الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ: نَشَدْتُكُمْ بِاللهِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِهِ أَعَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّا لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» قَالُوا: «اللهُمَّ نَعَمْ» (1).
[ج] تَثَبُّتُ عُثْمَانٍ رضي الله عنه فِي الحَدِيثِ:
عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَتَى عُثْمَانُ الْمَقَاعِدَ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا، وَيَدَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَرِجْلَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ:«رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَكَذَا يَتَوَضَّأُ، يَا هَؤُلاءِ أَكَذَاكَ؟» قَالُوا: نَعَمْ. لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَهُ (2).
[د] تَثَبُّتُ عَلِيٍّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فِي الحَدِيثِ:
تِلْكَ آثارٌ تُبَيِّنُ مَنْهَجَ الصَّحَابَةِ فِي التَثَبَُتِ وَالتَّأَكُّدِ مِنَ الأَخْبَارِ، وَهَذَا لَا يَعْنِي أَبَدًا أَنَّ الصَّحَابَةَ اِشْتَرَطُوا قَبُولَ الحَديثِ، أَنْ يَرْوِيهِ رَاوِيَانِ فَأَكْثَرُ،
(1)" مسند الإمام أحمد ": ص 228 وص 186 و 187، جـ 1 بإسناد صحيح.
(2)
" مسند الإمام أحمد ": ص 272، جـ 1 بإسناد صحيح.
(3)
المرجع السابق: ص 154 و 174 و 178، جـ 1 بإسناد صحيح. ونحوه في " الكفاية ": ص 28، وانظر " تذكرة الحفاظ ": ص 10، جـ 1 ومقدمة " معرفة علوم الحديث ". رواه مسلم.
أو أنْ يشهد الناس على الراوي أو أنْ يستحلف، فإذا لم يحصل شيء من هذا رَدَّ خبره!! بل كان الصحابة يَتَثَبَّتُونَ في قبول الأخبار، ويتبعون الطريقة التي ترتاح إليها ضمائرهم، فأحيانًا يطلب عمر سماع آخر، وأحيانًا يقبل الخبر من غير ذلك، ولا يقصد من وراء عمله إِلَاّ حمل المسلمين على جادة التثبت العلمي والتحفظ في دين الله حتى لا يتقول أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، ويتضح هذا في قول عمر رضي الله عنه عندما رجع أبو موسى الأشعري مع أبي سعيد الخُدري وشهد له، قال عمر:«أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمْكَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» (1). ويظهر ذلك أَيْضًا من قول الذهبي بعد أن روى قصة أبي موسى: «أَحَبَّ عُمَرُ أَنْ يَتَأَكَّدَ عِنْدَه خَبَرَ أَبِي مُوسَى بِقَوْلِ صَاحِبٍ آخر، فَفِي هَذَا دَليلَ عَلَى أَنَّ الخَبَرَ إذَا رَوَاهُ ثِقَتَانِ كَانَ أَقْوَى وَأَرْجَحَ مِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ وَاحِدٌ ، وَفِي ذَلِكَ حَضٌّ عَلَى تَكْثِيرِ طُرُقِ الحَديثِ لِكَيْ يَرْتَقِي عَنْ دَرَجَةٍ الظَّنِّ إِلَى دَرَجَةِ العِلْمِ، إِذْ الوَاحِدُ يَجُوزُ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ وَالوَهْمُ ، وَلَا يُكَادُ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى ثِقَتَيْنِ لَمْ يُخَالِفْهُمَا أَحَدٌ» (2).
وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ بَعْدَ إِيرَادِ طَرِيقَةً الصِدِّيقِ فِي التَثَبُّتِ: «إِنَّ مُرَادَ الصِدِّيقِ التَثَبُّتَ فِي الأَخْبَارِ وَالتَحَرِّي، لَا سَدَّ بَابَ الرِوَايَةِ» (3).
