الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنسان فيه، وغير هؤلاء كثيرون، فكانت مهمة العلماء شاقة لما يحف بها من الحذر، وما يترتب عليها من الآثار الجليلة في الدين والدنيا، وبفضل الله ورحمته ذللت تلك الصعوبات على أيدي جهابذة الأمة، الذين شهد بعلمهم وفضلهم وحسن منهجهم ودقة قواعدهم علماء المشرق والمغرب، وحفظت السنة من عبث العابثين وتأويل المعرضين، وتحريف الجاهلين المضلين، وَصَدَقَ ابْنُ المُبَارَكِ حِينَ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الأَحَادِيثُ المَوْضُوعَةُ!!؟ فَقَالَ: «تَعِيشُ لَهَا الجَهَابِذَةُ {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}» (1).
ونستعرض ما بذله علماء الأمة في سبيل حفظ الحديث الشريف، فقد بحثوا في كل ما يتعلق بالحديث النبوي رواية ودراية، وخطوا خطوات جليلة كفلت سلامة السنة من العبث، ونحن نلخصها فيما يلي:
أَوَّلاً - الْتِزَامُ الإِسْنَادِ:
لم يكن المسلمون في صدر الإسلام - منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى فتنة عثمان - يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، بل كانت الثقة تملأ صدورهم، والإيمان يغمر قلوبهم، حتى إذا ما وقعت الفتنة، وتكونت الفرق والأحزاب، وبدأ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُتَّخَذُ مطية لأهل الأهواء، وقف الصحابة والتابعون من هذه الظاهرة وقفة قوية للحفاظ على الحديث الشريف، وأصبحوا يشددون في طلب الإسناد من الرواة، والتزموه في الحديث، لأن السند للخبر كالنسب للمرء، ويخبرنا الإمام محمد بن سيرين عن ذلك فيقول: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا
(1)" تدريب الراوي ": ص 184 و" الكفاية ": ص 37، و " الجرح والتعديل ": ص 18 جـ 1 وروي عن عبد الرحمن بن مهدي نحو هذا في " توضيح الأفكار ": ص 79 جـ 2 والآية 9 من سورة الحجر.
لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (1).
وهذا لا يدل على أن الصحابة والتابعين لم يكونوا يسندون الأحاديث قبل الفتنة بل كان بعضهم يسند ما يروي تارة ولا يسنده أخرى، لأنهم كانوا على جانب كبير من الصدق والأمانة والإخلاص، وهناك أمثلة واضحة تبين إسناد الصحابة للروايات قبل الفتنة، من هذا ما حَدَّثَ بِهِ عَلِيٌّ رضي الله عنه عَنْ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ:«أَنَّ فَاطِمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهَا أَنْ تَحِلَّ، فَحَلَّتْ وَنَضَحَتْ البَيْتَ بِنَضُوحٍ» (2). وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ عليه الصلاة والسلام (3). وقد حَدَّثَ الصحابة بعضهم عن بعض.
وخلاصة القول أن المسلمين قبل الفتنة لم يلتزموا الإسناد دَائِمًا لما كانوا عليه من الصدق والأمانة، عِلْمًا بأن الإسناد لم يكن طَارِئًا وجديدًا على العرب بعد الإسلام، بل عرفوه قبل الإسلام، وكانوا أحيانًا يسندون القصص والأشعار في الجاهلية (4). وإنما التزم هذا التثبت في الإسناد بعد الفتنة في عهد صغار الصحابة وكبار التابعين، وفي هذا يروي الإمام مسلم بسنده المتصل عن
(1)" صحيح مسلم بشرح النووي ": ص 84 جـ 1. و" سنن الدارمي ": ص 112 جـ 1. ومحمد بن سيرين تابعي جليل ولد سَنَةَ 33 هـ وتوفي سَنَةَ 110 هـ، انظر ترجمته في الباب الخامس من هذه الرسالة.
(2)
" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ص 82: ب.
(3)
انظر " البداية والنهاية ": ص 109 جـ 8، و" سير أعلام النبلاء ": ص 436 جـ 2.
(4)
وقد ينتهي الإسناد إلى الشاعر أو إلى راويته، ولم يكن التزام الإسناد المتصل دائمًا بل من النادر، أما الإسناد المرسل فهو أكثر و «يَكَادُ يَكُونُ مُلْتَزِمًا فِي رِوَايَةِ الأَدَبِ اِلْتِزَامًا لَا إِخْلَالَ فِيهِ». انظر:" مصادر الشعر الجاهلي ": ص 258.
