الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لحمها بلطف بحيث لم يظهر تغيرها وألقاها خاوية في وسط الماء، ولم يدر أحد بما جعل، وجعل مكان إستخراج لحمها غامرا في الماء حتّى صار الظاهر صورة نارنجة صحيحة، ثمّ استدعى العدول وجعل يسألهم واحدا بعد واحد، هل هي أترجة أو نارنجة، فكلّ قال بحسب ما غلب على ظنّه، وكتب شهادتهم على ما صمّم عليه، ثمّ استدعى الشّيخ عبيد رحمه الله فسأله كما سأل غيره، فأخذ مئزرا وفسخ ثيابه، فقال له السّلطان: ما لك؟ فقال: أنزل الماء، وآخذها في يدي فإذا تحقّقت شيئا أجبتك به، فقال له: كان يسعك ما وسع غيرك من إخوانك العدول، فقال: لا يكفي الأخذ بالظّنّ مع إمكان اليقين، فلمّا أخرجها من الماء فإذا هي قشر فارغ، فقال: هذا قشر نارنجة فارغ، فقال لمن لامه في رفع قدره: أتلومني في رفع قدر مثل هذا؟
وكان تفقّه أوّلا بأهل بلده، ثمّ انتقل لتونس وتفقّه على فقهاء عصره فاشتهر بالفضل والعدالة، وأخذ عنه أهل بلده في بلده وغيرهم في غيرها.
وممّن أخذ عنه من أهل صفاقس الشّيخ أبو الحسن الكراي قيل إنّه سأله الشّيخ أبو الحسن قراءة صغرى الشّيخ السنوسي في آخر أمر الشّيخ عبيد، فاعتذر بعدم خلوّ الوقت لاشتغاله بوقائع النّاس، فصار الشّيخ أبو الحسن يأتيه كلّ ليلة وقت صلاة العشاء فسأله على عقيدة / من غير ترتيب ولا كتاب، فتارة من الآخر وتارة من الوسط، وتارة من الأول، فيجيبه عن كلّ مسألة بما تستحقّه، فلمّا كمل الكتاب قال له: يا شيخ أبا الحسن ختمت الكتاب وهذه آخر مسألة منه من غير درس ولا حضور كتاب.
وكانت وفاته رحمه الله بربيع الثّاني من شهور سنة ستّ وخمسين وألف (665)، وقبره بالقرب من ضريح الشّيخ اللّخمي في جهة الغرب والجنوب، وعلى قبره سيف من رخام عليه التّعريف به وتاريخ وفاته - رحمه الله تعالى -.
ترجمة الولي منصور الغلام:
ومن أولياء الله تعالى العارفين بالله سيدي منصور الغلام (666) ذو الكرامات المشهورة والفضائل المأثورة.
(665) ماي - جوان 1646 م.
(666)
لعل المقصود بالغلام الأسود اللون، والزّنوج يحتفلون به إلى الآن في الخريف.
قيل كان عبدا لرجل من أهل صفاقس صنعته عمل القطن، وكان يتركه بالليل يشتغل فيصبح كلّ يوم ويأتيه فيجده قد استوفى جميع ما يبقي عنده قلّ أو كثر، ثم إنّه دعته حاجة في بعض الليالي فأتى للمحلّ الذي يشتغل فيه فلم يجده، وارتقبه أكثر الليل فلم يأت، فلمّا أصبح وجده قد استوفى عمل جميع ما عنده من القطن، ففطن له وعلم أنّ له عناية من الله تعالى فرصده ليلة من الليالي فوجده سائرا في سكّة من البلد، فتبعه من حيث لا يشعر به، فما زال سائرا حتّى انتهى لسور البلد، فنزل منه، فتبعه وسار خلفه، فما زال سائرا حتّى وصل إلى برج قزل (667) فشرع في الصّلاة ولم يزل كذلك حتّى طلع الفجر فرجع وطلع من حيث نزل، فعند ذلك نجز عنه (668)، فلمّا علم أنّ سيده اطّلع على سرّه وأفشاه اعتزل عن النّاس، فظهرت كراماته وبلغ خبره السّلطان / فطلبه فاختفى ولم يظهر، فوجد بعد زمان ميّتا مغسّلا مكفّنا في المكان الذي وجده سيّده يصلّي فيه عند برج قزل، فدفنوه فيه.
ولم نعرف له زمانا، وهو أسبق من الشّيخ أبي بغيلة لأنّه تقدّم أنّه لمّا مرّ على ضريحه أعطاه الشّياه - حسبما مرّ -.
ومن كراماته المشاهدة بالعين في عصرنا أنّ بعض صيادي (669) السّمك تبعوا غلاما وقصدوه بالفاحشة فامتنع منهم وفرّ منهم هاربا حتّى دخل ضريح الشّيخ فتبعوه، وكانوا ثلاثة، فلمّا ضايقوه دخل تحت التّابوت الذي على القبر فتغلّبوا عليه وأخرجوه كرها، فكسر ظهور الثلاثة، فأمّا أحدهم فإنه خرجت روحه حالا، وأما الثّاني فزاد مدة قليلة وجعل يقذف الدم والقيح حتّى مات، وأمّا الثالث فطالت مدّته مكسور الظّهر ثمّ مات، وكلّ من انتهك حرمته وقع به عطب لا يسلم منه، وهذا شيء كثير، ومع هذا يأتيه الزّوّار فيظهرون من أنواع اللعب بجميع أنواع الملاهي والمفرحات فلا يصيبهم سوء ما لم يصدر منهم ما يؤذن (670) بانتهاك حرمات الشريعة، فمن فعل شيئا فلا يسلم، ولكنّ الناس لا يقدرون ولا يقدمون على فعل شيء من ذلك احتراما وخوفا من تعجيل العقوبة.
(667) بالقاف المعقدة كالجيم المصرية وبعدها زاي مفتوحة يقع على بعد 11 كلم في شرقي مدينة صفاقس على الطريق المعروف الآن بثنية سيدي منصور حيث الآن مقام سيدي منصور الغلام، وبعض الوثائق تسمّيه برج كرك وبقاياه قائمة وتعرف بالنّاظور، وحول الضّريح الآن بساتين مشجرة وقرية سيدي منصور.
(668)
في بقية الأصول: «انجزعت» .
(669)
في الأصول: «صيادين السمك» .
(670)
في ش: «يؤذون» .