الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأعطوا مجابيهم على جاري العوائد، وكرّ على الجريد فأخذ من القادر وصفح (438) عن العاجز / وفي محرّم سنة ثمان ومائة وألف (439) جهّز محلّته الصّيفية وجبى المجابي، وأقام بباجة أيّاما فأخذه مبادي المرض الّذي مات منه، فرحل منها ودخل تونس في ستّة وعشرين من صفر من السّنة المذكورة (440)، فكانت وفاته ليلة الإثنين سابع عشر ربيع أول سنة ثمان ومائة وألف، ودفن بتربة آبائه.
رمضان باي:
وتولّى أخوه رمضان باي إبن مراد باي في ثمانية عشر من ربيع أوّل من سنة ثمان ومائة وألف (441)، فأبقى عمّال أخيه على طبقاتهم في مراتبهم، وكان ممن بقي من رجال إبن شكر فرحات، فجمع رمضان باي عظماء دولته واستشارهم في وجه الحيلة في تحصيله، فجهّز محلّته الشتوية، ورحل يجرّ على ساحل سوسة وصفاقس.
وفي وجهته نقم على الشّيخ محمّد شيخ جربة (442) وقتله قصاصا، وتوجّه نحو الجريد، فلمّا سمع به فرحات كاتبه يهنيه، فردّ له جوابا مفرحا مموّها إنخدع له فأرسل أخاه القائد مراد [لرمضان](443) باي، فقبله وأقبل عليه وردّه بهدايا متحفة، ولم يدر أنّ السّم في العسل فظنّ فرحات أنّ الخيالات فرحات (444)، فاستشار يوسف بن حسن في حركته فنهاه عن السّير لرمضان باي وقال له: من الرّأي أن نرسل إبني وإبنك له يقيمان عنده سنة كاملة حتّى نرى ما في ضمائره فنكون على بيّنة من أمره، فألقى كلامه وراء ظهره لمّا حان حمامه، فركب في محفل عظيم حتّى قدم توزر في نحو ثلاثمائة نفر أو يزيدون فأكرم رمضان / باي نزلهم، فاطمأنّ وبات فرحات وجماعته في محل فصدهم محمّد بن مصطفى ورجب خزنادار ومعهما جماعة بأسلحتهم وأغلقوا جميع أبواب البيوت
(438) في الأصول: «أصفح» .
(439)
أوت 1696 م.
(440)
25 سبتمبر 1696 م.
(441)
15 أكتوبر 1696 م.
(442)
في الحلل: «وسجنه ثم قتله» ، 2/ 590.
(443)
إضافة من الحلل 2/ 591.
(444)
جمع فرحة والتي قبلها إسم شخص.
على من كان فيها، ثمّ صاروا يخرجونهم واحدا بعد واحد للقتل حتّى استأصلوهم وقطعوا رؤوسهم وطافوا بهم في تونس.
وفي محرّم سنة تسع ومائة وألف (445)، رحل بمحلّته الصّيفيّة، ودخل بها جبل خمير فأذعنوا وأطاعوا.
وفي شوّال من تلك السّنة (446) زرع مزهود الفتنة (447) بين رمضان باي وبين مراد إبن أخيه علي باي بن مراد باي وذلك أنّ مراد كان ذا شهامة وقوّة بطش من صغره، وكان مزهود شديد الوصلة برمضان باي، فثقل ذلك على قلب مراد باي، فانتبه مزهود لذلك فسعى في التّضييق على مراد باي فوضعه رمضان باي في مكان خاص به وجعل عليه العسس، وكان مزهود وجد لذلك راحة وفسحة، فانفتحت له أبواب التّصرّفات (448) حتّى مدّ يده بالجور لبعض العلماء كالشّيخ أبي عبد الله محمّد بن محمّد ابن ابراهيم (449) فتاتة شيخ الشّيخ أبي عبد الله محمّد زيتونة، فمنعه من التّحديث بجامع الزّيتونة، ثم منعه حتّى الخروج من داره، ثمّ سعى في قتله.
وفي سنة عشرة ومائة وألف (450)، كانت وفاة الشّيخ أبي الغيث البكري إمام جامع الزّيتونة وخطيبه ومحدّثه المتّصل النّسب بعثمان بن عفان (451) - رضي الله تعالى عنه - خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الخميس ثانية عشرة ربيع أوّل.
