الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في عهد التابعين حتى أصبح من واجب المحدث أن يبين نسب ما يُرْوَى، وقد شبه بعضهم الحديث من غير إسناد بالبيت بلا سقف ولا دعائم، ونظموه في قولهم:
وَالعِلْمُ إِنْ فَاتَهُ إِسْنَادُ مُسْنَدِهِ *
…
*
…
* كَالْبَيْتِ لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ وَلَا طُنُبُ (1).
وكان المحدث بإسناده الحديث يرفع العهدة عن نفسه، ويطمئن إلى صحة ما ينقل عندما ينتهي سنده المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
ثَانِيًا - مُضَاعَفَةُ النَّشَاطِ العِلْمِيِّ وَالتَّثَبُّتُ فِي الحَدِيثِ:
من نعم الله عز وجل على المسلمين أن انبث الصحابة في الأمصار والبلدان، وَكُتِبَ لبعضهم طول العمر ليساهموا في حفظ السُنَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ إثر الفتنة، وبعد ظهور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان طلاب العلم يسمعون
(1)" المحدث الفاصل ": ص 22: آ.
(2)
ونثبت هنا كلمة للدكتور [ناصر] الدين الأسد عن مرد التزام الإسناد المتصل في رواية الحَدِيثِ فَيَقُولُ: «وَيَبْدُو لَنَا أَنَّ الإِسْنَادَ المُتَّصِلَ فِي رِوَايَةِ الحَدِيثِ إِلَى أَمْرَيْنِ: أَمْرٌ دَاخِلِيٌّ، وَآخَرَ خَارِجِيٌّ. أَمَّا الدَّاخِلِيُّ فَمَبْعَثُهُ مِنْ نَفْسِ الرَّاوِي، وَمَصْدَرُهُ شُعُورُهُ بِالتَّحَرُّجِ الدِّينِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْقُلُ كَلَامًا مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ الذِي قَالَ فِي حَدِيثِهِ المَشْهُورِ:"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".وَفِي الإِسْنَادَ المُتَّصِلِ مَا يَجْعَلُ الُمَحَدِّثَ يَطْمَئِنُّ إِلَى أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ شُيُوخِهِ وَشُيُوخِ شُيُوخِهِ ثُمَّ التَّابِعِينَ وَالصَّحَابَةَ يَشْتَرِكُونَ مَعَهُ فِي تَحَمُّلِ تَبِعَةَ هَذَا الحَدِيثِ وَنَقْلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ وَحْدَهُ بِحَمْلِ هَذَا العِبْءِ، وَأَنَّ تَبِعَتَهُ لَا تَعْدُو النَّقْلَ الأَمِينَ لِمَا سَمِعَهُ عَنْ شَيْخٍ ثِقَةٍ ثَبْتٍ.
وَأَمَّا الأَمْرُ الخَارِجِيُّ فَمَرْجِعُهُ إِلَى سَامِعِي الحَدِيثِ مِنَ الُمَحَدِّثِ، وذلك أن الحَدِيثَ يَتَضَمَّنُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنَ السُنَّةِ، أَوْ هُوَ السُنَّةُ كُلَّهَا، وَهُوَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَصْدَرٌ مِنْ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ الإِسْلَامِيِّ، بَلْ إِنَّهُ هُوَ المَصْدَرُ الثَّانِي الذِي يَتْلُو فِي القِيمَةِ كِتَابَ اللهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنَ التَّدْقِيقِ وَالتَّحْقِيقِ، وَمِمَّا يَبْعَثُ الطُّمَأْنِينَةَ فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ وَيُوحِي إِلَيْهِمْ بِالثِّقَةِ فِي حَدِيثِ الُمَحَدِّثِ أَنْ يَصِلَ بَيْنَ عَصْرِهِ وَعَصْرِ الرَّسُولِ الكَرِيمِ بِسِلْسِلَةٍ مُتَّصِلَةٍ مِنَ الرُوَّاةِ المُحَدِّثِينَ كُلُّهُمْ يَشْهَدُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِمَّنْ قَبْلَهُ حَتَّى يَصِلَ الإِسْنَادَ إِلَى الصَّحَابِيِّ فَالرَّسُولَ». " مصادر الشعر الجاهلي ": ص 258، 259.
