الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ مِنَ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ وَغَثٍّ وَسَمِينٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» رواه مسلم
…
وَلَوْ كَانَ مَذْهَبُ عُمَرَ رضي الله عنه مَا ذَكَرْنَا لَكَانَتِ الحُجَّةُ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دُونَ قَوْلِهِ، فَهُوَ الْقَائِلُ:«نَضَّرَ الله عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَدَّاهَا وَبَلَّغَهَا»
…
وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ» ، رواه أبو داود والإمام أحمد والحاكم. اهـ.) (1).
2 - رَأْيُ الخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ:
قال الخطيب: «إنْ قال قائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم (2) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتشديده عليهم في ذلك، قيل له: فعل ذلك عمر احتياطًا للدين وحسن نظر للمسلمين، لأنه خاف أَنْ يتَّكِلُوا عن الأعمال وَيَتَّكِلُوا على ظاهر الأخبار، وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها ولا كل من سمعها عرف فقهها، فقد يَرِدُ الحَدِيثُ مُجْمَلاً ويستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر أَنْ يُحْمَلَ حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه والحكم بخلاف ما أخذ، ونحو هذا، الحديث الآخر
…
عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ عُفَيْر فَقَالَ:«يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟» فَقُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ» ، قُلْتُ: أَفَلَا
(1)" جامع بيان العلم وفضله ": ص 121 - 124 جـ 2 باختصار.
(2)
لم يُنكر عمر رضي الله عنه على الصحابة روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أنكر الإكثار منها عند عدم الحاجة، ولا يكون إكثار إلا عند عدم الحاجة إلى الإكثار.
أُبَشِّرَ النَّاسَ؟ فَقَالَ: «لَا، فَيَتَّكِلُوا» (1)
…
وَأَخْبَرَنَا الحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو عَلِيٍّ الطُّومَارِيُّ كُنَّا عِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ثَعْلَبٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ايْشِ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ، وَقَدْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ:«هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ (2)، لَا تُخْبِرْهُمَا يَا عَلِيُّ» ؟ قَالَ: أَشْفَقَ [عَلَيْهِمَا] مِنَ التَّقْصِيرِ فِي العَمَلِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: وَكَذَلِكَ نَهَى عُمَرُ الصَّحَابَةَ أَنْ يُكْثِرُوا رِوَايَةَ الحَدِيثِ إِشْفَاقًا عَلَى النَّاسِ أَنْ يَنْكُلُوا عَنِ العَمَلِ إنْكَالاً عَلَى الحَدِيثِ.
وَفِي تَشْدِيدِ عُمَرَ أَيْضًا عَلَى الصَّحَابَةِ فِي رِوَايَاتِهِمْ، حِفْظٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَرْهِيبٌ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْ يُدْخِلَ فِي السُّنَنِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، لأَنَّهُ إِذَا رَأَى الصَّحَابِيَّ المَقْبُولَ القَوْلِ، المَشْهُورِ بِصُحْبَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَدْ تَشَدَّدَ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ، كَانَ هُوَ أَجْدَرَ أَنْ يَكُونَ لِلْرِّوَايَةِ أَهْيَبَ) (3). وبهذا يسلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يتطرق إليه الكذب، ولا يزاد عليه ما ليس منه.
وروى الخطيب عن عبد الله بن عامر اليحصبي، قال: «سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى المِنْبَرِ بِدِمِشْقَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَاّ حديثاً كَانَ يُذْكَرُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ رضي الله عنه، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ
(1) ونحو هذا الحديث رواه البخاري في " صحيحه " عن أنس بن مالك أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ:«يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ» ، الحديث، وقال في آخر الحديث: وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. انظر " فتح الباري ": ص 236 جـ 1.
(2)
انظر " مسند الإمام أحمد ": ص 37 حديث 602 جـ 2 ذكر نحوه بإسناد صحيح وفيه زيادة «سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَشَبَابِهَا بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» .
