الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التي كانت موضوع العناية والتطبيق من حيث اتصالها ببيئة الطلاب وحياتهم اليومية ونَطَّلِعَ على منهج الصحابة أنفسهم في التلقي، ومدى تجاوبهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفاعلهم مع الشريعة الغراء، وخاصة السُنَّة الشَّرِيفَةَ، كل هذا ليكون بحثنا موضوعيًا دقيقًا، يُصَوِّرُ الواقع الذي كانت عليه السُنَّةُ تصويرًا صحيحًا.
وإنَّ دراسة المُربِّي والمادة والطلاب لَتُبَيِّنُ مدى نجاح تلك التجربة لأنَّ كل جانب من هذه النواحي الثلاثة أثره البعيد في فهم المادة العلمية المدروسة وبقائها مدة طويلة في نفوس الطلاب واضحة جلية، فكلما تضافرت هذه العوامل الثلاثة في طرق الإيجاب، كانت الفائدة عظيمة جليلة، وبقيت المادة في أذهان الطلاب أَمَدًا بعيدًا، وإذا تنافرت هذه العوامل وَقََلَّ تجاوبها فيما بينها لم تؤت أكلها، وتضاءلت الفائدة المرجوة منها، وسرعان ما يأتي النسيان على تلك المادة التي كانت موضوع البحث والدراسة والتطبيق، وعلى ضوء هذا نتناول البحث من أطرافه الثلاثة المذكورة في هذا الباب.
…
1 - الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم
-:
[أ] مُعَلِّمٌ وَمُرَبٍّ:
مهما حاولت أنْ أصف الدرجة التي وصل إليها الرسول صلى الله عليه وسلم من الخٌلُقِ الكريم والسلوك المستقيم فلن أستطيع الإحاطة بذلك، ولا غرابة فأي أديب يمكنه أن يُعبِّرَ عن العناية الإلهية التي شملت رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مراحل حياته؟ وأيُّ مؤرِّخ يمكنه أنْ يستقصي جميع أخباره دقيقها
وجليلها في هذا المجال؟ ومع هذا فَإِنَّ المؤلفات التي دُوِّنَتْ عن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مختلف ظواهرها لم يُدَوَّنْ مثلها لرجل في التاريخ قط. وأحاول الآن أنْ أتناول الخطوط الكبرى لموضوعنا هذا.
لقد اصطفى الله تعالى مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وربَّاه وعلَّمه بعنايته الإلهية ليتمكَّن من حمل الرسالة وتبليغها، فأُعِدَّ إعدادًا عظيمًا، حَتَّى كَانَ القُرْآنُ خُلُقَهُ: يرضى برضاه، ويسخط بسخطه (1)، بُعث لِيُتَمِّمَ مكارم الأخلاق، «فَلَمْ يَكُنْ صلى الله عليه وسلم فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا» (2). «كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا» (3)، «وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ» (4)، «وَإِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ» (5) وَكَانَ أَصْحَابه يَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَلَمْ يَحْقِدْ عَلَى إِنْسَانٍ قَطُّ لِنَفْسِهِ، وَمَا اِنْتَقَمَ لِنَفْسِهِ «إِلَاّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» (6).
كان سيد الناس في أخلاقه ومعاملاته؛ وكيف لا وقد اختاره الله تعالى ليكون للعالم أسوة حسنة، وأوحى إليه ليكون لهم بشيراً ونذيراً؟ {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (7) فكانت مُهِمَّتُهُ - عَلَيْهِ
(1) روي عن عائشة نحوه، انظر " سنن ابن ماجه ": الأحكام.
(2)
روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: " فتح الباري ": ص 285 جـ 7.
(3)
عن أبي سعيد الخُدري: " فتح الباري ": ص 387 جـ 7.
(4)
من طريق شُعبة بن الحجاج: " فتح الباري ": ص 388 جـ 7.
(5)
" فتح الباري ": ص 384 جـ 7.
(6)
المرجع السابق: ص 387 جـ 7 من حديث عائشة.
(7)
[سورة الجمعة، الآية: 2].