وكما طلب الصحابة من الراوي شهادة غيره أَيْضًا، قبلوا أحاديث كثيرة برواية الآحاد وَبَنَوْا عليها أحكامهم.
ومن الغريب أن يجعل بعض المُتَطَرِّفِينَ في الإسلام عمل الصحابة هذا دُسْتُورًا في قبول الأخبار ولا يجعلون قبول الصحابة خبر الآحاد دُسْتُورًا لهم
(1)" موطأ مالك ": ص 964 جـ 2 ، و" الرسالة ": ص 435، و" توجيه النظر ": ص 16.
(2)
" تذكرة الحفاظ ": ص 6، 7 جـ 1.
(3)
المرجع السابق: ص 4 جـ 1.
أَيْضًا بَلْ يَردُّونه ولا يقبلونه، وقد حكى ذلك الحافظ أبو بكر محمد بن أبي عثمان الْحَازِمِيُّ (1) عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْمُعْتَزِلَةِ، وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، قال شيخ الإسلام (ابن حجر): «وَقَدْ فَهِمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ كَلَامِ الحَاكِمِ فِي " عُلُومِ الْحَدِيثِ "، وفي " الْمَدْخَلِ "
…
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمَيَانَجِيُّ (2) فِي كِتَابِ " مَا لَا يَسَعُ الْمُحَدِّثَ جَهْلُهُ ": «شَرْطُ الشَّيْخَيْنِ فِي " صَحِيحِهِمَا " أَنْ لَا يُدْخِلَا فِيهِ» (3) إِلَاّ مَا صَحَّ عِنْدَهُمَا، وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَمَا نَقَلَهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فَأَكْثَرُ، وَأَنْ يَكُونَ (4) عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ». انْتَهَى.
قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: «وَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَمْ يُمَارِسْ " الصَّحِيحَيْنِ " أَدْنَى مُمَارَسَةٍ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَيْسَ فِي الكِتَابَيْنِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمَا أَبْعَدَ» .
وَقَالَ ابْنُ العَرَبِيِّ فِي " شَرْحِ المُوَطَّأِ ": «كَانَ مَذْهَبُ الشَّيْخَيْنِ (البُخَارِي وَمُسْلِمٌ) أَنَّ الحَدِيثَ لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَرْوِيهِ اثْنَانِ، قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ، بَلْ رِوَايَةُ الوَاحِدِ عَنِ الوَاحِدِ صَحِيحَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم» (5).
(1) المُتَوَفَّى سَنَةَ (584 هـ).
(2)
المُتَوَفَّى سَنَةَ (580 هـ).
(3)
هكذا في " التدريب " والأصوب أَنْ يقول: «فِيهِمَا» .
(4)
هكذا في " التدريب " والأصوب أنْ يقول: «وَكَانَ رُوَاتُهُ» .
(5)
" تدريب الراوي ": ص 27. وقد قال باشتراط رجلين عن رجلين في شرط القبول إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّةَ (وهو إسماعيل بن مقسم الأسدي، حافظ من الطبقة الثامنة نُسِبَ إِلَى أُمِّهِ وهو ثقة كما في " التقريب ") تُوُفِيَ سَنَةَ 193 هـ وهو من الفُقَهَاءِ المُحَدِّثِينَ، إلَاّ أنه مهجور القول عند الأئمة لميله إلى الاعتزال، وقد كان الشافعي يَرُدُّ عَلَيْهِ ويُحَذِّرُ مِنْهُ. انظر " تدريب الراوي ": ص 28.