من الصحابة، وإذا ما سمعوا من غيرهم أسرعوا إلى من عندهم من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ليتأكدوا مما سمعوا، فكانوا يبينون لهم الغث من السمين، من هذا ما فعل ابن عباس مع ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي (1)، فَقَالَ:«وَلَدٌ نَاصِحٌ أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَارًا، وَأُخْفِي عَنْهُ» ، قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ، فَيَقُولُ:«وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إِلَاّ أَنْ يَكُونَ ضَلَّ» (2).
وكان كثير من طلاب العلم يرحلون إلى الصحابة، يقطعون الفيافي والقفار، للتأكد من حديث سمعوه من تابعي عندهم، وهذا معنى قول أَبِي الْعَالِيَةِ السَّابِقِ:«كُنَّا نَسْمَعُ الرِّوَايَةَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بِالبَصْرَةِ، فَلَمْ نَرْضَ حَتَّى رَكِبْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَسَمِعْنَاهَا مِنْ أَفْوَاهِهِمْ» . بل إن الصحابة رحل بعضهم إلى بعض في سبيل هذا، فقد ارتحل أبو أيوب إلى عقبة بن عامر في مصر (3) ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أُنَيْسٍ في حديث (4)، وغير هؤلاء ممن سبق ذكرهم.
وأما التابعون وأتباعهم فقد كانوا على نطاق واسع من التنقل والارتحال في سبيل تحمل الحديث عن الثقات ومذاكرة الأحاديث، فهناك من ارتحل
(1)«يُخْفِي عَنِّي» : أي يكتم عني أشياء ولا يكتبها. انظر " صحيح مسلم بشرح النووي ": ص 82 جـ 1، ولعله كان يخفي عنه ما لا يثق بصحته.
(2)
" صحيح مسلم بشرح النووي ": ص 82 جـ 1.
(3)
انظر " جامع بيان العلم ": ص 93 جـ 1.
(4)
انظر " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ص 168: ب، و" جامع بيان العلم ": ص 93 جـ 1. و " تهذيب التهذيب ": ص 149، 150 جـ 5.
إلى أبي الدرداء لحديث عنده في دمشق (1) كما رحل ابن شهاب إلى الشام إلى عطاء بن يزيد وابن مُحيريز وابن حَيْوَهْ، ورحل يحيى بن أبي كثير إلى المدينة للقاء من بها من أولاد الصحابة، ورحل محمد بن سيرين إلى الكوفة ليلقى عبيدة وعلقمة وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ورحل الأوزاعي إلى يحيى بن أبي كثير باليمامة ودخل البصرة، كما رحل سفيان الثوري إلى اليمن (2)
…
وقال سعيد بن المسيب: «إِنْ كُنْتُ لأَسِيرُ اللَّيَالِيَ وَالأَيَّامَ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ» (3). وعن الزهري عن ابن المسيب: «إِنْ كُنْتُ لأَسِيرُ ثَلَاثًا فِي الحَدِيثِ الوَاحِدِ» (4).
وقد كان مسروق كثير الرحلة في طلب الحديث ومذاكرته (5)، وَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بحديث ثم قال لسامعه:«خُذْهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ» (6).
وكثيرًا ما كان التابعون وأتباعهم يتذاكرون الحديث، فيأخذون ما عرفوا ويتركون ما أنكروا، قَالَ الإِمَامُ الأَوْزَاعِيَّ:«كُنَّا نَسْمَعُ الحَدِيثَ، فَنَعْرِضُهُ عَلَى أَصْحَابِنَا كَمَا يَعْرِضُ الدِّرْهَمَ [الزَّائِفَ]، فَمَا عَرَفُوا مِنْهُ أَخَذْنَا [بِهِ]، وَمَا [أَنْكَرُوا] تَرَكْنَا» (7)(*)، وكانوا دائمًا يرجعون إلى من يثقون به، فإذا ما اختلف سعيد وأبو
(1) انظر " الجرح والتعديل ": ص 12 جـ 1.
(2)
انظر " المحدث الفاصل ": ص 31: آ.
(3)
" جامع بيان العلم ": ص 94 جـ 1، و" تذكرة الحفاظ ": ص 52 جـ 1 ونحوه في " الجامع لأخلاق الراوي: ص 169: آ.
(4)
" المحدث الفاصل ": ص 28: ب.
(5)
انظر " جامع بيان العلم وفضله ": ص 94 جـ 1.
