الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إعتقادا؟ وأنا أريد اليوم إختباره، وكان يوم جمعة وكان الشّيخ له دكّان قرب باب البحر يخلو فيه (فقال: أرقبه هل يصلّي الجمعة اليوم، فجاء الشّيخ وأطبق باب الحانوت) (592) وبقي الرّجل ينتظر وقت الصّلاة، فلمّا أذن بالصّلاة وذهب النّاس بقي الحانوت على حاله، فأدخل الرّجل بصره خلال الباب ليبصر الشّيخ وما يصنع فما وجد في الحانوت أحدا فبقي متعجّبا، فلمّا إنصرف النّاس من صلاة الجمعة فتح الشّيخ باب حانوته وخرج وهو يقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، رجل أضاع ما فرض الله عليه من صلاة الجمعة لينظر ما يصنع محمّد عبّاس! هذا محمّد عبّاس صلّى الجمعة بالمسجد الحرام وهو أضاع ما فرض الله عليه وقد تقدّمت قصّته مع الشّيخ الشّرفي.
وذكر / الشّيخ أبو عبد الله محمّد الغراب تلميذ الشّيخ النّوري إنّه قال: لمّا دخلت مصر وجدت رجلا صالحا يرميه الأصاغر بالحجارة ويشتمونه وهو يقاسي منهم أشدّ الأذية، قال: فوقفت أنظر متعجبا وقلت: كما يفعل أطفال المغرب بأهل الله يفعل أطفال المشرق بأولياء الله، فما استهمت الكلام إلاّ وقد قال لي: يا سيدي الحاج: من أي البلاد أنت؟ قلت: من تونس، فقال: من أي تونس؟ قلت: من صفاقس، فقال: الآن صلّينا على الشّيخ محمّد عبّاس بصفاقس، حياتكم الباقية، قال: فقيّدنا ذلك فكان كذلك.
ولمّا انتقل (لرحمة الله)(593) دفن بداره بحارة الصناع أمام القصبة (594) وهو مشهور مزار، ولم نقف على تعيين سنة وفاته، فهو من أوّل القرن الثّاني عشر.
ترجمة الولي عمر كمّون:
ومن مجاذيب صفاقس سيدي عمر كمّون، بفتح عين عمر على جاري لهجة صفاقس (595) فتح عين عمر وهي موجودة في بعض أهل الحضر حسبما نصّ عليه السعد
(592) ما بين القوسين ساقط من بقية الأصول.
(593)
ما بين القوسين ساقط من ط.
(594)
هذه الدّار جعلوها مرستانا أطلق عليه «المرستان الجديد» ثمّ حوّل إلى مدرسة إبتدائية ما زالت قائمة إلى الآن تعرف بالعبّاسية.
(595)
إسم عمر وعمر موجودان إلى الآن، ولعلّ الرّاجح أنّ عمر أصله عمرو بفتح العين وسكون الميم ففتحوا الميم إتباعا للعين.
في شرح التّلخيص عن بعض أهل العراق إنّهم يفتحون العين من عمر، وساق حكاية أنّه دخل عليه رجل ممّن غلب على لهجته فتح عين عمر، فلمّا نطق بذلك ضحك منه الحاضرون، قال: فلم يدر سبب ضحكهم، قال: فضممت عيني ففطن لذلك، فعجب الحاضرون من سرعة فهمه.
كان - رحمه الله تعالى - في ابتداء أمره رجلا جزّارا ضاقت عليه الحيل في معيشته، فلمّا جاء أوان الرّبيع خرج النّاس لزيارة أهل الخير بالسّاحل (596)، فخرج معهم من ضيق الحال ولمّا / وصل لبلاد جمّال وجد اللّيم الحلو (597) فأخذ مقدار خمسين واحدة، وكان للشّيخ سيدي عامر المزوغي بنت مريضة إشتهت اللّيم الحلو فلم يجدوه مع شدّة الطّلب، فلمّا وصل لزاوية سيدي عامر (598) بلغه الخبر فأهدى ما معه من اللّيم للشّيخ، فقال له الشّيخ: نلت جميع البركة فأدخله خلوته وألقمه ثديه فما رفع رأسه إلاّ وقد انجذب بهمّة الشّيخ فصار كالولهان، وساح في الأوطان لزيارة الصّالحين قدر سنتين، فلمّا كمل أوانه أشار عليه الشّيخ بالرّجوع إلى صفاقس، ولمّا رجع له صحوه قال:
كانت لغير الله فصارت لله، ما كنت خرجت إلاّ لضيق حالي حتّى وسّع الله من فضله.
