الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الدين معتمدين في ذلك كله على عدالة الصحابة جَمِيعًا، ويقول هذا الطاعن - وهو عبد الحسين شرف الدين -: «ولا عجب منهم " الجمهور " في ذلك بعد بنائهم على أصالة العدالة في الصحابة أجمعين حيث لا دليل على هذا الأصل
…
» (1).
فهل بعد هذه الآيات مجال للشك في عدالة الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح؟
إن النصوص تنطق واضحة بذلك لا تحتمل التأويل والظن، ولكن الهوى المتبع يحمل صاحبه على إنكار الحق ولو كان كالشمس في رابعة النهار {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (2). وسنرى في الأحاديث التالية تأكيدًا واضحًا لمنزلة الصحابة الرفيعة.
[2]- أَدِلَّةُ عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ مِنَ السُنَّةِ:
في صِحَاحِ السُنَّةِ أحاديث كثيرة تشهد بفضل الصحابة جملة وآحادًا، وفي أكثر الكتب كـ " صحيح البخاري " و" الجامع الصحيح " لمسلم و" السنن الأربعة " وغيرها أبواب خاصة في فضل الصحابة.
من ذلك ما رواه أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ» (3).
(1)" أبو هريرة " لعبد الحسين شرف الدين: الصفحة الأولى من الكتاب. والكتاب كله طعن وافتراء وتشكيك في الصحاح والسنة وتحامله فيه صريح. وسأتعرض بإيجاز له في بحثي عن أبي هريرة.
(2)
[سورة التوبة، الآية: 32].
(3)
" صحيح مسلم ": ص 1968 جـ 4.
ومنها ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» (1).
وَعَنْ أَبِي مُوسَى عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم -أَنَّهُ قَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (2).
وقد يقول قائل: إن هذه الأدلة تتناول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا معه قبل الفتح، وأما من أسلم بعد الفتح فلا دليل على عدالتهم، فأسوق جَوَابًا له قول الدكتور محمد السماحي: «وأما مسلمة الفتح والأعراب الوافدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء لم يتحملوا من السنة مثل ما تحمل الصحابة الملازمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تعرض منهم للرواية كحكيم بن حزام، وَعَتَّابٍ، وغيرهم عرفوا بالصدق والديانة، وغاية الأمانة على أنه ورد ما يجعلهم أفضل ممن سواهم، من القرون بعدهم كقوله صلى الله عليه وسلم:" خَيْرُ [النَّاسِ] قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ " وهو حديث صحيح مروي في " الصحيحين " وغيرهما بألفاظ
(1)" الكفاية ": ص 48، وانظر " الجامع الصغير ": ص 54 جـ 1.
(2)
" صحيح مسلم ": ص 1961 جـ 4، وانظر " تلقيح فهوم أهل الأثر ": ص 26: ب. وانظر " تيسير الوصول إلى جامع الأصول ": ص 226 - 261 جـ 3 حيث أخرج كثيرًا عن الإمام مالك والشيخين وأصحاب السنن في فضل الصحابة.
مختلفة (1)، والخيرية لا تكون إلا للعدول الذين يلتزمون الدين والعمل به، وقال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (2).
والخطاب الشفهي لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن حضر نزول الوحي، وهو يشمل جميعهم، وكذلك قوله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (3). وَسَطًا: عُدُولاً
…
فالإسلام كان في أول شبابه فَتِيًّا وَقَوِيًّا في قلوب من أذعنوا له، واتبعوا هداه، وتمكنوا بمبادئه، واصطبغوا بصبغته، فكانت العدالة قوية في نفوسهم شائعة في آحادهم، حتى إننا نرى الذين وقعوا منهم في الكبائر ما لبثوا أن ساقتهم عزائمهم إلى الاعتراف وطلب الحد، ليطهروا به أنفسهم، وسارعوا إلى التوبة حيث تاب الله عليهم، ولا نريد بقولنا الصحابة عدول، أكثر من أن ظاهرهم العدالة». اهـ. (4)، لا يبحث عنها ما لم يطعن فيها.
ثم إن الجرح لا يدعيه ولا يثبته أي إنسان كيف شاء ومتى شاء، فللجرح والتعديل رجال جهابذة أتقياء، يخشون الله لا يتبعون أهواءهم، فلو سلمنا
(1) أقول: انظر " تيسير الوصول إلى جامع الأصول ": ص 226، 227 جـ 3 حيث أخرجه عن الشيخين وعن أبي داود والترمذي والنسائي. ورواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة وفيه:«ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السَّمَانَةَ، يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا» . انظر " مسند الإمام أحمد ": ص 90 حديث 7123 جـ 12، وانظر ص29 حديث 2963 جـ 6.
