الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنِ الْبَائِعَ لِلْمُشْتَرِي، وَعَنِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ.
ــ
فصل: ويَصِحُّ الضَّمانُ في جميعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ الواجبَةِ، والتي تَئُولُ إلى الوُجُوبِ، كثَمَنِ المَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيارِ وبعدَه، والأَجْرَةِ، والمَهْرِ قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه؛ لأَنَّ هذه الحُقُوقَ لازِمَةٌ، وجَوازُ سُقُوطِها لا يَمْنَعُ صِحّةَ ضَمانِها، كالثَّمنِ في المَبِيعِ بعدَ انْقِضاءِ الخِيارِ، يجُوزُ أن يَسْقُطَ بالرَّدِّ بالعَيبِ وبالمُقايَلةِ. وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ.
1833 - مسألة: (ويَصِحُّ ضَمانُ عُهْدَةِ المَبِيعِ عن البائِعِ للْمُشْتَرِي، وعن المُشْتَرِي للبائِعِ)
فَضَمانُه عن (1) المُشْتَرِي، هو أن يَضْمَنَ الثَّمَنَ الواجِبَ بالبَيعِ قبلَ تَسْلِيمِه، [أو إن](2) ظَهَر فيه عَيبٌ أو اسْتُحِقَّ، رَجَع بذلك على الضّامِنِ، وضَمانُه عن البائِعِ للمُشْتَرِي، هو أن يَضْمَنَ عن البائِعِ الثَّمَنَ متى خرَج المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، أو رُدَّ بعَيبٍ، أو
(1) في م: «على» .
(2)
في م: «وإن» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أرْشَ العَيبِ. فضَمانُ العُهْدةِ في المَوْضِعَينِ هو ضَمانُ الثَّمَنِ أو جُزْءٍ منه عن أحَدِهما للآخَرِ. والعُهْدَةُ؛ الكِتَابُ الذي تُكْتَبُ فيه وَثِيقَة البَيعِ، ويُذْكَرُ فيه الثَّمَنُ، فَعُبِّرَ به عن الثَّمنِ الذي يَضْمَنُه. ومِمَّن أجازَ ضَمانَ العُهْدةِ في الجُمْلَةِ؛ أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ. ومَنَع منه بعضُ [أصْحابِ الشافعيِّ](1)؛ لكَوْنِه ضَمانَ ما لم يَجِبْ، وضَمانَ مَجْهُولٍ، وضَمانَ عَينٍ. وقد ثَبَت جَوازُ الضَّمانِ في ذلك كُلِّه. ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى الوَثِيقَةِ على البائِعِ، والوَثائِقُ ثَلاثَةٌ؛ الشَّهادةُ، والرَّهْنُ، والضَّمانُ. فأمّا الشَّهادةُ فلا يُسْتَوْفَى منها الحَقُّ، وأمّا الرَّهْنُ فلا يَجُوزُ في ذلك بالإِجْماعِ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى أن يَبْقَى أبدًا مَرْهُونًا، فلم يَبْقَ إلَّا الضَّمانُ. ولأنَّه لا يَضْمَنُ إلَّا ما كان واجِبًا حال العَقْدِ؛ [لأنَّه إنَّما يَتَعَلَّقُ بالضَّمانِ حُكْمٌ إذا خَرَج مُسْتَحَقًّا أو مَعِيبًا حال العَقدِ](2)، ومتى كان كذلك، فقد ضَمِن ما وَجَب حينَ العَقْدِ، والجَهالةُ مُنْتَفِيةٌ (3)؛ لأنَّه
(1) في م: «أصحابه» .
(2)
سقط من: م.
(3)
في الأصل: «متبقية» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَمِن الجُمْلَةَ، فإذا خَرَج بعضُه مُسْتَحَقًّا، لَزِمَه بعضُ ما ضَمِنَه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَصِحُّ ضَمانُ العُهْدةِ عن البائِعِ للمُشْتَري قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وبعدَه. وقال الشافعيُّ: إنَّما يَصِحُّ بعدَ القَبْضِ، لأنَّه قبلَ القَبْضِ لو خَرَج مُسْتَحَقًّا، لم يَجِبْ على البائِعِ شيءٌ. وهذا يَنْبَنِي على ضَمانِ ما لم يَجِبْ إذا كان مُفْضِيًا إلى الوُجُوبِ، كالجَعالةِ، وسَنَذْكُرُها.
وألْفاظُ ضَمانِ العُهْدَةِ (1) قَوْلُه: ضَمِنْتُ عُهْدَتَه. أو: ثَمَنَه. أو: دَرَكَه. أو يَقُولُ للمُشْتَرِي: ضَمِنْتُ خَلاصَكَ منه. أو: متى خَرَج المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فقد ضَمِنْتُ لك الثَّمَنَ. وحُكِيَ عن أبي يُوسُفَ أنَّه إذا قال: ضَمِنْتُ (2) عُهْدَتَه. أو: ضَمِنْتُ لك العُهْدَةَ. لم يَصِحَّ، لأنَّ العُهْدَةَ الصَّكُّ بالابْتِياعِ، كذا فَسَّرَه أهْلُ اللُّغةِ، فلا يَصِحُّ ضَمانُه للمُشْتَرِي؛ لأنَّه مِلْكُه. وليس بِصَحيحٍ؛ لأنَّ العُهْدةَ في العُرْفِ عِبارَةٌ عن الدَّرَكِ
(1) في ق، م:«عهدة المبيع» .