إِنَّ تثبت الصحابة في بعض الأحايث بطلب رَاوِيَيْنِ للخبر لم يكن شرطًا لقبول جميع المروايات، بل قبلوا أخبارًا كثيرة عن مُخْبِرٍ واحدٍ، وعملوا بها في مواضع كثيرة، مِمَّا يَدُلُّ على أنهم رضي الله عنهم كانوا يطلبون الراوي الثاني لمجرد التثبت والتأكد، لَا لأَنَّ الخبر لا يثبت عندهم إلَاّ بِرَاوِيَيْنِ، والأخبار التي قَبِلَهَا الخلفاء الأربعة وغيرهم برواية آحَادٍ أكثر بكثير من الأخبار التي طلبوا فيها رَاوِيَيْنِ، وإليكم بعض تلك الآثار:
1 -
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ: أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ: «الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا، حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ» ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عُمَرُ رضي الله عنه (2).
(1)" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص 81. ذكر الأساتذة مُؤَلِّفُو " تاريخ التشريع الإسلامي " بالحرف الواحد: «أَمَا الآحَادُ فَلِمَقَامِ الشُبْهَةِ فِي ثُبُوتِهُ اِخْتَلَفَتْ طُرُقُ الصَّحَابَةِ فِي الأَخْذِ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ يَقْبَلَانِ مِنْ الأَحَادِيثِ إلَاّ مَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُمَا سَمِعَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم». انظر الصفحة 93 من " تاريخ التشريع الإسلامي " لِلْسُّبْكِي وزملائه، وهذا التعميم غير مطابق للواقع كما سنرى.
(2)
" الرسالة " ص 426، الفقرة 1172.
2 -
3 -
وَاِسْتَشَارَ المُهَاجِرِينِ وَالأَنْصَارَ وَمَشْيَخَةَ قُرَيْشِ مِنْ مُهَاجَرَةِ الفَتْحِ، وَاِخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ حَتَّى جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:" إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ ، فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا ، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ "(5) قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ رضي الله عنه بِالنَّاسِ لِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رضي الله عنهم جَمِيعًا -.
4 -
رَوَى الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ عَنْ الإِمَامِ مَالِكٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ (زَيْنُ العَابِدِينَ): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ المَجُوسَ. فَقَالَ: " مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي
(1) المسطح: عود من أعواد الخباء والفسطاط.
(2)
الغُرَّةُ: العَبْدُ أَوْ الأَمَةُ. " الرسالة " ص 426، 427، الفقرة 1174.
(3)
سرغ: هي قرية في طرف الشام مِمَّا يلي الحجاز. والأجناد: المراد بها مُدُنُ الشام الخمسة، وهي فلسطين والأردن ودمشق وحمص وقنسرين. قال الإمام النووي:«هَكَذَا فَسَّرُوهُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِلَسْطِينَ اسْمٌ لِنَاحِيَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَالأَرْدُنُّ اسْمٌ لِنَاحِيَةِ سِيَّانَ وَطَبَرِيةَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا وَلَا يَضُرُّ إِطْلَاقُ اسْمِ المَدِينَةِ عَلَيْهِ» انظر هامش الصفحة 1740، جـ 4 من " صحيح مسلم ".
(4)
" صحيح الإمام مسلم ": ص 1740، جـ 4 ولَخَّصَ الخَبَرَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي " رسالته ": ص 429 فقرة 1180، وانظر " الإحكام " لابن حزم: ص 13، جـ 2.
(5)
" صحيح الإمام مسلم ": ص 1740، جـ 4.
أَمْرِهِمْ؟ " فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (1)
5 -
وَقَبِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ خَبَرَ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ في المسح عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَأَمَرَ ابْنَهَ عَبْدَ اللهِ أَلَاّ يُنْكِرَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ:«إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ بِشَيْءٍ فَلا تَرُدَّ عَلَيْهِ، " فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ "» (2).
وفي رواية: «إِذَا حَدَّثَكَ سَعْدٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا فَلا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ» (3). وهذا دليل واضح على قبول خبر الآحاد، حتى إنَّ عُمَرَ ينهى ابنه عن أنْ يسأل غير سعد إذا حَدَّثَهُ سعدٌ عن رسول الله، ولو كان شرط عمر عدم قبول الخبر إلَاّ عن رَاوِيَيْنِ لأَمَرَ ابنه أَنْ يطلب مع سَعْدٍ رَاوِيًا آخر، ولم ينهه عن سؤال غيره.