(3)
" شرف أصحاب الحديث ": ص 97 - 98: ب.
فِي اللهِ عز وجل» (1). وإلى هذا المعنى الذي ذكرناه ذهب عمر في طلبه من أبي موسى الأشعري أن يحضر معه رجل يشهد أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث السلام، لكن فعله على الوجه الذي بَيَّنَّاهُ من الاحتياط، لحفظ السنن والترهيب في الرواية والله أعلم. انتهى (2).
مما سبق يَتَبَيَّنُ لنا أَنَّ الصحابة جَمِيعًا كانوا يَتَثَبَّتُونَ في الحديث، وَيَتَأَنَّوْنَ في قبول الأخبار وأدائها، وكانوا لا يحدثون بشيء إلَاّ وهم واثقون من صحة ما يَرْوُونَ، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث بكل وسيلة تفضي إلى ذلك، فاتَّبعوا مَنْهَجًا سَلِيمًا يمنع الشوائب من أنْ تدخل السٌنَّةَ النَّبَوِيَّةَ فتفسدها.
وقد حمل لواء هذه المحافظة والحرص على السنن جميع الصحابة، وتميز منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقد ظهر لنا مما رُوِيَ عنه اهتمامه بِالسُنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وإجلاله للحديث الشريف. وَإِنَّ الأخبار التي رويت عنه في هذا الشأن ليدعم بعضها بعضًا في سبيل نشر العلم والحرص على سلامة السُنَّةِ، ومن ثم ليس لأحد أنْ يرى تَنَاقُضًا بين وصية عمر لأهل العلم والآثار الأخرى المروية عنه، فهو إذا طلب الإقلال من الرواية فإنما يطلبه من باب الاحتياط لحفظ السُنَنِ والترهيب من الرواية، وأما من كان يتقن ما يُحَدِّثُ به ويعرف فقهه وحكمه فلا يتناوله أمر عمر رضي الله عنه، فكل ما ورد عن أمير المؤمنين إنما يدل على المحافظة على السُنَّةِ ونشرها وتبليغها صحيحة، وَلَا يَتَيَسَّرُ نشرها صحيحة مَا لَمْ يَتَثَبَّتْ حاملوها من مروياتهم، والإقلال من الرواية مظن عدم
(1) انظر نحو هذا القول عن معاوية في كتاب " رد الدرامي على بِشْر المريسي ": ص 135، و" تذكرة الحفاظ ": ص 7 جـ 1.
(2)
" شرف أصحاب الحديث ": ص 99: آ.
الوقوع في الخطأ، ولهذا أمر به رضي الله عنه. وهذا ما رآه ابن عبد البر والخطيب البغدادي وغيرهما من أئمة الحديث، وإليه أَذْهَبُ، وبه أقول، فالصحابة لم يزهدوا في السُنَّةِ، بل كان لهم الفضل الأول في المحافظة عليها.
وقبل أنْ نختتم هذا الفصل لَا بُدَّ مِنْ أنْ نَتَعَرَّضَ لما رُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أنه حبس بعض الصحابة لأنهم أكثروا الرواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام! فنتناول هذا الخبر من حيث صحته، ثم لو صَحَّ هذا الخبر فكيف كان ذلك الحبس؟
روى الحافظ الذهبي (1) عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أَنَّ عمر حبس ثلاثة: «ابْنَ مَسْعُودٍ (2) وَأَبَا الدَّرْدَاءَ (3)، وَأَبَا مَسْعُودَ الأَنْصَارِيَّ (4)، فَقَالَ: " قَدْ أَكْثَرْتُمْ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم "» . هؤلاء ثلاثة من جِلَّةِ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأتقاهم وأورعهم. هل يعقل من مثل عمر بن الخطاب أن يحبسهم؟ وهل يكفي أنهم أكثروا من الرواية؟.
