الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السّنّة أخرجوا هذا الشّيخ من البلاد فأركبوه في سفينة وأمروا بإخراجه لصفاقس كرها عليه، فسمع بذلك شيخنا أبو إسحاق سيدي إبراهيم بن محمّد الجمّني فأرسل من ردّه من البحر فنزل ودخل السّوق وهو ينادي: أنا لا أخرج منها، بنو جلود هم الخارجون منها، فلم تمض أيّام قليلة إلاّ وقد جاء أمر من الأمير بعزلهم فأخرجوا كرها عليهم، ولم يرجعوا إليها بعد، وانقطع أثرهم بل وعقبهم، نعوذ بالله من التّعرّض لمساخط أولياء الله /. ولمّا ظهرت بركاته للخاص والعام من المالكية والوهبية (665) إعتقده الفريقان، وبنى له بعض رؤساء الوهبية (665) قبّة، فلمّا وقع الطّاعون بجربة سنة تسع وتسعين ومائة وألف (666) إنتقل لرحمة الله ودفن بها.
وكان رحمه الله يقول: التي ما رأيناها حسبناها (667) ما كانت، وهذا هو معنى قول من قال: معذور من شاهد ومعذور من لم يشاهد.
وكان يقول أيضا: كلمة من غير فيك تنفعك، وهذا أيضا حقّ، فإنّ من بسط لك عند غيرك عذرا أو أثنى عليك نفعك، وإذا أثنيت على نفسك أو بسطت عذر نفسك لم ينفعك.
وكان يقول: الرّاحة في الشّهوة، والأمر كما قال، لأنّ الشّهوة ملائمة للطّبع ومن حصل له ملائم طبعه إستراح.
وكان يقول: هذه الدّار الفم (668) فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، وفارقت الجنة بالمنقصات وسرعة الزّوال.
ترجمة الولي أبي العبّاس أحمد التّاجوري:
ومن مجاذيب الوقت ممّن رأيناه وعرفناه الشّيخ أبو العبّاس سيدي أحمد التاجوري.
كان - رحمه الله تعالى - من تاجوراء، قرية من عمل طرابلس، قدم لصفاقس، وكان متجرّدا عليه عباءة صوف، فأخبرني أبو الحسن الحاج علي الشّرفي قال: لمّا قدم
(665) وهم إباضية.
(666)
1785 م.
(667)
في بقيّة الأصول: «حبسناها» .
(668)
في بقيّة الأصول: «الدراهم» .
الشّيخ من طرابلس كنت بالباب الجبلي نكتري أجراء (669) لحصاد الزّرع فاكتريت جماعة، فقال لي رجل حاضر: زد معهم هذا الطرابلسي، فقلت له: أتطلع (670) مع النّاس؟ فقال: نعم، فطلع وعمل مع النّاس، فلمّا حضر الأكل إمتنع من الأكل فسأله بعض النّاس فقال: هذا طعام / لجماعة ولم يخصني بشيء فلا آكل، فتورّع حيث لم يعيّن له طعاما يخصّه، قال: وبات الليل كلّه مع من لا يرى، فلمّا قدم بعض الأجراء قال: أنت اكتريت رجلا وليّا من أولياء الله شاهدنا من أحوال هذا الرّجل ما لم نشاهد من أحوال النّاس.
وقال أيضا: كلّما أقام عندي لم يأكل شيئا من مشتهيات الأطعمة، وقد يقيم العشرة الأيّام وأكثر بلا أكل ولا شرب ولا ينتقل عن موضعه، وربما مشى كمشي المقيّد ولا يتكلّم بكلمة واحدة، وإذا طلب الأكل أكل ما حضر من ميسور الطّعام، وقد يأكل في بعض الأحيان أكلا ذريعا ويشرب كثيرا خارجا عن المعتاد.