6 -
وأراد رجم مجنونة حتى أُعْلِمَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ (4)» ، فَأَمَرَ أَنْ لَا تُرْجَمَ.
وأمر برجم مولاة حَاطِبٍ، حَتَّى ذَكَّرَهُ عثمان بِأَنَّ الجاهل لَا حَدَّ عليه، فأمسك عن رجمها (5).
(1)" الرسالة ": ص 430 فقرة 1182 وانظر " الكفاية في علم الرواية ": ص 27 و" الإحكام ": ص 13، جـ 2.
(2)
" مسند الإمام أحمد ": ص 191 حديث 87، جـ 1 وفي ص 192 مختصرًا وكلاهما بإسناد صحيح.
(3)
" مسند الإمام أحمد ": ص 192 حديث 88، جـ 1. بإسناد صحيح.
(4)
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن السيدة عَائِشَة عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ المُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ» " الجامع الصغير ": ص 23، جـ 2 بإسناد صحيح. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن عمر وعَلِيٍّ رضي الله عنهما عَنْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم «رُفِعَ القَلَم عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ المَجْنُونِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنْ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ». المرجع نفسه.
(5)
" الإحكام " لابن حزم: ص 13، جـ 2.
7 -
وكان يفاضل بين ديات الأصابع حتى بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالمساواة بينها، فترك قوله وأخذ بالمساواة (1).
8 -
وقد اشتهر خبر تناوب عمر رضي الله عنه وجاره في حضور حلقات الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيه يقول عمر: «
…
يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنْ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ
…
» (2). وهذا إقرار من أمير المؤمنين رضي الله عنه بقبول خبر جاره، ولا فرق بين جاره وغيره ممن تقبل روايته.
وهكذا نرى من تلك الأخبار وغيرها أَنَّ عمر رضي الله عنه لم يشترط لقبول الأخبار راويين، وما صدر منه مع أبي موسى رضي الله عنه بَيَّنَ سببه بنفسه كما سبق أنْ ذكرت ذلك، وكان من باب الاحتياط والتثبت، لا من باب عدم قبول الخبر إِلَاّ مِنْ رَاوِيَيْنِ.
ومثل هذا يقال في بقية الأخبار التي طلب فيها رَاوِيَيْنِ.
وأما ما ذكر عن موقف أبي بكر رضي الله عنه، وَتَثَبُّتِهِ فِي قبول الأخبار، فإنه لا يعدو باب الاستظهار والاستيثاق، ثم إنه لم يرو عنه أنه طلب رَاوِيًا آخر إلَاّ في تلك الحادثة التي ذكرها الإمام الذهبي، وقد رَدَّهَا ابن حزم (3) وَأَعَلَّهَا بالانقطاع، فهي لا تصلح مِقْيَاسًا صَحِيحًا لشرط أبي بكر في قبول الأخبار، وهو
(1)" الإحكام " لابن حزم: ص 13 جـ 2، وانظر " الرسالة ": ص 422 فقرة 116 إلَاّ أنَّ الشافعي يَنُصُّ على أنَّ الصحابة بعد وفاة عمر رضي الله عنه وجدوا كتاب آل عمرو بن حزم وفيه أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِل» ، فصاروا إليه. انظر الفقرة (1162) من الصفحة 422.
(2)
" فتح الباري ": 195 جـ 1.
(3)
انظر " الإحكام " لابن حزم: ص 141 جـ 2.
الذي قبل أخبارًا كثيرة برواية مخبر واحد.
وقد سبق أنْ بَيَّنْتُ منهجه في حكمه وقضائه كما ذكره ابن القيم، ولم يذكر أنه كان يطلب ممن يأتيه بالخبر شاهدًا على ما يقول
…
وقد قَبِلَ خَبَرَ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي كَفَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم (1).