(1)" تذكرة الحفاظ ": ص 7 جـ 1، وفيه سعيد بن إبراهيم والصواب سعد، وهو حفيد عبد الرحمن بن عوف كما في " تهذيب التهذيب "، و" المحدث الفاصل " ص 133: آ، وانظر " مجمع الزوائد ": ص 149 جـ 1.
(2)
عبد الله بن مسعود الهُذلي صحابي جليل من السابقين إلى الإسلام كان مخالطًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب وساده وسواكه ونعليه، وجهه عمر رضي الله عنه إلى الكوفة - وَامْتَنَّ عَلَى أَهْلِهَا بِهِ - ليُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ وَيُعَلِّمَهُمْ القُرْآنَ، وقد جمع القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقراءته مشهورة. توفي سَنَةَ 32 هـ في المدينة. انظر بسط ترجمته في " سير أعلام النبلاء ": ص 331 - 357 جـ 1.
(3)
أبو الدرداء: عويمر بن مالك بن قيس صحابي أنصاري خزرجي. كان حكيمًا، ولي القضاء لمعاوية في دمشق بأمر عمر بن الخطاب، وهو أحد من حفظ القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي في الشام سَنَةَ 32 هـ، انظر " تاريخ الإسلام " للذهبي: ص 107 جـ 2.
(4)
أبو مسعود الأنصاري: هو عُقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري، كان أصغر من شهد العقبة مع الأنصار، توفي في الكوفة سَنَةَ 39 أو 40، انظر " خلاصة " الخزرجي، و " تقريب التهذيب ": ص 27 جـ 2.
إِنَّ المرء ليقف متسائلاً أمام هذا الخبر ويعتريه الشك فيه، ويتبادر إلى نفسه أن يتساءل عن الحد الذي يمكن أن يعرف به الإقلال والإكثار! وقد ناقش الإمام ابن حزم هذا وَرَدَّهُ، وقال: «هَذَا مُرْسَلٌ وَمَشْكُوكٌ فِيهِ مِنْ (شُعْبَةَ) فَلَا يُصِحُّ وَلَا يَجُوزُ الاِحْتِجَاجُ بِهِ، ثَمَّ هُوَ فِي نَفْسِهِ ظاهِرُ الْكَذِبِ وَالتّوْلِيدِ، لأَنَّه لَا يَخْلُو عُمَرُ مِنْ أَنْ يُكُونَ اِتَّهَمَ الصَّحَابَةَ، وَفِي هَذَا مَا فِيهِ، أَوْ يُكُونَ نَهَى عَنْ ' نَفْسِ الحَديثِ '، وَعَنْ تَبْلِيغِ سَنَنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى المُسْلِمِينَ، وَأَلْزَمَهُمْ كِتْمَانَهَا وجَحْدِهَا وَأَنْ لَا يَذْكُرُوهَا لأَحِدُ، فَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ الإِسْلَامِ '، وَقَدْ أَعَاذَ اللهُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ، وَلَئِنْ كَانَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ مُتَّهَمِينَ فِي الكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَمَا عُمَرُ إلَاّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهَذَا قولٌ لَا يَقُولُهُ مُسَلِمٌ أَصْلاً، وَلَئِنْ كَانَ حَبَسَهُمْ وَهُمْ غَيْرُ مُتَّهَمِينَ لَقَدْ ظَلَمَهُمْ، فَلْيَخْتَرْ المُحْتَجُّ لِمَذْهَبِهِ الفَاسِدَ بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوايَاتِ المَلْعُونَةِ أََيَّ الطَّرِيقَتَيْنِ الخَبِيثَتَيْنِ شَاءَ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا
…
».
