الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - ذا همّة عالية وشهامة وبطش، فأطاعته العصاة من ساعته وانقادت له العباد، فاطمأنّت البلاد، ومحا (592) آثار الفساد وكأنّ الأرض لم تقم بها فتنة، ولا وقع بها حروب، لطفا من الله بعباده.
ثمّ جاءت التّشاريف العثمانية والخلع الخاقانية لثاني النجلين صاحب السّياسة الملوكية والرياسة السّلطانية سيدي علي باشا - رحمه الله تعالى - فلبس خلعة الباشوية، فتمّت نعمة الله عليهما، واتّفقت كلمتهما، وسلّمهما من داء الخلاف والشّقاق لما جبلهما الله عليه من المحبّة والإتّفاق، فانتظمت، الأحوال واتّسقت، وأمنت البلاد وسكنت، وانقطعت نار الفتنة وخمدت.
ولمّا تمّت نعمة الله عليهما بالملك شرعا في تجديد سور القيروان وتحصينها إذ هي إحدى حصون الإسلام بل أعظم مدينة بإفريقية، بل هي أمّ قراها فهي أحقّ بحفظها وصيانتها - أبقاها الله دار عزّ للإسلام، / وحفظها من طوارق اللّيالي والأيّام.
ولمّا كانت سنة إثنتين وسبعين ومائة وألف حضرت منيّة (593) سيدي محمّد باي - رحمه الله تعالى - على فراشه فسار لرحمة الله الواسعة ودفن بتربة أبيه - رحمهم الله تعالى -.
علي باشا إبن حسين بن علي:
فبايع النّاس بعده بيعة عامة لأخيه سيدي علي باشا - رحمه الله تعالى -. فصار باشا بايا، ففرح النّاس به لما يعلمون من رفقه وحلمه ورقّة قلبه على رعيّته وكرمه، فاستقرّت البلاد على أمنها، ولم يقع في الأرض ما يوجب اضطرابها.
ثمّ لم تمض أشهر قلائل إلاّ وقد طلعت خيول إسماعيل (594) باي، إبن يونس باي إبن الباشا - رحمة الله على جميعهم - وكان لما وقع على جده الباشا ما وقع استبدل ثياب السّلطنة بثياب عامّة النّاس وغير زيّه، وسار حتّى انتهى إلى طرابلس، فنزل على علي باشا (595) صاحب طرابلس، فأكرم نزله ورتّب له ما يحتاجه بموجب ما تقتضيه حقوق
(592) في الأصول: «محى» .
(593)
ليلة الإثنين 14 جمادى الثّانية سنة 1172/ 12 فيفري 1759: الإتحاف 2/ 159.
(594)
وصل إلى جمّال في 15 ذي القعدة 1172/ 10 جويلية 1759: الإتحاف 2/ 162.
(595)
هو علي بن محمد قرامانلي (1745 - 1754): أنظر الإتحاف 2/ 161، وأتوري روسي: ليبيا، 296 - 308.
السّلطنة، فلمّا سمع بموت سيدي محمد باي وتولية سيدي علي أخيه تحرّك لنحو تونس طالبا لملك جدّه، فسار من طرابلس خفية من الباشا مع جماعة من العرب، وصار كلّما مرّ بطائفة من الأعراب تبعه منهم جماعة فانتهى إلى قابس ومعه جموع كثيرة، ولم يزل سائرا حتّى انتهى إلى جمّال (596) فأقام بها وقاموا بدعوته، فلمّا بلغ الخبر لسيدي علي باي - رحمه الله تعالى - جهّز له عساكر من تونس، فلمّا التقى الجمعان كان الظّفر لعساكر تونس على عساكر جمّال، فخرج من جمّال / إلى وسلات فتبعته العساكر إلى وسلات، فلمّا علم أنّه لا يحصل من المكث بوسلات (597) إلا الهرج وقلة الفائدة عمل على السّفر إلى الجزائر (598) فسار إليها حتّى انتهى إليها فأكرموا نزله.
وكان رحمه الله بطلا شجاعا مقداما على قدم أبيه وجدّه في الشّهامة والشّجاعة. فأقام بالجزائر ما شاء الله حتّى أدركته منيّته بها رحمه الله.
ولمّا خرج من الجبل رآى سيدي علي باي أنّ أهل الجبل لا يسكنون من الفتنة، وخاف من طارق يقوم به، فرآى الصّواب في نزول أهله إلى البلاد فأمرهم بالنّزول منه فنزلوا وتفرّقوا، وذهب كلّ أحد منهم إلى ما اختار، فمنهم من اختار القيروان، ومنهم من اختار تونس، ومنهم من اختار السّاحل إلى غير ذلك، فأمنت فتنته وانقطعت ثائرته.
