الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وصعاب المسائل (1)، ومشهور عن معلم الخير صلى الله عليه وسلم أنه:«مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَاّ أَخَذَ (2) أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ. وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ إِلَاّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فَيَنْتَقِمَ للهِ بِهَا» (3).
وكان صلى الله عليه وسلم في معاملته للمسلمين جَمِيعًا أَخًا مُتَوَاضِعًا ومُعلِّمًا حَلِيمًا، بَلْ كَانَ أَبًا رَحِيمًا، فإذا ما أراد أَنْ يُعَلِّمَ أصحابه بعض الآداب خاطبهم ألين الخطاب وأحبه إلى نفس المخاطب، فيقول مثلاً:«إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الوَالِدِ إِذَا أَتَيْتُمْ الغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا» (4) وإذا ما أعجب أصحابه به، وحاول بعضهم الثناء عليه أو اطراءه أبى ذلك وقال:«لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (5)، فلم يرض أن يرفعوه عن درجة البشر ويعظموه، وما كان ينتظر منهم جَزَاءً وَلَا شُكُورًا.
تَعْلِيمُ النِّسَاءِ:
جَاءَ نِسْوَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا نَقْدِرُ
(1) انظر " عيون الأخبار ": ص 117 جـ 2، ذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قال:«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الأُغْلُوطَاتِ» . قال الأوزاعي: «يَعْنِي صِعَابَ المَسَائِلِ» .
(2)
كذا في النص.
(3)
" فتح الباري " في حديث عائشة رضي الله عنها: ص 385 و 386 جـ 7.
(4)
" مسند الإمام أحمد ": ص 100 حديث 7362 جـ 13 ونحوه في " فتح الباري ": ص 255 جـ 1.
(5)
" مسند الإمام أحمد ": ص 226 حديث 164 جـ 1 بإسناد صحيح عن ابن عباس عن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عَلَيْكَ فِي مَجْلِسِكَ مِنَ الرِّجَالِ، فَوَاعِدْنَا مِنْكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ. قَالَ:«مَوْعِدُكُنَّ بَيْتُ فُلَانٍ» . وَأَتَاهُنَّ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلِذَلِكَ الْمَوْعِدِ، قَالَ (أبو هريرة): فَكَانَ مِمَّا قَالَ لَهُنَّ: «مَا مِنِ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ ثَلَاثًا مِنَ الوَلَدِ تَحْتَسِبُهُنَّ، إِلَاّ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَتَانِ؟ قَالَ: «أَوِ اثْنَتَانِ» (1).
وكانت النساء يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُجيبُهُنَّ عن أمور دِينِهِنَّ ولم يكن ذلك صدفة أو نَادِرًا، بل خَصَّصَ لَهُنَّ أوقاتًا خاصة يجلسن فيها إليه، وَيَتَلقَّيْنَ عنه تعاليم الإسلام، وَيُفْتِيهِنَّ، قالت عائشة رضي الله عنها:«نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (2).
وها هي ذي أُمُّ سُلَيْمٍ - وهي بنت ملحان والدة أنس بن مالك - تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم سلمة حاضرة - فتقول: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ " فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» ، فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَهَا - وَقَالَتْ: يَا رَسولَ اللهِ، أَوَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ:«نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟» (3).
وبهذه الروح الطيبة، والنفس السامية، والصدر الرحب، والمنهج التربوي الصحيح كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُ أصحابه والمسلمين عامة أحكام الإسلام وتعاليمه وآدابه، ولم يكن بين الرسول الكريم والمسلمين حاجب
(1)" مسند الإمام أحمد ": ص 85 حديث 7351 جـ 13 و " فتح الباري ": ص 206 جـ 1، تحتسبهنَّ: أي تحتسب أجرها على الله في الصبر على المصيبة.
(2)
" فتح الباري ": ص 239 جـ 1.
(3)
" فتح الباري ": ص 239 جـ 1 عن هشام بن عروة عن زينب، ابنة سلمة عن أم سلمة قالت: جاءت أم سليم (أو نحتلم) من غير همزة في الأصل وفي رواية الكشميهني (أو تحتلم).
كالملوك والقياصرة، بل كان المسجد معهده يُعَلِّمُ فيه المسلمين الشريعة، وقد يرونه في الطريق فيسألونه، فيبش لهم ويجيبهم، وقد يعترضونه في مناسكه وَحَجِّهِ، أو على راحلته يستفتونه فيفتيهم (1) والابتسامة لا تفارق ثغره، وقد تكون إجابته لسائل عن مسألة وحوله جمع قليل أو كثير، وقد يكون على منبر مسجده يبلغ الناس الإسلام وتعاليمه، ويفصل الأحكام يشرحها
…
فينقل السامعون ما تلقوه إلى إخوانهم وذويهم فإنْ سمع وشاهد ووعى ستبقى آثار ما تلقاه واضحة جلية في نفسه أَمَدًا طويلاً، حتى إذا ما شك فيما سمع، عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليزيل وهمه، ويثبته على الصواب ويرده إلى الحق.
من كل ما سبق يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم كَفِيلٌ بأنْ يُحَقِّقَ ما كان يريده الرسول الكريم من تعليم أصحابه وتربيتهم وتطبيق أحكام الشريعة، وكفيلٌ بأنْ يثبت تلك الأحكام والتعاليم في نفوسهم.
بعد هذا نقدم على دراسة «المادة» لنرى تفاعل الصحابة معها وتجاوبهم.
(1) راجع " مسند الإمام أحمد ": ص 17 حديث 562 جـ 2 حول حج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه:
…
وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمَ فَقَالَتْ: " إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَفْنَدَ وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الحَجِّ، فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَ عَنْهُ؟ " قَالَ: «نَعَمْ، فَأَدِّي عَنْ أَبِيكِ» قَالَ (علي بن أبي طالب): " وَقَدْ لَوَى عُنُقَ الفَضْلِ "، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ:" يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ " قَالَ: «رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا» قَالَ: ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ:" يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ ".قَالَ: «انْحَرْ وَلا حَرَجَ» . ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ؟ قَالَ: «احْلِقْ أَوْ قَصِّرْ وَلا حَرَجَ
…
».
إنَّ هذا القسم من الحديث يعطينا صورة حية عن فتاوى الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين.
وراجع " فتح الباري ": ص 191 و 233 جـ 1.