الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المشهور الإمام الزهري، قاصدين من وراء ذلك تشكيك المسلمين في مروياتهم وهما اللذان رَوَيَا كَثِيرًا مِنَ الحَدِيثِ النَّبَوِيَّ، وَنَقَلَا إلى التابعين وأتباعهم جانبًا عظيمًا من السُنَّةِ، فإذا ما شك المسلمون في أوثق الرواة وأحفظهم شَكُّوا في جميعهم واستهانوا بمروياتهم. وحينئذٍ يتحقق لأعداء الإسلام بعض هدفهم، وهو تخلي المسلمين وإعراضهم عن الحديث الشريف، الذي كَانَ تَطْبِيقًا عَمَلِيًّا للشريعة الإسلامية، وشرحًا وافيًا وبيانًا واضحًا للقرآن الكريم، فإذا أعرض المسلمون - لا سمح الله - عن السُنَّةِ اتسعت الهوة بينهم وبين الكتاب الكريم، وسهل على المبشرين زعزعة العقيدة في نفوس الناشئة، وبث الإلحاد الذي يجر وراءه العقائد الدخيلة، والنظريات التي تخدم أعداءنا، وفي هذا الطامة الكبرى والخسارة العظمى للمسلمين في دينهم ودنياه، ولولا خطورة هذه الشبهات وبعدها عن الحق ما تعرضنا لها، فكما رددنا ما أثير حول أبي هريرة من شبهات مصطنعة، وعرفنا وجه الصواب، نَرُدُّ ما أثير حول الزهري من شبهات أَيْضًا، ونحن في هذا لا نتعصب لأحد، وإنما نتوخى الحق وسواء السبيل، خدمة للسنة المطهرة.
[رَأْيُ اليَعْقُوبِي وَجُولْدتْسِيهِرْ فِي ابْنِ شِهَابٍ]:
(*)
----------------------------------------------
قال اليعقوبي (- 292 هـ) المؤرخ الشيعي: «ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم، إذا حجوا، بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضج الناس، وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام، وهو فرض من الله علينا، فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَاّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ» وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع قدمه عليها، لما صعد إلى السماء، تقوم
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) هذا العنوان وضعه المؤلف في [فهرس الموضوعات]: ص 568
لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبة، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية» (1).
وتبنى هذا الرأي (جولدتسيهر) وقد نقله أستاذنا الدكتور مصطفى السباعي في كتابه " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " عن مسودة لأستاذه الدكتور (علي حسن عبد القادر) كما ألقاه على طلابه في الدرس، ولا تزال المسودة بخط الدكتور (عبد القادر) محفوظة عند أستاذنا الدكتور السباعي.
وقد رد عليه الدكتور السباعي رَدًّا عِلْمِيًّا، وَفَنَّدَ افتراءاته الكثيرة ودحضها بِحُجَجٍ علمية قوية، وأذكر هنا بعض ما جاء في مسودة الدكتور (عبد القادر) من رأي جولدتسيهر قال: (إن عبد الملك بن مروان منع الناس من الحج أيام فتنة ابن الزبير. وبنى قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها ويطوفوا حولها بدلاً من الكعبة، ثم أراد أن يحمل الناس على الحج إليها بعقيدة دينية، فوجد الزُّهْرِيَّ وهو ذائع الصيت في الأُمَّة الاسلامية مستعدًا لأن يضع له أحاديث في ذلك، فوضع أحاديث، منها حديث:«لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَاّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى» .
ومنها حديث: «الصَلَاةُ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» وأمثال هذين الحديثين. والدليل على أن الزُّهْرِي هو واضع هذه الأحاديث، أنه كان صديقًا لعبد الملك وكان يتردد عليه، وأنَّ الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طريق الزُّهْرِي فقط
…
) (2).
لم أعثر على ما ذهب إليه اليعقوبي في " تاريخه " في أي مصدر إسلامي موثوق
(1)" تاريخ اليعقوبي ": ص 7، 8 جـ 3.
(2)
" السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ": ص 369.