مُجَاهِدٍ - قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ العَدَوِيُّ (1) إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالِي لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا تَسْمَعُ؟، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:«إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ، وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَاّ مَا نَعْرِفُ» (2). وفي رواية عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ:[جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ -] فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ:«إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، تَرَكْنَا الحَدِيثَ عَنْهُ» (3)، وكان بعدهم التابعون يسألون عن الإسناد ويلتزمونه، ومن هذا ما يرويه ابن عبد البر عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ لَهُ كَعِتْقِ رِقَابٍ أَوْ رَقَبَةٍ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَقُلْتُ لِلرَّبِيعِ بْنِ خَثْيَمٍ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الحَدِيثِ؟ فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الأَوْدِيُّ، فَلَقِيتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ فَقُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الحَدِيثِ؟ فَقَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، فَلَقِيتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَقُلْتُ: مَنْ
(1) هُوَ بُشَيْرٌ - مُصَغَّرًا - ابن كعب بن أبي الحمير العدوي، أبو أيوب البصري ثقة، مخضرم من الطبقة الثانية، وفاته قبل سَنَةِ مائة من الهجرة. انظر " تقريب التهذيب ": ص 104 جـ 1.
(2)
" صحيح مسلم بشرح النووي ": ص 81 جـ 1.
(3)
" صحيح مسلم بشرح النووي ": ص 80 جـ 1.
حَدَّثَكَ؟ قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» (1).
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: «وَهَذَا أَوَّلُ مَا فُتِّشَ عَنِ الإِسْنَادِ» (2).
وقال أبو العالية: «كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ بِالْبَصْرَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَمَا رَضِينَا حَتَّى رَحَلْنَا إِلَيْهِمْ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ» (3). وكان التابعون وأتباعهم يتواصون بطلب الإسناد، قال هشام بن عروة:«إذَا حَدَّثَكَ رَجُلٌ بِحَدِيثٍ فَقُلْ عَمَّنْ هَذَ؟» (4)، وكان الزهري إِذَا حَدَّثَ أَتَى بِالإِسْنَادِ وَيَقُولُ:«لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرْقَى السَّطْحُ إِلَاّ بِدَرَجِهِ» (5)، وقال الأوزاعي:«مَا ذَهَابُ العِلْمِ إِلَاّ ذَهَابُ الإِسْنَادِ» (6)،، وقال سفيان الثوري:«الإِسْنَادُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاتِلُ؟» (7)، ويقول عبد الله بن المبارك:«الإِسْنَادُ مِنَ الْدِّينِ، وَلَوْلَا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ» (8)، وعنه أنه قال:«بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ القَوَائِمُ» يَعْنِي الإِسْنَادَ. (9).
وقد أتقن التابعون الإسناد وبرزوا فيه كما برزوا في غيره من علوم الحديث، وفي هذا يَقُولُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيَّ: «وَجَدْنَا الحَدِيثَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ: الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَالأَعْمَشِ، فَكَانَ قَتَادَةُ أَعْلَمَهُمْ بِالاخْتِلَافِ، وَ [كَانَ] الزُّهْرِيُّ
(1) مقدمة " التمهيد " لابن عبد البر: ص 14: ب. وانظر " المحدث الفاصل ": ص 20: آ.
(2)
" المحدث الفاصل ": ص 20: آ.
(3)
مقدمة " التمهيد ": ص 15: آ. ونحوه في " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ص 168: ب.
(4)
" الجرح والتعديل ": ص 34 جـ 1.
(5)
المرجع السابق: ص 16 جـ 1.
(6)
مقدمة " التمهيد ": ص 15: ب.
(7)
" شرف أصحاب الحديث ": ص 80: ب مخطوط دار الكتب المصرية ضمن مجموعة برقم (ب - 23736) وعن مخطوطة المكتبة الظاهرية بدمشق: ص 39 جـ 1.
(8)
" صحيح مسلم بشرح النووي ": ص 87 جـ 1.
(9)
المرجع السابق: ص 88 جـ 1.
أَعْلَمَهُمْ بِالإِسْنَادِ، وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ أَعْلَمَهُمْ بِحَدِيثِ عَلِيِّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ عِنْدَ الأَعْمَشِ مِنْ كُلِّ هَذَا
…
» (1).
