الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَبِي هُرَيْرَةَ أَوَّلاً، فَسَاقَ فِي الحَالِ إِسْنَادَهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: سَمِعَ الحَسَنُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» (1).
ومن هذا ما ذكرناه عن سيف بن عمر الذي روى خبر وضع سعد بن طريف لحديث «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ
…
» (2).
…
[ب] عَلَامَاتُ الوَضْعِ فِي المَتْنِ:
مقدمة: قال الإمام ابن قيم الجوزية: «وَسُئِلْتُ: هَلْ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ [الحَدِيثِ] المَوْضُوعِ بِضَابِطٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ فِي سَنَدِهِ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ تَضَلَّعَ فِي مَعْرِفَةِ السَّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَاخْتَلَطَتْ [بِلَحْمِهِ وَدَمِّهِ] وَصَارَ لَهُ فِيهَا مَلَكَةٌ، وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاصٌ شَدِيدٌ بِمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالآثَارِ وَمَعْرِفَةِ [سِيرَةِ] رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهَدْيِهِ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَيُخْبِرُ عَنْهُ وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَيُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ وَيُشْرِعُهُ لِلأُمَّةِ بحيث كَأَنَّهُ مُخَالِطٌ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كَوَاحِدٍ مِنَ أَصَحَابِهِ.
فَمِثْلُ هَذَا يَعْرِفُ مِنْ أَحْوَالِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَهَدْيِهِ وَكَلامِهِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ وَمَا لا يَجُوزُ مَا لا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مُتَّبِعٍ مَعَ مَتْبُوعِهِ، [فَإِنَّ] لِلأَخَصِّ بِهِ الحَرِيصَ عَلَى تَتَبُّعِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنَ الْعِلْمِ بِهَا، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَصِحُّ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ وَمَا لا يَصِحُّ مَا لَيْسَ لِمَنْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ. وَهَذَا شَأْنُ المُقَلِّدِينَ مَعَ أَئِمَّتِهِمْ يَعْرِفُونَ أَقْوَالَهُمْ وَنُصُوصَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ» (*) وأساليبهم ومشاربهم - ما لا يعرفه غيرهم (3).
(1)" قواعد التحديث ": ص 133. وَقِيلَ لِمَأْمُونِ بْنِ أَحْمَدَ الهَرَوِيِّ: أَلَا تَرَى إِلَى الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ تَبِعَهُ بِخُرَاسَانَ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
…
عَنْ أَنَسٍ، مَرْفُوعًا:«يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ» . انظر " تدريب الراوي ": ص 181.
(2)
انظر ص 217، 218 في الفصل السابق من هذا الباب.
(3)
" المنار " لابن قيم الجوزية: ص 15. وانظر " قواعد التحديث ": ص 148.
----------------------
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) إلى هذا الحد ينتهي كلام ابن القيم، وما بعده من كلام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي.
انظر " المنار المنيف " لابن القيم، تحقيق وتعليق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ص 44، الطبعة الثانية: 1403 هـ - 1983 م، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، سوريا.
قال ابن دقيق العيد: «وَكَثِيرًا مَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ (أَيْ بِالوَضْعِ) بِاعْتِبَارٍ يَرْجِعُ إِلَى المَرْوِيِّ وَأَلْفَاظِ الحَدِيثِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا حَصَلَتْ لَهُمْ بِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ وَمَلَكَةٌ يَعْرِفُونَ بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ،
…
فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الوَضْعِ مِنْ قَرِينَةِ حَالِ المَرْوِيِّ أَكْثَرُ مِنْ قَرِينَةِ حَالِ الرَّاوِي» (1).
ومن القرائن التي تدل على الوضع في المتن:
1 -
ركاكة اللفظ في المروي:
بحيث يدرك من له إلمام باللغة أن هذا ليس من فصاحة النبي، وقد وضعت أحاديث ركيكة تشهد ألفاظها ومعانيها لوضعها. قال الحافظ ابن حجر:«المَدَارُ فِي الرِّكَّةِ عَلَى رِكَّةِ المَعْنَى، فَحَيْثُمَا وُجِدَتْ دَلَّ عَلَى الوَضْعِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ رِكَّةُ اللَّفْظِ ; لأَنَّ هَذَا الدِّينَ كُلُّهُ مَحَاسِنُ، وَالرِّكَّةُ تَرْجِعُ إِلَى الرَّدَاءَةِ، أَمَّا رَكَاكَةُ اللَّفْظِ فَقَطْ، فَلَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى، فَغَيَّرَ أَلْفَاظَهُ بِغَيْرِ فَصِيحٍ، ثُمَّ إِنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكَاذِبٌ» (2).