وأما عثمان رضي الله عنه فَإِنَّه لَمْ يَطْلُبْ رَاوِيَيْنِ لَكُلِّ خَبَرٍ، وَكُلُّ مَا صَدَرَ عَنْهُ أَنَّهُ اِسْتَشْهَدَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ وَضُوءَهُ، لِيُؤَكِّدُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَضُوءُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ عَمَلَ بِأَخْبَارِ الآحَادِ، فَقَدْ سَأَلَ الفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكٍ بْنَ سِنَانِ أُخْتَ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ عَنْ عِدَّتِهَا لِوَفَاةِ زَوْجِهَا (2)، وَقَضَى بِخَبَرِهَا.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه من استحلاف مُخْبِرِيهِ، فَإِنَّ هذا لم يكن منهجه وديدنه في قبول جميع الأخبار، بل قَبِلَ بعض الأخبار من غير أَنْ يستحلف الرُوَاةَ، فَقَبِلَ أخبار أبي بكر - كما ذكر هو نفسه - ولا فرق بين أبي بكر رضي الله عنه وغيره ممن تقبل روايته، كما عمل بخبر المقداد بن الأسود في حُكْمِ المَذْيِ (3) من غير أنْ يحلفه.
وهكذا يتبين لنا أَنَّ الخلفاء الأربعة لم تكن لهم شروط خاصة لقبول الأخبر، وَأَنَّ كل ما روي عنهم مما يوهم ذلك لا يعدو التثبت والاستظهار، وقد قبلوا أخبار الآحاد كما قبلها غيرهم من عامة الصحابة وعلمائهم. وكل ما صدر
(1)" الإحكام " لابن حزم: ص 12 جـ 2.
(2)
أخرج حديث فريعة أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي والذهلي. انظر " سبل السلام ": ص 203 جـ 3، وانظر " الكفاية ": ص 22 و " الإحكام ": ص 15 جـ 2.
(3)
انظر " مسند الإمام أحمد " ص 39 حديث 606 وص 46 حديث 618، جـ 2 بإسناد صحيح، و " فتح الباري ": ص 294 و 394 جـ 1، و " صحيح مسلم ": ص 247 حديث 17 - 19 جـ 1.
عنهم كان في سبيل المحافظة على السُنَّةِ الطَّاهِرَةِ.
[هـ] ولم يكن التابعون وأتباعهم أقل اهتمامًا من الصحابة بالاحتياط لقبول الحديث، فكانوا يتثبتون من الراوي بكل وسيلة تطمئن إليها قلوبهم، وَإِنَّ من يتتبع تاريخ الرُوَاةِ، وكيفية تحملهم الحديث الشريف ليدرك تَمَامًا جهود التابعين وأتباعهم، تلك الجهود التي بذلوها لنقل السُنَّةِ إِلَى خَلَفِهِمْ. وإليكم بعض أخبارهم في هذا الموضوع:
قِيلَ لِمِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ: مَا أَكْثَرَ تَشَكُّكَ؟ قَالَ: «تِلْكَ مَحَامَاةٌ عَنِ اليَقِينِ» (1).
وكان يزيد بن أبي حبيب مُحَدِّثُ الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ يَقُولُ: «إِذَا سَمِعْتَ الحَدِيثَ فَانْشُدْهُ كَمَا تُنْشَدُ الضَالَّةُ، فَإِنْ عُرِفَ فَخُذْهُ، وَإِلَاّ فَدَعْهُ» (2).
فلم يكن للتابعين وأتباعهم شروط خاصة في قبول الرواية، ولم يُرْوَ عن أحدهم أنه اشترط لقبول الخبر راويين أو أكثر، بل كانوا يتحملون عن كل من توافرت فيه شروط التحمل والأداء، إلى جانب العدالة التي أجمع عليها المحدثون، فإذا ما سقطت عدالة رَاوٍ طرحوا أخباره وامتنعوا عن الأخذ عنه. ومع هذا كانوا يتثبتون في قبول الأخبار بكل وسيلة تطمئن إليها قلوبهم، لأَنَّ وصايا الصحابة وكبار التابعين لا تزال قائمة في نفوسهم، تذكرهم «أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ» .
