الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَبَيْتُ المَقْدِسِ وَدِمَشْقُ
…
» (1) وفي الآئمة حديث: «يَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ بْنُ إِدْرِيسَ هُوَ أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ، وَيَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ سِرَاجُ أُمَّتِي» (2)، و «سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ وَيُكَنَّى أَبَا حَنِيفَةَ لَيُحْيَيَنَّ دِينُ اللَّهِ وَسُنَّتِي عَلَى يَدَيْهِ» (3).
[4] القَصَّاصُونَ:
ظهرت حلقات القصاصين والوعاظ في أواخر عهد الخلافة الراشدة (4)، وكثرت هذه الحلقات فيما بعد في مختلف مساجد الأقطار الإسلامية (5)، وكان بعض القصاص لا يهمه إلا أن يجتمع الناس عليه، فيضع لهم ما يرضيهم من الأحاديث التي تستثير نفوسهم، وتحرك عواطفهم، وقد كان معظم البلاء من هذا الصنف الذي يكذب على رسول (6) الله صلى الله عليه وسلم، ولا يرى في ذلك إثمًا ولا بُهتانًا.
ومما يؤسف له أن هؤلاء القصاس - على تعالمهم وكذبهم على رسول الله
(1)" تنزيه الشريعة المرفوعة ": ص 48 جـ 2.
(2)
المرجع السابق: ص 30 جـ 2.
(3)
المرجع السابق: ص 30 جـ 2.
(4)
استشار تميم الداري - صحابي مشهور - عمر رضي الله عنه ليقص على الناس فأبي عليه ولم يسمح له. انظر ص 18: ب من " تمييز المرفوع عن الموضوع ". وعن نافع عن ابن عمر أنه لم يقص على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على عهد أبي بكر ولا عمر ولا عثمان وإنما قص حين وقعت الفتنة. انظر كتاب " العلم " للمقدسي: ص 52، وانظر " ذكر أخبار أصبهان ": ص 136 جـ 1، طبع ليدن سنة 1931.
(5)
انظر " الخطط " للمقريزي: ص 246 و 256 جـ 2 حيث يذكر بعض القصاص والمساجد التي كانوا يقصون بها، وكذلك " البيان والتبيين ": ص 368 جـ 1.
(6)
انظر " اللآلئ المصنوعة ": ص 249 جـ 2.
- صلى الله عليه وسلم قد وجدوا آذانًا نسمع لهم ونصدقهم وندافع عنهم، وكان هؤلاء من جهلة العامة التي لا يهمها البحث والتقصي.
ومما وضعه القصاص حديث: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يَخْرُجُ مِنْ أَعْلاهَا الْحُلَلُ، وَمِنْ أَسْفَلِهَا خَيْلٌ بُلْقٌ مِنْ ذَهَبٍ مُسَرَّجَةٌ مُلَجِمَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، لَا تَرُوثُ وَلا تَبُولُ، ذَوَاتُ أَجْنِحَةٍ، فَيَجْلِسُ عَلَيْهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فَتَطِيرُ بِهِمْ حَيْثُ شَاءُوا
…
» (1).
وقد قاوم رجال الحديث القُصَّاصَ، وبينوا كذبهم، فلقوا من أتباعهم الإنكار والأذى، وفي ذلك حوادث طريفة منها: أن الشعبي أنكر على أحد القصاص في بلاد الشام، فقامت عليه العامة تضربه، ولم يدعه أتباع القاص حتى قال الشعبي برأي شيخهم نجاة بنفسه (2).
وكان رجال الحديث ينهون طلابهم وإخوانهم عن مجالسة القصاص، من ذلك ما رواه عاصم قال:«كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ وَنَحْنُ غِلْمَةٌ أَيْفَاعٌ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ غَيْرَ أَبِي الأَحْوَصِ، وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقًا، قَالَ وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَلَيْسَ بِأَبِي وَائِلٍ» (3).
وكان بعض هؤلاء القصاص شحاذين يضعون من الحديث ما يرغب الناس في الإحسان إليهم والعطف عليهم، من هذا ما روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي، قال: صَلَّى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ. فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَاصٌّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللهَ خَلَقَ اللهُ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ طَيْرًا مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ،
(1)" تنزيه الشريعة المرفوعة ": ص 378 جـ 2.
(2)
انظر " تمييز المرفوع عن الموضوع ": ص 16: ب، و " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ".
(3)
" صحيح مسلم بشرح النووي ": ص 100 جـ 1.
وَرِيشُهُ مِنْ مَرْجَانَ!!» وَأَخَذَ فِي قِصَّةٍ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ وَرَقَةً. فَجَعَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْظُرُ إِلَى يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ، وَجَعَلَ يحيى بْنَ مَعِينٍ ينظر إِلَى أَحْمد. فَقَالَ لَهُ:«حَدَّثْتَهُ بِهَذَا!؟» فَيَقُولُ: «وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِهَذَا إِلَاّ السَّاعَةَ» ، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهمًا لنوال، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى:«مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الحَدِيثِ؟!» فَقَالَ: «أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ» . فَقَالَ: «أَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ فِي حَدِيث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم!. فَقَالَ: «لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَحْمَقٌ، مَا تَحَقَّقْتُ هَذَا إِلَاّ السَّاعَةَ!
…
كَأَنْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ ابْن حَنْبَلٍ غَيْرُكُمَا؟. قَدْ كَتَبْتُ عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ!!» فوضع أحمد كمه على وجهه، وقال:«دَعْهُ يَقُومُ» ، فقام كالمستهزئ بهما» (1)!!.
وكان من هؤلاء القصاص المتكسبين من يحفظون أسانيد مشهورة، يكررونها كالببغاء ويلصقون بها ما يضعوه من الأحاديث العجيبة بكل وقاحة وصفاقة وجه، كما فعل القاص المذكور مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين،
وَكَمَا فَعَلَ قََاصٌّ آخَرَ حَكَى عَنْه أَبُو حَاتِمٍ البُسْتِي جَهْلَهُ وَكذِبَهُ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: دَخَلْتُ مَسْجِدًا، فَقَامَ بَعْدَ الصَّلَاةِ شَابٌّ فَقَالَ:«حَدَثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ: حَدَثَنَا أَبُو الوَلِيدَ عَنْ شُعَبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ» وَذَكَرَ حَدِيثًا، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: «فَلَمَّا فَرَغَ دَعْوَتَهُ، قُلْتُ: رَأَّيْتَ أَبَا خَلِيفَةً؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: كَيْفَ تَرْوِي عَنْهُ وَلَمْ تَرَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّ المُنَاقَشَةَ مَعَنَا مِنْ قِلَّةِ المُرُوءَةِ! أَنَا أَحْفَظُ هَذَا الإِسْنَادَ،
(1)" الباعث الحثيث ": ص 93، 94، و" الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ": ص 149: آ - 149: ب، و " تمييز المرفوع عن الموضوع ": ص 16: ب، و" توضيح الأفكار ": ص 76، 77 جـ 2.