(2)
بعده في الأصل: «لك» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وضَمانِ الثَّمَنِ، والمُطْلَقُ يُحْمَلُ على الأسْماءِ العُرْفِيَّةِ، كالرّاويَةِ، تُحْمَلُ عندَ إطْلاقِها على المَزادةِ لا (1) على الجَمَلِ، وإن كان هو (2) المَوْضُوعَ لُغَةً. فأمّا إن ضَمِن له خَلاصَ المَبِيعِ، فقال أبو بكرٍ: هو باطِلٌ؛ لأنَّه إذا خَرَج حُرًّا أو مُسْتَحَقًّا، لم يَسْتَطِعْ تَخْلِيصَه، ولا يَحِلُّ. وقد قال أحمدُ، في رَجُلٍ باع عَبْدًا أو أمَةً، وضَمِن له الخَلاصَ، فقال: كيف يَسْتَطيِعُ الخَلاصَ إذا خَرَج حُرًّا؟. فإن ضَمِن عُهْدَةَ المَبِيعِ وخَلاصَه، بَطَل في الخَلاصِ. وتَنْبَنِي صِحَّتُه في العُهْدةِ على تَفْرِيقِ الصَّفْقةِ.
إذا ثَبَت صِحَّةُ ضَمانِ العُهْدةِ، فالكَلامُ فيما يَلْزَمُ الضّامِنَ، فنقولُ: اسْتِحقاقُ رُجُوعِ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ، إمَّا أن يكونَ بسَبَبٍ حادِثٍ بعدَ العَقْدِ، أو مُقارِنٍ له؛ فأما الحادِثُ فمثلُ تَلَفِ (3) المَكِيلِ والمَوْزُونِ في يَدِ البائِعِ، أو بغَصْبٍ مِن يَدِه، أو يَتَقايَلان، فإنَّ المُشْتَرِيَ يَرْجِعُ على البائِعِ دُونَ الضّامِنِ؛ لأنَّ هذا لم يَكُنْ مَوْجُودًا حال العَقْدِ، وإنَّما ضَمِن الاسْتِحقاقَ المَوْجُودَ حال العَقْدِ. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ به على الضّامِنِ؛ لأنَّ ضمانَ ما لم يَجِبْ جائِزٌ، وهذا منه. وأمّا إن كان بسَبَبٍ مُقارِنٍ، نَظَرْنا؛ فإن كان بسَبَبٍ لا تَفْريطَ مِن البائِعِ فيه، كأخْذِه
(1) سقط من: الأصل.
(2)
سقط من: الأصل، ر 1، م.
(3)
سقط من: الأصل.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالشُّفْعَةِ، فإنَّ المُشْتَرِيَ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِن الشَّفِيعِ، ولا يَرْجِعُ على البائِعِ ولا الضّامنِ. ومتى لم يَجِبْ على المَضْمُونِ عنه، لم يَجِبْ على الضّامِنِ بطَرِيقِ الأوْلَى. فأمّا إن كان زَوالُ مِلْكِه عن المَبِيعِ بسَبَبٍ مُقارِنٍ؛ لتَفْرِيطٍ مِن البائِعِ، باسْتِحْقاقٍ، أو حُرِّيَّةٍ، أو ردٍّ بعَيبٍ قديم، فله الرُّجُوعُ على الضّامِنِ، وهذا ضَمانُ العُهْدةِ، وإن أراد أخْذَ أرْشِ العَيبِ، رَجَع على الضّامِنِ أيضًا؛ لأنَّه إذا لَزِمَه كلُّ الثَّمَنِ، لَزِمَه بعضُه إذا اسْتَحَقَّ ذلك على المَضْمُونِ عنه، وسواءٌ ظَهَر كلُّ المَبِيعِ مُسْتَحَقًّا أو بعضُه؛ لأنَّه إذا ظَهر بعضُه مُسْتَحَقًّا، بَطَل العَقْدُ في الجَمِيعِ، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ، فقد خَرَجَتِ العَينُ كلها مِن يَدِه بسَبَبِ الاسْتِحْقاقِ. وعلى الرِّوايَةِ الأخْرَى، يَبْطُلُ في البَعْضِ المُسْتَحَقِّ، وله رَدُّ الجَمِيعِ، فإن رَدَّها فهو كما لو اسْتُحِقَّتْ كلها، وإن أمْسَكَ بعضَها فله المُطالبَةُ بالأَرْشِ، كما لو وَجَدَها مَعِيبَةً. ولو باعَه عَينًا أو أقْرَضَه بشَرْطِ أن يَرْهَنَ عندَه عَينًا عَيَّنَها، فَتَكَفَّلَ رجلٌ بتَسْلِيمِ الرَّهْنِ، لم تَصِحَّ الكَفالةُ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُ البائِعَ، فلا يَلْزَمُ الكَفِيلَ ما لا يَلْزَمُ الأصِيلَ (1). وإن ضَمِن للمُشْتَرِي قِيمَةَ
(1) في م: «الأصل» .
(المقنع والشرح والإنصاف 13/ 3)