 1195/ 1781 أنظر تراجم المؤلّفين التّونسيين 3/ 459 - 460.
كتب، وجعل لها مرتّبات من الخبز والدّراهم / إعانة لطالب العلم، وزاد دورا في زاوية الشّيخ سيدي إبراهيم الجمّني بجربة، فوق الدّور الأسفل الّذي بناه مراد باي - رحمه الله تعالى -.
ومن غريب ما وقع للباشا مع سيدي عبد الله السّوسي - رحمة الله عليهما - أنّ الشّيخ كان زاهدا في الدّنيا متقلّلا منها مقبلا على العلم، فكان الباشا يحبّه ويجلّه ويفضّله لذلك، فلمّا شيّخه على المدرسة أسكنه في دار بقربها، وأجرى عليه من حبس المدرسة ما يقوم به وبعياله، فاتّفق أنّ الشّيخ رحمه الله أصابه تشويش منعه من الخروج للإقراء، فسأل الباشا مقدّم المدرسة عن الشّيخ، فقال: به تشويش منعه من الخروج وطالت مدّته، فقال له: هل وفيته (577) مرتّبه ليستعين به في مرضه، فقال: لا، قال:
إذهب وفّ له مرتّبه، فصحب المرتّب ودخل على الشّيخ داره وأحضر له المرتّب، فامتنع الشّيخ من قبوله وقال: هذا المرتّب إجارة عن عمل، وقد طال مرضي ولم أعمل، فكيف آخذ من غير عمل؟ وهذا حبس على القراءة ولم تحصل منّي، فرجع إلى الباشا وأعلمه بما وقع، فقال له: إرجع وقل له: هذا إعانة من عندي لا إجارة، فقبله ودعا بخير، رحمة الله على هذه النفوس العفيفة، طيّبوا سرايرهم مع مولاهم فسخّرهم للخير وسخّر لهم من أعانهم عليه.
وبنى مصانع للماء بتونس، وبنى سور ببنزرت، وافتكّ طبرقة من أيدي النصارى (578) واستحفظها جماعة من العسكر، وله خيرات كثيرة غير ذلك وكان رحمه الله / عفيف البطن من جميع المحرّمات، تاركا للمشتبهات، فمن ثمّ إجتنب الدّخان ولو نشوقا، ولا يقدر أحد أن يظهره حيثما حلّ، وكان عفيف الفرج، دخل يوما الحمّام مستصحبا بعض غلمانه فاستدعاه لتدليك رجليه، فظنّ الغلام سوءا وتمادى إلى
(577) في ش: «وافيته» .
(578)
كان أخذه لها سنة 1153/ 1740 - 41 من أهل جنوة، أعطاهم السّلطان العثماني هذا المكان ليلتقطوا المرجان الموجود بالبحر، وبنوا قرية بطبرقة وجعلوا قصبتها بأعلى الجبل، لأنّها جزيرة فيها جبل مرتفع في البحر، وهي واقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط بين عنابة بالجزائر وبنزرت، وظهر لعلي باشا منهم النكث لتجاوز القدر المأذون لهم في البناء، وقد أرادوا جعلها قلعة حصن ومدافعة، وأمر بهدم القرية الّتي أسّسها أهل جنوة وأبقى قصبتها، وأمر ببناء برج على السّاحل خارج الجزيرة. أنظر إتحاف أهل الزّمان 2/ 124 - 125. واستحواذه على طبرقة يدخل أيضا في نطاق ردّ فعل على محاولات الشّركة الإفريقية الفرنسيّة للتّوسّع في أعمالها السّاحليّة من الجزائر نحو طبرقة. أنظر على سبيل المثال جوليان: تاريخ شمال إفريقيا 2/ 299.