ولمّا قدم الباشا لصفاقس أصابته حمّى يوم قوية، فخاف منها فسأل هل في البلد من الأولياء فدلّ هلى هذا الشّيخ، فأحضر بين يديه وشكا إليه مرضه، فوضع يده عليه وقال: لا بأس عليك، غدا - إن شاء الله - يحصل اللّطف والشّفاء، ففرح الباشا بذلك وخرج الشّيخ واشترى شيئا من السمك وطبخه بالسكنجبير المتّخذ من ماء الزبيب والخلّ الطّيب، وجعل فيه شيئا من حوار الأبزار، وبعد إستوائه ونضجه فتّت فيه شيئا يسيرا من خبز الشّعير، ولمّا ساغ شربه أمره بالأكل من فتت الخبز وشرب المرق، فتوقّف في أكل الشّعير فقال: كل وتوكّل على الله فإنّ أصل كلّ خير التّوكّل على الله، فتوكّل على الله وأكل ما تيسّر للبركة، وشرب من المرق بقدر الإستطاعة، ثمّ أمره بالرّقاد / وغطّاه بغطاء ثقيل، وقعد عند رأسه، ومنع خدّامه أن يتولّوا أمره، واشتعلت فيه حرارة الأبزار، وغاصت في أعماق بدنه بالسكنجبير، فلمّا اشتعلت الحرارة طلب كشف الغطاء
(596) في خرجات أهل صفاقس في فصل الرّبيع إلى السّاحل، توجّههم للزّيارة في مسيرة تسمّى «حزب» إلى سيدي عامر المزوغي بقرية سيدي عامر وأمّ الزّين بجمّال، ويقيمون بجواره مدّة.
(597)
نوع من اللّيمون الحلو ويعرف في صفاقس إلى الآن بليم سيدي عامر (أي المزوغي) وليم سيدي عامر من الهدايا التي يرجع بها الصّفاقسيّون إلى أسرهم.
(598)
الكائنة جنوبي مدينة سوسة.
فمنعه، فاشتدّ به الحال حتّى كادت نفسه تزهق وهو يصبّره، ويعلّله، ويعده بالفرج، وأنّ الفرج مع الصبر، فقويت الحرارة الغريزية بحرارة الأبزار وتلطفت بالسكنجبير فانهزم عارض البرد الذي كان أصابه وأمرضه، فخرج العرق البارد بعد استكمال نضج الخلط، وخمد (599) البحران، وانتشرت الحرارة، وانتعشت القوى، فانبسط الباشا، ولمّا ابتل دثاره غيّره الشّيخ، وجعل كلّما ابتل شيء من العرق غيره بثياب نظيفة طيبة برفق بحيث لا يدخل البرد إلى الجسد، فلم يزل به حتّى إنقطع العرق وانتشرت الحرارة الغريزية الطّبيعية على سطح الجسد، فجعل يخفّف عليه الغطاء شيئا فشيئا حتّى تأنّس بالهواء وصحّ الجسم وزالت العلّة، ففرح الباشا بذلك وقوي اعتقاده في الشّيخ من حيث أنّه وعده بالعافية وقد يسّر الله بها بلطف على يد الشّيخ ورفقه، فلمّا سافر لتونس صار يقول: رأيت وليّا بصفاقس، وعظم أمر الشّيخ عند أهل حضرته، ثمّ أرسل له رسولا بفرس وأمره بالقدوم عليه ويستصحب ولديه معه فأبى الشّيخ من ركوب الفرس وقال:
نفسي لا تساعدني على الرّكوب إلاّ على البعير، فأخذ بعيرا وجعل عليه محملا (600) وجعل كلّ واحد من ولديه (601) في شقّ، وركب هو في الوسط / وسار فسبق الرّسول وأعلم الباشا بذلك فزاد اعتقاده، ثمّ قال للرّسول: أعرض (602) له هذه الثّياب يتجمّل بها للقاء النّاس وعرّفه أنّي متلقّيه بأصحابي فأبى من لبسها وقال: يكفيني ما أنا عليه، فتلقّاه الباشا وفرح به، وأكرم نزله وأحسن مثواه، ولمّا جاء الليل فرشوا له من فروش الباشا شيئا نام عليه هو وإبنيه (603)، وكانا صغيرين فاستيقظ الشّيخ فوجد أحدهما شخّ (604) على الفراش، فارتاع الشّيخ وانتهر الولد وضربه فبكى، فسمع الباشا ببكائه فاستفهم عن بكائه، فاحتار الشّيخ في الجواب، فألحّوا عليه حتّى عرّفهم بالقضيّة، فإذا بقارع يقرع الباب فقال: يا سيدي هذا كنز وجدناه في مكان كذا، فما تأمر به؟ فضحك الباشا وقال: ما شاء الله ما ضرّنا هذا الشّخّاخ بل حصلت لنا به بركة،
(599) في ط وت: «حمو» .