وانفرد سيدي علي باي بملكه ولم يبق له منازع، فظهر تمام حسن سيرته وسعدت رعيّته، وكان على قدم أبيه، والولد نسخة من أبيه، ومن يشابه أبه فما ظلم، بل زاد في الحلم والعفو على أبيه رحمهم الله، وكان يكره قتل النّفوس ولو قصاصا فيصالح أصحاب الدّماء ما أمكن من مال الجاني وإلاّ فمن ماله هو، ولا يقتل قصاصا إلاّ من لم يمكن له خلاص بوجه ما شرعي، وإذا لم يقتل قصاصا فكيف بالقتل ظلما.
وكان رحمه الله محبّا للعلم وأهله وللصّلاح وأهله، محسنا للفقراء، وجعل مرتّبات للعميان الفقراء، وقطع حانات الخمر أينما كانت، ولقد أفرده وزيره / الشّيخ
(596) لمّا كان بالحامة قدم إليه جعفر بن عمر في أعيان من أهل جمّال وفرسان من المثاليت وغيرهم. . . وزّينوا له الرّحلة إلى بلدهم، واتّفق أنّ قائدهم منصور المشرق أساء فيهم السّيرة حتّى أفسد منهم السّريرة وأرهقهم جورا وظلما. . . المرجع السّالف ص:162.
(597)
دارت عدّة معارك بجبل وسلات كان النّصر فيها لجيوش علي وأنصاره من القبائل، ورآى علي باي ألاّ يقتحم الجبل ويطاوله بالحصار، وأدار بالجبل جلاص وأولاد عون وغيرهم، أنظر المرجع السالف ص:163.
(598)
فرّ إلى قسنطينة لاحقا بأبيه يونس باي: المرجع السّالف ص: 164.
حمّودة بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - بكتاب ضخم حافل (599) إستقصى فيه دولته ومزاياه وجميع أحواله. وكان الباشا رحمه الله يحبّه مع ما بينهما من التّباعد حبّا شديدا لأنّه صاهره الباشا بابنته، ولما يعلم من حلمه وعفّته وكرمه رحمهم الله أجمعين -.
ولمّا منّ الله عليه بطول الملك والسّعادة وعلم أنّ الدّنيا زائلة والرّجوع إلى الله حقّ زهد في الملك (600) والحكم ومزاولة الخصومات والدّعوات، وكاتب الأعتاب العثمانية الخاقانية يستعفي من الحكم، فعوفي، ونزلت الأوامر والخلع العثمانية والتّشاريف السّلطانية لنجله الأكبر الأسعد الهمام الأمجد سيدي حمّودة باشا - نصره الله -.
وسلّم له والده في البياية فصار باشا بايا كوالده وهو سلطان وقتنا - دام مجده وعلاه وأناله الله من سعادة الدّارين سؤله ومتمناه - (601).
وانفرد والده (602) - رحمه الله تعالى - بنفسه لصلاته ودروس العلم ليلا ونهارا، وبذل المعروف والصّدقات والعفو عن الخطيّات، والإحسان للأرامل والأيتام، ولقد امتدحه الشعراء بما لا يحصى، فأجزل جوائزهم وقد استوفى ذلك وزيره في تاريخه، فليراجع ثمّة من أراد ذلك.
وأكثر من البنايات النّافعة فمنها فسقيته بتونس، ومنها مدرسته المشهورة (603) بها أيضا، ومنها قنطرة واد مليان على ثنيّة السّاحل، ومنها فسقية (604) صفاقس الّتي غفل عنها غيره / ممّن تقدمه من الملوك، ومن تنبّه لها لم يجعل الله له تيسيرا فيها حتى جاء هذا السّلطان الأسعد - رحمه الله تعالى - فكانت من غرر محاسنه، ومنها إتمام سور مدينة القيروان (605) إلى غير ذلك من أفعال الخيرات ممّا يطول إستقصاؤه.
(599) سمّاه الباشى نسبة إليه، طبع منه الجزء الأوّل، والباقي ما زال مخطوطا.
(600)
(601)
هذا الدّعاء يشعر بأنّه يتكلّم عن باي عصره كما صرّح به بعد قليل.
(602)
لم ينعزل تماما إذ كان إبنه حمّودة باشا يكتب الأوامر باسم والده ويأتيه بها، وما ارتضاه منها أمضاه بختمه، وردّ الباقي، وينوب إبنه في مغيبه إذا سافر بالمحلّة لاستخلاص الجباية: المرجع السّابق ص: 177.
(603)
المعروفة بالجديدة، قرب تربته جوار صاباط عجم: الإتحاف 2/ 174.
(604)
الموجودة بقاياها بالحديقة العمومية على طريق المطار.
(605)
وأبوابها وبرجها: المرجع السّالف ص: 175.