ثمّ إنّ رمضان باي لمّا جهّز / محلّته الصّيفية حمل مراد إبن أخيه معه تحت نظره، ولمّا رجع ألزمه عدم الخروج من بيته ونصب عليه العسس، وألقاه في زوايا الإهمال، فتواعد مع مملوكه علي الصّوفي أن يحضر له فرسا خارج السّور وينزل له في السّاعة الخامسة من الغروب، وفكّ شباكا من البيت الّذي هو فيه ونزل خفية من حيث لا يشعر به أحد، فلمّا رقى السّور صاح به العسس وعرفوه فجدّوا في طلبه، فدخل حريم عمّه فردّ إلى موضعه، وجدّد عليه عسس أحفظ من الأوّل، ثمّ استشار رمضان باي في شأنه،
(445) جويلية - أوت 1697 م.
(446)
أفريل - ماي 1698 م.
(447)
في الحلل: «الوحشة» 2/ 598.
(448)
في ش: «التصرفاة» .
(449)
في الأصول: «محمد بن حمودة» .
(450)
ليلة الخميس 12 ربيع الأوّل كما سيذكر / 18 سبتمبر 1698 م، وفي الأصول:«في سنة إحدى عشر ومائة وألف» والتّصويب من الحلل 2/ 610.
(451)
والبكري نسبة إلى الشّيخ أبي بكر دفين المنيهلة من غابة تونس كما ذكره السنوسي في مسامرات الظريف.
فمن مشير بقتله، ومن مشير بسجن مؤبّد إلى أن إتّفقوا على تكحيل عينيه بالنّار بحيث لا ينقطع نسله ولا يطمع في الملك، ففعل به ذلك.
ثمّ انهمك رمضان في لذّاته حتّى إنقطع عن النّاس في لهوه بالشهور، وانقطعت شكوى المظلوم، يسهر ليله وينام نهاره، فأشفت دولته على الهلاك، واستقلّ مزهود بالأمور.
ولمّا جهّز رمضان محلّته الشّتويّة حمل معه إبن أخيه، ثم وضعه بحصار سوسة، ووضع معه مملوكا إسمه سليمان البيّاس ليرقبه، ثم سار نحو صفاقس فأقام بها أيّاما ثمّ لقابس.
ثمّ إن مراد باي برئت عيناه على سلامة في نظره ومادة (452) نازلة من جفنه يكفها بمجفّف (453).
فلمّا اطمأنّت به الدّار عمل على الحيلة في خروجه، فأطلع بعض خدّامه على مراده، فعملوا على قتل سليمان البيّاس فقتلوه ثم نقبوا الحصار وأخرجوه، وكان هناك فرس فعقلوه كالبعير، وأخرجوه من النّقب، فوقعوا / في خندق الحصار، فما زالوا طول ليلتهم يسعون في الخلاص إلى أن خلصوا، وكانت له محفظة (454) محتوية على آلة (455) التّجفيف لما ينحدر من مادّة عينيه من مقص وحمص وخرق وغير ذلك، فلمّا خرجوا سقطت وهم لا يشعرون، فلمّا انفصلوا تفقّدها عند جموم المادة وأظلمت عليه الدّنيا (456) وخاف الفضيحة واجتماع المادة، فإذا برجل يركض خلفهم فخافوه فإذا هو صديقهم ومعه المحفظة، فقوي جأشه وثبت عزمه وقوي حزمه فتوجّه للقيروان في أربعة أنفار، ثم صعد جبل وسلات فقبلوه ومالت إليه أنفسهم وعاهدوه لإهمال عمّه المملكة ظنّا منهم أنّه أصلح من عمّه، فلمّا بلغ الخبر لعمّه أمر أهل وسلات باعتقاله فأبوا إلاّ القيام بدعوته، فلمّا أيس منهم رجع إلى تونس وتجهّز لجبل وسلات، فانحاز أكثر النّاس
(452) في ش: «مدت» .
(453)
في ش: «يجفف» ، ونقرأ في الحلل:«فبينما هو في رحلته إذ تخلّص مراد باي من وحلته وكان في الحقيقة ما ضرّ الإكتحال بالنّار من عينيه شيئا، وإنّما وقع الإضرار في أهداب عينيه فقط، ونشأت عنه دمعة يكفّفها» 2/ 634.
(454)
في ت: «محفة» .
(455)
في ت: «آلات» .
(456)
ساقطة من ط.