وَلَوْ سَلَّمْنَا جَدَلاً بِصِحَّةِ الرواية فهناك خلاف في المحبوسين، فالذهبي يذكر ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، بينما يذكر ابن حزم - ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر، فهل تَكَرَّرَ الحبس من عمر؟ ولو تَكَرَّرَ لاشتهر ثم إِنَّ حادثة كهذه سيطير خبرها في الآفاق من غير أن تحتمل الشك في المحبوسين، لأنهم من أعيان الصحابة، ولو سَلَّمْنَا أَنَّ العبرة في الحادثة نفسها من حيث حبسه
(1)" الإحكام " لابن حزم: ص 139 جـ 2 وما بعدها.
بعض الصحابة دون نظر إلى أعيانهم وأشخاصهم، لأنهم أكثروا الرواية، قلنا: قد كان غير هؤلاء أكثر منهم حَدِيثًا، ولم يَرِدْنَا خبر عن حبسهم، فلا يعقل أن يحبس أمير المؤمنين بعضًا دون بعض في قضية واحدة، هم فيها سواء، وهي الإكثار من الحديث، مَعَاذَ اللهِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا عُمَرُ رضي الله عنه، فيحبس هؤلاء ويترك أبا هريرة مَثَلاً وهو أكثر حَدِيثًا منهم. فقد رُوِيَ عن أبي هريرة (5374) خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حَدِيثًا وعن ابن مسعود (848) ثمانمائة وثمانية وأربعون حَدِيثًا، وعن أبي الدرداء (179) مائة وتسعة وسبعون حَدِيثًا، وعن أبي ذر (281) مائتان وواحد وثمانون حَدِيثًا (1).
فإن قيل إِنَّ أبا هريرة لم يكثر من الرواية في عهد عمر رضي الله عنه لأنه خَشِيَهُ. فنقول لِمَ لَمْ يَخْشَهُ هَؤُلَاءِ؟ بل إِنَّ عمر نفسه سمح لأبي هريرة أن يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما عرف وَرَعَهُ وَخِشْيَتَهُ مِنَ اللهِ عز وجل، روى الذهبي عن أبي هريرة قال: «بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِ فُلَانٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لأَيِّ شَيْءٍ سَأَلْتَنِي. قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَوْمَئِذٍ: (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).
قَالَ: أَمَا لَا، فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ (2)». فهل يتصور إنسان أن يحبس عُمَرُ ابنَ مسعود وأبا الدرداء وأبا ذَرٍّ أو أبا مسعود الأنصاري وقد عرف حفظهم وورعهم؟ بل إِنَّ أمير المؤمنين امْتَنَّ على أهل العراق كما أسلفنا عندما أرسل
(1) ذكر ذلك الإمام الحافظ بقي بن مخلد في " مسنده "، انظر " البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح " لأبي البقاء الأحمدي الشافعي. مخطوطة دار الكتاب المصرية: ص 9 - 13: ب.
(2)
" سير أعلام النبلاء ": ص 434 جـ 2.
إليهم عبد الله بن مسعود فكتب إلى أهل الكوفة: «إِنِّي وَاللهِ الذِي لَا إِلَهُ إِلَاّ هُوَ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِي فَخُذُوا مِنْهُ» (1) وَذَكَرَ عُمَرُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: «كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا آثَرْتُ بِهِ أَهُلَ القَادِسِيَّةِ» (2) كيف يأمر الناس بالأخذ منه، ويشهد له بالعلم، ثم يحبسه!!؟
وما ورد على حبس ابن مسعود يرد على حبس الصحابة الباقين، ففيهم أبو الدرداء إمام الشام وقاضيها ومعلمها القرآن ..
وبهذا البيان، لا يرقى إلى الصحة خبر حبس عمر للصحابة رضي الله عنهم، لأنهم أكثروا من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنه يُرْوَى عن ابن مسعود أنه نهى عن الإكثار من الرواية، فهل يُتَصَوَّرُ مِنْهُ أَنْ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ وَهُوَ يَفْعَلُهُ؟ وقد رُوِيَ عنه قوله:«لَيْسَ العِلْمُ بِكَثْرَةِ الحَدِيثِ، وَلَكِنَّ العِلْمَ الخَشْيَةَ» (3).