2 -
فساد المعنى: كالأحاديث التي يكذبها الحس، نحو حديث:«البَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ» (3) و «البَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» (4)، ومنها سماجة الحديث، وكونه مما يسخر منه كحديث:«لَوْ كَانَ الأَرُزُّ رَجُلا لَكَانَ حَلِيمًا، مَا أَكَلَهُ جَائِعٌ إِلا أَشْبَعَهُ» (5). قال ابن قيم الجوزية: «فَهَذَا مِنَ السَّمِجِ الْبَارِدِ الَّذِي يُصَانُ عَنْهُ كَلَامِ العُقَلَاءِ، فَضْلاً
(1)" توضيح الأفكار ": ص 94 جـ 2.
(2)
" الباعث الحثيث ": ص 90.
(3)
" المنار " لابن قيم الجوزية: ص 19.
(4)
" المنار " لابن قيم الجوزية: ص 19.
(5)
" المنار " لابن قيم الجوزية: ص 20.
عَنْ كَلَامِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ» (1)، وحديث:«مَنِ اتَّخَذَ دِيكًا أَبْيَضَ لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ وَلا سِحْرٌ» (2)، وكل ما يدل على إباحة المفاسد والسير وراء الشهوات كحديث:«ثَلاثَةٌ تُزِيدُ فِي البَصَرِ: النَّظَرُ إِلَى الخُضْرَةِ، وَالمَاءِ الْجَارِي، وَالوَجْهِ الحَسَنِ» (3). وحديث «النَّظَرُ إِلَى الوَجْهِ الجَمِيلِ عِبَادَةٌ» (4). قال ابن قيم الجوزية: «وَكُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ ذِكْرِ حِسَانِ الوُجُوهِ أَوِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، أَوِ الأَمْرِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِمْ، أَوِ الْتِمَاسِ الحَوَائِجِ مِنْهُمْ، أَوْ أَنَّ النَّارَ لا تَمَسَّهُمْ - فَكِذْبٌ مُخْتَلَقٌ، وَإِفْكٌ مُفْتَرَى» (5).
ومن الموضوعات كل حديث تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه كـ «حَدِيثِ عَوَجْ بْنُ عُنُقٍ» الطويل، الذي قصد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء، فإن في هذا الحديث:«أَنَّ طُولَهُ كَانَ ثَلاثَةَ آلافِ ذِرَاعٍ وَثَلاثِ مِائَةٍ وَثَلاثَةَ وَثَلاثِينَ وَثُلْثًا، وَأَنَّ نُوحًا لَمَّا خَوَّفَهُ الْغَرَقُ، قَالَ لَهُ: احْمِلْنِي فِي قَصْعَتِكَ هَذِهِ، وَأَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ [يَصِلْ] إِلَى كَعْبِهِ، وَأَنَّهُ خَاضَ البَحْرَ، فَوَصَلَ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الحُوتَ مِنْ قَرَارِ البَحْرِ فَيَشْوِيهِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، وَأَنَّهُ قَلَعَ صَخْرَةً عظيمة عَلَى قَدْرِ عَسْكَرِ مُوسَى، وَأَرَادَ أَنْ يَرْمِيهِمْ بِهَا [فَقَوَّرَهَا] (*) اللَّهُ فِي عُنُقِهِ مِثْلَ الطَّوْقِ» (6).
وكذلك كل حديث يشتمل على سخافات لا تصدر عن العقلاء، فكيف تصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم كحديث:«المَجَرَّةُ التِي فِي السَّمَاءِ مِنْ عَرَقِ الأَفْعَى الَّتِي تَحْتَ العَرْشِ» (7)، وحديث:«المُؤْمِنُ حُلْوٌ يُحِبُّ الحَلَاوَةَ» (8).