(2)
[سورة آل عمران، الآية: 110].
(3)
[سورة البقرة، الآية: 143].
(4)
" المنهج الحديث في علوم الحديث ": ص 63.
جدلاً وجوب البحث عن بعض الصحابة لِتُهَمٍ وجهت إليهم، فإنه لا يقبل هذا الجرح إلا ببيان علته، ولا يتصدى لهذا المَوْتُورُونَ وَالمُغْرِضُونَ، من أهل الأهواء وغيرهم، بل يتصدى له عدول الأمة من أئمة الصدر الأول، الذين خالطوا الصحابة، وعاشوا معهم، وعرفوا عنهم كل شيء إذ رُبَّ فضيلة عند النقاد العدول يراها المغرضون رذيلة ومنقصة، وليست جميع الذنوب والهفوات مسطقة للعدالة.
وقد نص الفاروق عمر رضي الله عنه على عدالة الصحابة جَمِيعًا إلا من أظهر ما يسقط عدالته فقال: «إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتِي حَسَنَةٌ» (1).
وقد أجمعت الأمة على عدالة الصحابة جَمِيعًا إلا أفرادًا معدودين اختلف في عدالتهم ممن لم يستقيموا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة (2). فلا يجوز لأحد أن يتعداهم خشية أن يخالف الكتاب وَالسُنَّةََ اللذين نَصَّا على عدالتهم، فبعد تعديل الله تعالى ورسوله لهم، لا يحتاج أحد منهم إلى تعديل أحد، على أنه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله الكريم عليه الصلاة والسلام شيء في تعديلهم لوجب تعديلهم لما كانوا عليه من
(1)" الكفاية ": ص 78.
(2)
راجع " العواصم من القواصم " لابن العربي " فإنه يتناول أحوال الصحابة وَيُفَنِّدُ بعض الأقوال والطعون ويوضح قيل فيهم، ويثبت براءتهم. وذكر في " الروض الباسم ": ص 128 - 130 بعض من جَرَّحَ الصحابة.
دعم الدين والدفاع عنه، ومناصرتهم للرسول والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، وبذل المُهَجِ والأموال، والمحافظة على أمور الدين، والقيام بحدوده ومراسيمه، والتشدد في امتثال أوامر الله تعالى ونواهيه، حتى إنهم قتلوا أقرب الناس إليهم، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم في سبيل الله، وإقامة دعائم الإسلام. كل ذلك دليل على قَوِيِّ إيمانهم، وحسن إسلامهم، وأمانتهم وإخلاصهم. لذلك وجب أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال، لأن ما وقع إنما كان نتيجة لما أدى إليه اجتهاد كل فريق «مِنِ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الوَاجِبَ مَا صَارَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلدِّينِ وَأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَعَلَى هَذَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا أَوْ أَنَّ المُصِيبَ وَاحِدٌ وَالآخَرُ مُخْطِئٌ فِي اجْتِهَادِهِ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ، فَالشَّهَادَةُ وَالرِّوَايَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لَا تَكُونُ مَرْدُودَةً أَمَّا بِتَقْدِيرِ الإِصَابَةِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا بِتَقْدِيرِ الخَطَأِ مَعَ الاجْتِهَادِ فَبِالإِجْمَاعِ» (1). أي أن جميع من اشترك في الفتنة من الصحابة عدول لأنهم اجتهدوا في ذلك.
ثم إن الكلمة اجتمعت بعد الفتنة في عام الجماعة، حين تنازل الحسن بن علي رضي الله عنه للخليفة معاوية بن أبي سفيان. وقد ثبت في " صحيح البخاري " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عن سبطه الحسن بن علي وكان معه على المنبر:«ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ [عَظِيمَتَيْنِ] مِنَ المُسْلِمِينَ» (2) فسمى الرسول صلى الله عليه وسلم الجميع (مسلمين)، وقال تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (3).
(1)" الإحكام في أصول الأحكام " للآمدي: ص 129، 130 جـ 2.
(2)
" فتح الباري ": - باب مناقب الحسن والحسين: ص 96 جـ 8.
(3)
[سورة الحجرات، الآية: 9].