وأصبح الإسناد أَمْرًا بَدَهِيًّا مُسَلَّمًا به عند العامة والخاصة، ويظهر هذا فيما يرويه الأصمعي فيقول:«حَضَرْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ وَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحَ الشَّيْخُ يَرْحَمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ سُفْيَانُ: بِخَيْرٍ نَحْمَدُ اللَّهَ، قَالَ: مَا تَقُولُ فِي امْرَأَةٍ مِنَ الحَاجِّ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ؟ فَقَالَ: تَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالبَيْتِ ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ قُدْوَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ «عَائِشَةُ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ» ، قَالَ: هَلْ مِنْ بَلَاغٍ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِذَلِكَ. قَالَ الأَعْرَابِيٌّ: لَقَدِ اسْتَسْمَنْتَ القُدْوَةَ ، وَأَحْسَنْتَ البَلَاغَ ، وَاللَّهُ لَكَ بِالرَّشَادِ» (2)، وقال المدائني سمع أعرابي رجلاً يحدث بأحاديث غير مسندة فقال:«لِمَ تُرْسِلُهَ بِلَا أَزِمََّةُ وَلَا خَطْمِ (3)؟» .
ولا يطعن فيما قررناه من التزام التابعين للإسناد المتصل ما روي عن بعض التابعين من المراسيل، لأن هناك روايات تؤكد أن التابعي كان يذكر من حدثه عندما يسأل عن الإسناد، ومن هذا ما يرويه ابن عبد البر بإسناده المتصل عَنْ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الزُّهْرِيِّ وَإِلَى مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ فَيَقُولُ الزُّهْرِيُّ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ: الذِي ذَكَرْتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَنْ أَخْبَرَكَ بِهِ؟ قَالَ: ابْنُهُ سَالِمٌ. وَقَالَ حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينْ: سَلْ الحَسَنَ مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ العَقِيقَةِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ:
(1)" تذكرة الحفاظ ": ص 108 جـ 1.
(2)
" الكفاية ": ص 404.
(3)
" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع "، نسخة الإسكندرية: ص 164: ب.
مِنْ سَمُرَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ (ابن عبد البر): فَهَكَذَا مَرَاسِيلُ الثِّقَاتِ، إِذَا سُئِلُوا أَحَالُوا عَلَى الثِّقَاتِ
…
قَالَ سُلَيْمَانُ الأَعْمَشِ: «قُلْتُ لإِبْرَاهِيمَ: إِذَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا فَأَسْنِدْهُ، فَقَالَ: إِذَا قُلْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ (عنه)، وَإِذَا سَمَّيْتُ لَكَ أَحَدًا فَهُوَ الَّذِي سَمَّيْتُ» (1).
ومن هنا يتبين لنا أن أكثر من أرسلوا الحديث كانوا على جانب كبير من العلم، وكانوا يعرفون السند، وإنما لم يذكروه اختصارًا، ويظهر لنا هذا فيما رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ:«كُنَّا نَأْتِي قَتَادَةَ، فَيَقُولُ: بَلَغَنَا عَنِ النَّبِيِّ [عليه السلام]، وَبَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ، وَبَلَغَنَا عَنْ عَلِيٍّ، وَلَا يَكَاد يُسْنِدُ، فَلَمَّا قَدِمَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ البَصْرَةَ جَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَبَلَغَ قَتَادَةَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: سَأَلْتُ مُطَرِّفًا، وَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَحَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَ بِالإِسْنَاد» (2) ولم يكونوا يسألونه عن السند لثقة القوم به، ويدل على هذا ما رواه ابن سعد عَنْ مَعْمَرٍ:«وَكُنَّا نُجَالِسُ قَتَادَةَ وَنَحْنُ أَحْدَاثٌ، فَنَسْأَلُ عَنِ السَّنَدِ، فَيَقُولُ مَشْيَخَةٌ حَوْلَهُ: مَهْ، إِنَّ أَبَا الخَطَّابِ سَنَدٌ، فَيَكْسِرُونَا عَنْ ذَلِكَ» (3).
وهكذا نرى أن الإسناد المتصل كان قد أخذ نصيبه من العناية والاهتمام
(1) مقدمة " التمهيد " لابن عبد البر: ص 10، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي.
(2)
" طبقات ابن سعد ": ص 7 قسم 2 جـ 2.
(3)
المرجع السابق: ص 7 قسم 2 جـ 2.
(4)
" تقدمة الجرح والتعديل ": ص 166.