(1)" المنار المنيف " لابن قيم الجوزية: ص 20.
(2)
المرجع السابق: ص 21.
(3)
" المنار ": ص 24.
(4)
" المنار ": ص 24.
(5)
" المنار ": ص 24.
(6)
المرجع السابق: ص 29، 30.
(7)
المرجع السابق: ص 23.
(8)
" المنار ": ص 25.
----------------------
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) ورد في الكتاب المطبوع: (فَطَوَّقَهُ اللهُ) في حين أنه ورد في " المنار المنيف " كما أثبتها. انظر " المنار المنيف في الصحيح والضعيف " لابن قيم الجوزية، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ص 77، حديث رقم 135، فصل 17، طبعة سَنَةِ 1403 هـ - 1983 م، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب - سوريا.
وحديث «الهَرِيسَةُ تَشُدُّ الظَهْرَ» (1) - كلها وأمثالها من وضع الوضاعين الذين افتروا على رسول الله الكذب، ووضعوا ما يخالف الشريعة وما ينافي رسالة الأنبياء الذين جاءوا يخاطبون أولي الألباب ويأمرون بالمعقول، ولم تكن رسائلهم لتفضيل طعام على طعام، وإثارة الشهوات، ورواية الأساطير، والخرافات، والإتيان بما يرده الحق ويرفضه العقل. وفي هذا كلمة لابن الجوزي قال:«مَا أَحْسَنَ قَوْلَ القَائِلِ: إِذَا رَأَيْتَ الحَدِيثَ يُبَايِنُ المَعْقُولَ أَوْ يُخَالِفُ المَنْقُولَ أَوْ يُنَاقِضُ الأُصُولَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ» (2).
3 -
ما يناقض نص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي (3)، وما يناقض السنة مناقضة بَيِّنَةً:
قال ابن قيم الجوزية: «وَمِنْهَا (4) مُخَالَفَةُ الحَدِيثِ صَرِيحَ الْقُرْآنِ كَحَدِيثِ " مِقْدَارِ الدُّنْيَا وَأَنَّهَا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ " وَيَجِيءُ فِي الأَلْفِ السَّابِعَةِ» (5). وهذا من أبين الكذب، لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا (6) مائتان وخمسون سَنَةً. والله تعالى يقول:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي، لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَاّ هُوَ. ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَاّ بَغْتَةً. يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} (7) وقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ
(1)" المنار ": ص 25.
(2)
" تدريب الراوي ": ص 180.
(3)
انظر " توضيح الأفكار ": ص 96 جـ 2.
(4)
أي الأمور التي يعرف بها كون الحديث موضوعًا.
(5)
لعله يريد أنه يجيء نهاية عمر الدنيا في الألف السابعة.
(6)
عاش ابن قيم الجوزية من سَنَةِ (691 إلى سَنَةِ 752 هـ).
(7)
[سورة الأعراف، الآية: 187].
عِلْمُ السَّاعَةِ} (1) وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَاّ اللَّهُ» (2).
ومما وضع مناقضًا للسنة مناقضة بينة «أَحَادِيثُ مَدْحِ مَنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدُ وَأَنَّ كُلَّ مَنْ يُسَمَّى بِهَذِهِ الأَسْمَاءِ لا يَدْخُلُ النَّارَ. وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ النَّارَ لا يُجَارُ مِنْهَا بِالأَسْمَاءِ وَالأَلْقَابِ، وَإِنَّمَا النَّجَاةُ مِنْهَا بِالإِيمَانِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ» (3).
وجميع الأحاديث التي تنص على وصاية عَلِيٍّ رضي الله عنه أو على خلافته غير صحيحة، وهي موضوعة، لأنها تخالف ما أجمعت عليه الأمة من أنه صلى الله عليه وسلم لم ينص على تولية أحد بعده.
4 -
كل حديث يَدَّعِي تواطؤ الصحابة على كتمان أمر، وعدم نقله كما تزعم الشيعة:«أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ، وَهُمْ رَاجِعُونَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَقَامَهُ بَيْنَهُمْ حَتَّى عَرِفَهُ الجَمِيعُ ثُمَّ قال: "هَذَا وَصِيِّي وَأَخِي وَالْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا " ثُمَّ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلَى كِتْمَانِ ذَلِكَ وَتَغْيِيرِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ» (4).