(600)
ما يعرف بالعامية بالشّواري.
(601)
في بقية الأصول: «أولاده» .
(602)
في ش وب: «عرض» .
(603)
في الأصول: «أبناؤه» .
(604)
كذا في ش وب وط، وفي ت:«بال» وللكلمتين نفس المعنى وقد انقرضت لفظة «شخّ» من الإستعمال الدارج في صفاقس وبقيت مستعملة في بواديها.
شخاخه بكنز إن ذا الخير كثير، فلمّا أصبح أعطاه ثمانمائة ريال وقال: خذ هذه إستعن بها على زمانك، فنزل بها فما أتى الليل إلاّ وقد فرّق جميعها، ثمّ جهّزه الباشا واعتقده، وبنى له زاوية (605) بصفاقس داخل البلد تحت السّور في جنوبيها شرقا من باب البحر وهي معروفة. وبنى الشّيخ هناك قبرا كان أعدّه لدفنه، فمات الشّيخ سيدي محمّد المصري أحد مريديه فآثره به (606) ولمّا حضرته الوفاة دفن خارج البلد على شاطئ البحر وقد صار الآن بوسط الربض وبنى عليه أهل الخير قبّة (607) مشهورة به، وتصدّق عليه بعض أهل الخير / بداره فبيعت وبني بها تلك الآثار المحيطة بقبّته.
وضاق به الحال مرّة من كثرة الزّائرين، فخرج يوما من باب البحر فلقيه رئيس (608) جربي فقال له: إعطني سلما (609) على خمسين قفيزا من الشّعير لدرس الأندر، فقال: وأين نادرك؟ فأشار إلى نادر كبير، فاطمأنّ الجربي ونقد ثمن الخمسين قفيزا، فلمّا درس النّاس أندرهم جاء الجربي إلى النّادر فوجد النّاس يدرسون فقال: أين الشّيخ كمّون صاحب النّادر؟ فقالوا له: ذاك فقير، ليس هذا له، فأشفق الجربي وأيس من ماله فذهب هائما، فلقي الشّيخ فقال: يا شيخ، النّادر لغيرك فأين الشّعير؟ فقال: كن هانئا وعن قريب يأتيك خلاصك، فاحتار الجربي وبقي بين الخوف والرّجاء، فبعد أيّام وإذا به أتاه وقال: أين تضع الشّعير؟ فقال له: في السّفينة وهي على شاطئ البحر، قال: فإذا بثلاثين جملا محمّلين شعيرا، فقال: ها هو شعيرك، فقال: وما تجيء هذه من الخمسين قفيزا؟ قال: تحصل البركة وتأخذ حقّك بالوفاء والتّمام، أرح قلبك وكن هانئا، وأحضر الكيلة (610) واكتال حتّى وصل ستّين قفيزا فقال الجربي: هذا ما تحمل سفينتي وليس عندي ما ندفعه في الزّائد، فقال له الشّيخ: لو سكتّ لكثر خيرك ولكن هذا نصيبك والعشرة زائدة على الخمسين خذها لوجه الله.
(605) لم يبق منها إلاّ الصّومعة وزالت الزّاوية.
(606)
داخل السّور بجوار زاوية الشّيخ عمر كمّون، وهو مغلق اليوم يتطلّب التّرميم والإنقاذ.
(607)
زال الرّبض وزالت القبّة ونقل جثمانه إلى زاويته داخل السور، وبنيت له قبّة ما زالت قائمة.
(608)
ربّان سفينة وكانت بين جربة وصفاقس ملاحة وحركة تجارية دائبة.
(609)
قرض في قالب سلفة، ويتمثل عادة في إشتراء كميّة من المنتوج الفلاحي قبل أوانه ويسدّد ثمنها زيتا أو قمحا أو شعيرا على أن يسدّد البائع إلى المشتري هذه الكميّة في الموسم، عند عصر الزيتون أو حصاد الشعير إلى غير ذلك.
(610)
في ط: «الكيال» ، وفي ت وب:«الكيل» .