(6)
" جامع بيان العلم وفضله ": ص 92 ونحوه في ص 93 و 94 جـ 1.
(7)
" الجرح والتعديل ": ص 21 جـ 1، و" المحدث الفاصل ": ص 64: آ.
----------------------
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) في تصحيح ما بين [ ..... ] انظر " المحدث الفاصل " للرامهرمزي، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، ص 318، الحديث رقم 217، الطبعة الأولى: بيروت 1391 هـ - 1971 م، نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت. ٍٍ
هلال وشعبة في قتادة رجعوا إلى هشام الدستوائي (1)، وَإِذَا اخْتَلَفَ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ قَالَا:«اذْهَبَا بِنَا إِلَى المِيزَانِ مِسْعَرٍٍ» (2). وَعَنْ الأَعْمَشِ، قَالَ:«كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ صَيْرَفِيًّا فِي الحَدِيثِ، وَكُنْتُ أَسْمَعُ مِنَ الرِّجَالِ، فَأَجْعَلُ طَرِيقِي عَلَيْهِ، فَأَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا سَمِعْتُ، وَكُنْتُ آتِي زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ وَضُرَبَاءَهُ فِي الحَدِيثِ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً وَالمَرَّتَيْنِ، وَكَانَ الذِي لَا أَكَادُ أَغَبُّهُ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ» (3).
وكان أئمة الحديث في هذا العصر على جانب عظيم من الوعي والاطلاع، فقد كانوا يحفظون الصحيح والضعيف والموضوع حتى لا يختلط عليهم الحديث، وليميزوا الخبيث من الطيب، وفي هذا يَقُولُ الإِمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ،:«إِنِّي لأَرْوِي الحَدِيثَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ، أَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنَ الرَّجُلِ أَتَّخِذُهُ دِينًا ، وَأَسْمَعُ مِنَ الرَّجُلِ أَقِفُ حَدِيثَهُ ، وَأَسْمَعُ مِنَ الرَّجُلِ لَا أَعْبَأُ بِحَدِيثِهِ وَأُحِبُّ مَعْرِفَتَهُ» (4). وَيَرْوِي لَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَثْرَمَ، يَقُولُ: رَأَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ بِصَنْعَاءَ فِي زَاوِيَةٍ وَهُوَ يَكْتُبُ صَحِيفَةَ مَعْمَرٍ عَنْ أَبَانَ عَنْ أَنَسٍ، فَإِذَا طَلَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ
(1) انظر " المحدث الفاصل ": ص 76: آ. وسعيد أُرَجِّحُ أنه ابن أبي صدقة البصري من الطبقة السادسة، وأبو هلال هو محمد بن سليم الراسبي، بصري من الطبقة السادسة، مات سَنَةَ 167 هـ، وشعبة هو ابن الحجاج الإمام المشهور من الطبقة السابعة، توفي سَنَةَ 160 هـ، وهشام الدستوائي هو ابن عبد الله حافظ مشهور من كبار الطبقة السابعة، توفي سَنَةَ 154 هـ وله (78) سَنَةً.
انظر تفصيل تراجمهم في " تهذيب التهذيب ".
(2)
" المحدث الفاصل ": ص 75: ب، وسفيان هو ابن سعيد الثوري أبو عبد الله الكوفي أمير المؤمنين في الحديث، إمام حُجَّةٌ من رؤوس الطبقة السابعة، كان آية في الحفظ، توفي سَنَةَ (161 هـ) وله أربع وستون سَنَةً. " تهذيب التهذيب ": ص 111 - 115 جـ 4. وانظر " طبقات ابن سعد ": ص 257 جـ 6. ومسعر هو ابن كدام الهلالي العامري، أبو سلمة الكوفي، كان آية في الحفظ ثقة من الطبقة السابعة، توفي سَنَةَ (152 هـ). " تهذيب التهذيب ": ص 113 جـ 1.
(3)
" الجرح والتعديل ": ص 17 جـ 1، وانظر ترجمة إبراهيم النخعي في الباب الخامس من هذا الكتاب.
(4)
" الكفاية ": ص 402، وانظر " الكامل " لابن عدي: ص 2 جـ 1 وعنه: «إِنِّي لأَكْتُبُ الحَدِيثَ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ
…
». انظر " الجامع لأخلاق الراوي ": ص 157: ب.