5 -
كل حديث يخالف الحقائق التاريخية التي جرت في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو اقترن بقرائن تثبت بطلانه، مِثْلَ «حَدِيثِ وَضْعِ الجِزْيَةِ عَنْ أَهْلِ خَيْبَرَ» ، كذب من عدة وجوه:
(1)[سورة لقمان، الآية: 34].
(2)
" المنار ": ص 21.
(3)
" المنار ": ص 22.
(4)
" المنار ": ص 22.
أحدها: أن فيه شهادة سعد بن معاذ، وسعد توفي قبل ذلك في غزوة الخندق.
الثاني: أن الجزية لم تكن نزلت حينئذٍ، ولا يعرفها الصحابة ولا العرب وإنما نزلت بعد عام تبوك، حين وضعها النبي صلى الله عليه وسلم على نصارى نجران ويهود اليمن
…
وَبَيَّنَ ابن قيم الجوزية كذب هذا في عشرة أدلة قوية (1).
ومثاله ما رواه الإمام مسلم بسنده عَنْ أَبِي وَائِلٍ قال: «خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ» ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ -:«أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ المَوْتِ؟» (2) فابن مسعود تُوُفِّيَ قبل صِفِّينَ سَنَةَ 32 هجرية.
6 -
7 -
(1) انظر " المنار ": ص 37، 38.
(2)
انظر " صحيح مسلم بشرح النووي ": ص 117 جـ 1.
(3)
" توضيح الأفكار ": ص 96 جـ 2.
(4)
" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي: ص 118.
8 -
اشتمال الحديث على مجازفات وإفراط في الثواب العظيم مقابل عمل صغير، مثال ذلك:«مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، خَلَقَ اللهُ لَهُ طَائِرًا لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ، سَبْعُونَ أَلْفَ لُغَةٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ» . و «مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، أُعْطِيَ فِي الجَنَّةِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَدِينَةٍ، فِي كُلِّ مَدِينَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ حَوْرَاءَ» .
وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقًا قصد التنقيص بالرسول صلى الله عليه وسلم (1).
وإلى جانب هذه القواعد، فقد تكونت عند أكثر العلماء ملكة خاصة، نتيجة لدراستهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه ومقارنة طرقه، فأصبحوا يعرفون - لكثرة ممارستهم هذا - ما هو كلام الصادق المصدوق وما ليس من كلامه، وفي هذا يقول ابن الجوزي:«الحَدِيثُ المُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ لَهُ جَلْدُ الطَّالِبِ لِلْعِلْمِ، وَيَنْفِرُ مِنْهُ قَلْبُهُ فِي الغَالِبِ» (2)، ويقول الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ - أَحَدُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ -:«إِنَّ مِنَ الحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ النَّهَارِ نَعْرِفُهُ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نَعْرِفُهُ بِهَا» (3).
هذه أهم القواعد التي وضعها جهابذة علم الحديث لتمييز الموضوع من
(1)" المنار ": ص 19.
(2)
" الباعث الحثيث ": ص 90.
(3)
" معرفة علوم الحديث ": ص 62، و " المحدث الفاصل ": ص 63: آ. وانظر " الكفاية ": ص 431: وذكر الربيع بن خثيم في بعض المصادر (خَيْثَمُ) كما في كتاب " الجمع بين رجال الصحيحين ": ص 134 جـ 1 والصواب (خُثَيْمٍ) كما في " طبقات " ابن سعد: ص 127 جـ 6 وغيره.
الصحيح، كما أنهم بحثوا بدقة تامة عن الأحاديث الموضوعة، وصنفوها حتى تعرف لأهل العلم ولا تشتبه عليهم، ونلاحظ أن هذه القواعد تناولت الحديث سَنَدًا وَمَتْنًا، فلم تقتصر جهود العلماء على نقد سند الحديث فقط دون متنه، كما ادعى بعض المستشرقين وَأَيَّدَهُمْ في ذلك بعض الكاتبين المسلمين، وسنستعرض بعض آرائهم في هذا الموضوع، ليظهر لنا بطلان ما ادعوا وزيف ما زعموا على ضوء ما بَيَّنَّاهُ.
***