وكانوا يرون الأمانة في الذهب والفضة أيسر من الأمانة في الحديث (3)، فَنَسْمَعُ عَنْ سُلَيمان بن موسى أنه لقي طاوسًا فقال له: «إِنَّ رَجُلاً حَدَّثَنِي بِكِيتَ
(1)" المحدث الفاصل ": ص 132: ب.
(2)
" الجرح والتعديل ": ص 19 جـ 1.
(3)
انظر " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ص 160: آ.
وَكِيتَ، فَيَقُولُ لَهُ:" إِنْ كَانَ مَلِيًّا فَخُذْ مِنْهُ "» (1). وكان ابن عون يقول: «لَا يُؤْخَذُ هَذَا العِلْمُ إِلَاّ مِمَّنْ شُهِدَ لَهُ بِالطَّلَبِ (2)» . ويسمع شُعْبَةُ بن الحجاج عبدَ اللهِ بن دينار يُحَدِّثُ في الولاء وهبته عن عبد الله بن عمر، فيستحلفه: هل سمعه من ابن عمر؟ فيحلف له (3). وَيُحَدِّثُ الحَكَمُ عن سعيد بن المسيب في دية اليهودي والنصراني والمجوسي، فيقول له شعبة:«أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ سَعِيدٍ بْنِ المَسَيِّبِ؟» فَيَقُولَ: «لَوْ شِئْتَ سَمِعْتَ مِنْ ثَابِتَ الحَدَّادِ» ، قَالَ شُعْبَةُ:«فَأَتَيْتُ ثابتًا الحَدَّادَ فَحَدَّثَنِي عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ» (4). فلا يمكننا أن نحكم على شعبة أنه لم يكن يقبل رواية أحد إلا بعد تحليفه، أو الاستيثاق برواية آخر معه. بل كل هذا كان من باب التثبت والاستيثاق والتأكد مما يسمعون، حِرْصًا منهم على حفظ الحديث النبوي الشريف.
…
(1)" الجرح والتعديل ": ص 27 جـ 1.
(2)
المرجع السابق: ص 28 جـ 1.
(3)
تقدمة " الجرح والتعديل ": ص 170.
(4)
المرجع السابق: ص 170. ومن هذا الباب ما كان يتأكد منه رجال الحديث، فقد قال الليث بن سعد: «قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ يُرِيدُ الإِسْكَنْدَرِيَّةَ مُرَابِطًا، فَنَزَلَ عَلَىَ جَعْفَرَ بْنَ رَبِيعَةَ، قَالَ: فَعَرَضُوا لَهُ بِالحُمْلَانِ، وَعَرَضُوا لَهُ بِالمَعُونَةِ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَصْحَابُنَا يَزِيدُ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ وَغَيْرَهُ فَأَقْبَلَ يُحَدِّثُهُمْ: حَدَّثَنِي نَافِعُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَجَمَعُوا تِلْكَ الأَحَادِيْثِ وَكَتَبُوا بِهَا إِلَى ابْنِ نَافِعٍ، وَقَالُوا لَهُ: " إِنَّ رَجُلاً قَدِمَ عَلَيْنَا وَخَرَجَ إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّةِ مُرَابِطًا وَحَدَّثَنَا، فَأَجَبْنَا أَلَاّ يَكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ فِيهَا أَحَدٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ، " وَاللهِ مَا حَدَّثَ أَبِي مِنْ هَذَا بِحَرْفٍ قَطُّ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ وَاحْذَرُوا قُصَّاصَنَا وَمَنْ يَأْتِيَكُمُ "» انظر مقدمة " التمهيد ": ص 14: ب.