وفي رواية سعيد بن إبراهيم عن أبيه، التي ذكرها الخطيب البغدادي، ما يدل على أنه استبقاهم في المدينة حتى عرف لفظهم سواء. وهذه هي رواية الخطيب.
قال: «بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَإِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَإِلَى أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيَّ فَقَالَ: " مَا هَذَا الحَديثُ الذِي تُكْثِرُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَحَبَسَهُمْ بِالمَدِينَةِ حَتَّى اِسْتَشْهَدَ لَفْظَهُمْ سَواءَ» (4). فيكون هذا من باب تَثَبُّتِ عُمَرَ رضي الله عنه في الحديث، وهذه الرواية تثبت أنه لَمْ يَزُجَّ بهم في السجن، بل استبقاهم في المدينة ريثما يَتَثَبَّتُ من لفظهم، فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَلَا ضَيْرَ عَلَيْهِمْ.
(1)" سير أعلام النبلاء ": ص 351، جـ 1، وَالكُنَيْفُ: الوِعَاءُ.
(2)
" سير أعلام النبلاء ": ص 351، جـ 1، وَالكُنَيْفُ: الوِعَاءُ.
(3)
" مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول ": ص 6.
(4)
" شرف أصحاب الحديث ": ص 92: آ.
ومما يؤكد لنا أنه لم يحبس أحدًا - وهو ما استنبطناه من مناقشة الروايات السابقة - ما يرويه الرامهرمزي عن شيخه ابْنِ البُرِّيِّ من طريق سعد بن إبراهيم عن أبيه (*): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، حَبَسَ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ:«قَدْ أَكْثَرْتُمُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ البُرِّيِّ: يَعْنِي مَنَعَهُمُ الحَدِيثَ، وَلَمْ يَكُنْ لِعُمَرَ حَبْسٌ (1).
فقد فَسَّرَ ابْنُ البُرِّيِّ الخبر تَفْسِيرًا جَيِّدًا وَإِنْ جَاءَ مُقْتَضَبًا، فهو يريد أنه منعهم كثرة الحديث، خَوْفًا مِنْ أَنْ لَا يَتَدَبَّرَ السامعون كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا كثر عليهم.
كل ما سبق ينفي صحة ما ورد من أخبار حول حبس عمر رضي الله عنه للصحابة لأنهم أكثروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي عهد التابعين ازداد النشاط العلمي لانتشار الصحابة في الأمصار، ثم ما لبث التابعون أَنْ تَصَدَّرُوا للرواية، ومع هذا سلكوا سبيل الصحابة، وساروا على نهجهم، فكانوا على جانب عظيم من الورع والتقوى، وليس بَعِيدًا ما تقول، لأنهم تَخَرَّجُوا في مدارس الصحابة تلامذة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنسمع الشعبي - وهو أحد كبار التابعين الحفاظ الثقات - يقول:«لَيْتَنِي انْفَلَتُّ مِنْ عِلْمِي كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي» (2). وكأنه يشعر بأنه أكثر من التحديث فيقول: «كَرِهَ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُونَ الإِكْثَارَ مِنَ الحَدِيثِ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا حَدَّثْتُ إِلَاّ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الحَدِيثِ (3)» . وكان شُعْبِةُ بْنُ
(1)" المحدث الفاصل ": ص 133: آ.
(2)
" جامع بيان العلم ": ص 130، جـ 2 وَيُرْوَى نحوه عن سفيان الثوري. انظر " الكامل ": ص 5: ب، جـ 3 في المجلد الأول في دار الكتب المصرية تحت رقم (95) مصطلح الحديث. و " جامع بيان العلم وفضله ": ص 129، جـ 2.
(3)
" تذكرة الحفاظ ": ص 77، جـ 1.