وكان على الضّدّ من الشّيخ سيدي سعيد حريز، فإذا قدم على محلّ دلّ على حدوث أمر مكروه: موت أو مرض أو غير ذلك، فهو واقف في باب النذارة، والشّيخ حريز في باب البشارة، وكان كثيرا ما يلازم سقائف الحمّامات ومستوقداتها، ودخل عليه سيدي سعيد حريز يوما فضرب الشّيخ التّاجوري ضربا وجيعا فأخذ الشّيخ التّاجوري حجرا عظيما فرماه به وقال: أنت في بسط ولبس الملف (671) وأنا في حالتي هذه وتزيد عليّ، وذلك لأنّ الغالب على الشّيخ التاجوري القبض والاسقام. وكان مكشوف الرّأس حافي الرّجل كثيرا ما يتّزر ويتردّى بفوط الحمّام، وقد يحلق جميع شعر رأسه وذقنه وشاربه حتّى لا يبقى فيها شعرة واحدة.
وله إشارات / كثيرة، فمنها أنّه عرضت لنا مسئلة تعسّر على إخواننا فهمها لكثرة شبهها، فطلبوا منّي تحريرها على وجه يزيل الشّكوك والشّبه، فكتبت بقدر الإستطاعة، فلمّا فرغت من الكتابة وقف عليّ وقال: إسقني الماء فإنّي عطشان، فأتيته بشيء من الماء العذب الطيّب فأخذه بيده وردّه وقال: هذا غير سائغ أريد غيره وذهب عنّي، فلمّا
(669) العادة القديمة أن إبّان موسم الحصاد يقف الرّاغبون في العمل أمام باب الجبلي، وهو مدخل من يأتي من الضّواحي، ويكتري كلّ واحد ما يشاء من العملة لحصاد زرعه بعد الإتفاق على الأجر اليومي، وهذه العادة انقرضت منذ عشرات السّنين.
(670)
كلمة تشير في لغة صفاقس إلى الذّهاب إلى الأرض الفلاحية للعمل بها.
(671)
الملف قماش صنعته صفاقس في حياتها الأولى ثمّ صارت تستورده.
عرضت التّقرير على إخواني الطّلبة قالوا: لا نفهم هذا ولا نقبله فرجعت وقررت المسألة بوجه غير الأوّل، فأتاني الشّيخ التّاجوري والذي فعله أوّلا فعله ثانيا، والذي فعله إخواننا الطلبة بالتّقرير الأوّل فعلوه بالتّقرير الثّاني، فعدت ثالثا في التّقرير، ولمّا فرغت فعل معي كما فعل أوّلا وثانيا، وردّ الطّلبة التّقرير، وجعلت أعود في التّقرير وهو يطلب الماء ويردّه، ويردّ الطّلبة التّقرير لوجود من يخالف لاستناده لبعض الشّبه، فكلّما قطعت شبهة عارض بأخرى، فاحتجت لقطعها إلى أن انقطعت الشّبه بأسرها، وانزاحت العلل بأجمعها، وتقرّرت المسألة سالمة من الشّوب والدّخل، وظهر الحقّ الذي لا لبس معه ولا خفاء، فلقي بعض الطّلبة فقال له: قل للشّيخ هكذا الأمر نعم ما صنع البارحة، لأنّ تقرير المسألة كان ليلا، فلمّا جلست بمحلي (672) الذي أجتمع فيه بالإخوان وإذا / بالشّيخ واقف على الباب وهو يقول: ناولني طعاما، فناولته شيئا من التّمر فجعل يأكل ويستزيد حتّى استكفى، فقال: يكفي، فلمّا حضر إخواننا عرضت عليهم التّقرير فأذعن من كان يخالف وقالوا بأجمعهم: لم يبق لبس ولا خفاء، فهذا تقرير في غاية الوضوح، {جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ} (673) فظهر لي أنّ الشّيخ التّاجوري أطلعه الله عمّا نحن فيه، وأنّ طلب الماء وردّه إنّما كان إشارة لعدم كفاية التّقارير الأولى، وقبول التمر وأكله إشارة لرضى السّامع بالتّقرير الأخير، فحمدت الله على الوصول لإظهار الحقّ بوجه مبين، وزاد اعتقادي في الشّيخ.
وكنت متردّدا في أمر نفعله بنفسي أو ننوّب فيه غيري، ثمّ عزمت على إرسال غيري لأنّي كنت أعمل الميعاد في المسجد الأعظم بقراءة تفسير القرآن العظيم، وتقرير أحاديث النّبي الكريم عليه أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم لنفع نفسي وإخواني المؤمنين، فخشيت أنّي إذا باشرته يعوقني عن المقصود فعزمت توجيه غيري، فأتيت يوما المسجد على عادتي فلمّا دخلت المسجد وجدته جالسا بالصّحن، وكان معي بعض الإخوان، فقال الشّيخ:
إسقني ماء فقلت لذلك الأخ: إذهب وأنه بشيء من الماء يشربه فقال الشّيخ: بل إذهب أنت / برجلك حافيا من غير نعل، فاستعفيته فلم يعفني ولم يرضى منّي إلاّ بالذّهاب بنفسي، فذهبت لدكّان بعض الحلاّقين قرب المسجد وأتيته بماء فشربه، واستزادني فزدته مرّة وأخرى، فلمّا أكثر علي أرسلت ذلك الأخ فذهب وأتاه بما كفاه،
فلمّا أردت بعد ذلك توجيه غيري لذلك الأمر الذي قصدت تعسّر الأمر حتّى ذهبت بنفسي وباشرت أوّله ثمّ أرسلت من أتمّه، فكان ذلك من الشّيخ إشارة لما وقع، وأحواله وأفعاله وأقواله كلّها إشارة.
ووقع في سنة من السّنين جدري أفنى الأطفال، فتأسّف النّاس على فقد أطفالهم فقال لهم: هذا الكرباع (674) وما زال الدّلاّع، فما (675) كان إلاّ يسيرا وجاء الطّاعون الجارف.
وأخبرني العمدة الثّقة سيدي عبد السّلام الغراب، وكان من مريدي الشّيخ ومحبّيه، أنّه سمع من الحاج محمود الشّرفي صاحب الحمام أنّه قال: غاب الشّيخ عنّي ذات يوم فقدم عليّ رجل لا أعرفه ولا رأيته قطّ فقال لي: أين الشّيخ التّاجوري؟ فقلت له: عن قريب يحضر إن شاء الله، ما شأنك؟ فقال: أخبرني عن أحواله، هل جار على جسده الحكّة؟ قلت: نعم، قال: هل جار عليه القمل؟ قلت: نعم، قال: هل جار عليه النمل؟ قلت: نعم (676)، فقال لي: إذا فرغ من هذه الثلاث دخل ديوان الصّالحين، ثمّ انصرف / فلم أره بعد، قال: وشأن النّمل معه غريب وذلك أنّه بقي يلتمّ (677) عليه من جميع جهات جسده حتّى صار جسده أسودا بالنّمل ولا بقي شيء من جسده ظاهر، فأقام على ذلك ثلاثة أيّام ثمّ ذهب عنه.
وقال أيضا: جاءني الشّيخ وأعطاني نصف ريال وقال: إحفظه عندك، قال:
فحفظته، ثمّ بعد نحو عشرة أيّام جاءني رجلان عليهما لباس أهل طرابلس فسألاني عن الشيخ فقلت لهما: عن قريب يحضر (إن شاء الله)(678) قال: فبعد ساعة دخل الشّيخ فنظر إليهما وسكت فلم يقدر منهما أحد على خطابه، ثمّ بعد ساعة قال أحدهما: يا أخي والدتنا تسلّم عليك، فأعرض عنه ولم يخاطبه، ثمّ قال: يا حاج محمود أين نصف الرّيال؟ قال (679): فأحضرته له، قال: فخذ به خبزا، قال: ففعلت [فقطعه أطرافا، قال: ففعلت](680) ثمّ قال لهما: خذا هذا الخبز واعزما من حيث جئتما، فاشتكوا إليه
(674) كلمة عامية للشّيء الصّغير المكوّر ويقصد به عادة الصّغير من البطّيخ الأخضر المعروف في صفاقس بالدّلاّع.
(675)
في ط: «فلما» .
(676)
ساقطة من ب وفي ط وت: «لا» .
(677)
في ش: «يلتئم» .
(678)
ما بين القوسين ساقط من بقية الأصول.
(679)
في ت: «قال حاضر» .
(680)
إضافة من بقية الأصول.