----------------------
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) إِبْرَاهِيْمُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ (خَ، م) الإِمَامُ، الفَقِيْهُ، أَبُو إِسْحَاقَ الزُّهْرِيُّ، العَوْفِيُّ، المَدَنِيُّ. وَقِيْلَ: كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، أَخُو أَبِي سَلَمَةَ الفَقِيهِ، وَحُمَيْدٍ.
حَدَّثَ عَنْ: أَبِيهِ. وَعَنْ: عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَسَعْدٍ، وَعَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ، وَجُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، وَطَائِفَةٍ.
رَوَى عَنْهُ: ابْنَاهُ؛ سَعْدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ قَاضِي المَدِيْنَةِ، وَصَالِحُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، وَعَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَمْرِو بنِ عَلْقَمَةَ، وَغَيْرُهُم.
وَأُمُّهُ: هِيَ المُهَاجِرَةُ أُمُّ كُلْثُوْمٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ.
انظر: " سير أعلام النبلاء " للذهبي، تحقيق الشيخ شُعَيْب الأرناؤوط، الطبعة: الثالثة، 1405 هـ / 1985 م، نشر مؤسسة الرسالة: 4/ 292.
الحَجَّاِج يقول: «التَّدْلِيسُ فِي الحَدِيثِ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا ; وَلأَنْ أَسْقُطَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ» (1). وفي رواية عنه أنه كان يقول: «لأَنْ أَقَعََ مِنْ فَوْقِ هَذَا القَصْرِ - لِدَارٍ حِيَالَهُ (2) - عَلَى رَأْسِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ لَكُمْ: قَالَ فُلَانٌ، لِرَجُلٍ تَرَوْنَهُ، أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ ذَاكَ مِنْهُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ» (3).
وَمِنْهُمْ مِنْ كَانَ يَقْتَصِدُ فِى رِوايَةَ الحَديثِ عَلَى طُلَاّبِهِ لِيَفْهَمُوا مَا يُحَدِّثُهُمْ بِهِ وَيَعْقِلُوهُ وَيَتَدَبَّرُوهُ، وَمِنْ هَذَا مَا رَوَاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاء، قَالَ:«كُنَّا نَأْتِي أَبَا قِلَابَةَ، فَإِذَا حَدَّثَنَا بِثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ قَالَ: قَدْ أَكْثَرْتُ» (4)، وَيُؤَكِّدُ هَذَا مَا قَالَهُ اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ:«إِنَّمَا عَابُوا الإِكْثَارَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرْتَفِعَ التَدَبُّرُ وَالتَّفَهُّمُ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا حَكَاهُ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: سَأَلَنِي الأَعْمَشُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، وَأَنَا وَهُوَ لَا غَيْرَ، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ هَذَا يَا يَعْقُوبُ؟ فَقُلْتُ: بِالحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثْتَنِي أَنْتَ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ، فَقَالَ لِي: «يَا يَعْقُوبُ إِنِّي لأَحْفَظُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجْتَمِعَ أَبَوَاكَ (5) مَا عَرَفْتُ تَأْوِيلَهُ إِلَى الآنَ» (6).
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا: أَنَّهُ جَرَى بَيْنَ الأَعْمَشِ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَكَانَ مِنْ قَوْلِ الأَعْمَشِ:«أَنْتُمُ الأَطِبَّاءُ وَنَحْنُ الصَّيَادِلَةُ» (7).
(1) مقدمة " التمهيد ": ص 5: ب.
(2)
هكذا النص والمعنى: لدار قريبة منه.
(3)
مقدمة " الجرح والتعديل ": ص 174، ويروى نحوه عن مطرف بن طريف، انظر نفس المصدر: ص 42.
(4)
انظر " المحدث الفاصل ": ص 145، 146.
(5)
أي من قبل أنْ يُخْلَقَ، كناية عن أنه حفظه منذ زمن بعيد.
(6)
هكذا النص والأصوب أَنْ تَكُونَ «إلَاّ» .
(7)
" جامع بيان العلم وفضله ": ص 130، جـ 2.