الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإنْ بَقِيَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ بَقِيَّةٌ، وَلَهُ صَنْعَةٌ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إيجَارِ نَفْسِهِ لِقَضَائِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
1930 - مسألة: (وإنْ بَقِيَتْ على المفْلِسِ بَقِيَّةٌ، وله صَنْعَةٌ، فهل يُجْبَرُ على إيجارِ نَفْسِه لقَضائِها؟ على رِوايَتَين)
إحْداهُما، لا يُجْبَرُ. وهو قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ} (1). ولِما روَى أبو سعيدٍ، أنَّ رجلًا أُصِيبَ في ثِمارٍ ابْتَاعَها، فكَثُرَ دَينُه، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«تَصَدَّقُوا عَلَيهِ» . فتَصدَّقُوا عليه، فلم يَبْلُغْ وَفاءَ دَينِه، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» . رَواه مسلمٌ (2). ولأنَّه تَكَسُّبٌ للمالِ، فلم يُجْبَرْ عليه، كقَبُولِ الهِبَةِ
(1) سورة البقرة 280.
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 237.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والصَّدَقَةِ، وكما لا تُجْبَرُ المرأةُ على التَّزْويجِ لتَأْخُذَ المَهْرَ. والثانيةُ، يُجْبَرُ على الكَسْبِ. وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، [وسَوّارٍ العَنْبَرِيِّ](1)، وإسحاقَ؛ لِما رُويَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم باع سُرَّقًا (2) في دَينِه، وكان سُرَّق دَخَل المَدِينَةَ وذَكَر أنَّ وراءَه مالًا، فدايَنَه النّاسُ، فرَكِبَتْه دُيُونٌ، ولم يَكُنْ وراءَه مالٌ، فسَمّاه سُرَّقًا، وباعَه بخَمْسَةِ أبْعِرَةٍ. رَواه الدّارَقُطْنِي بمَعْناه (3) مِن رِوايَةِ [مُسْلِمِ بنِ خالِدٍ الزَّنْجِيِّ](4)، إلَّا أنَّ فيه كَلامًا. والحُرُّ لا يُباعُ، ثَبَت أنَّه باعَ مَنافِعَه. ولأنَّ المَنافِعَ تَجْرِى مَجْرَى الأعْيانِ في صِحَّةِ العَقْدِ عليها وتَحْرِيمِ أخْذِ الزكاةِ وثُبُوتِ الغِنَى بها، فكذلك في وَفاءِ الدَّينِ منها. ولأنَّ الإِجارَةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فجاز إجْبارُه عليه، كبَيعِ مالِه. ولأنَّها إجارةٌ لِما يَمْلِكُ إجارَتَه، فيُجْبَرُ عليها
(1) في ر، ر 1، ق، م:«وسوار والعنبري» .
(2)
صحابي من جهينة، يقال إن اسمه الحباب بن أسد، شهد فتح مصر وأقام بها. مات في خلافة عثمان. الإصابة 3/ 44، 45.
(3)
في: كتاب البيوع. سنن الدارقطني 3/ 61، 62. كما أخرجه البيهقي بلفظه، في: باب ما جاء في بيع الحر المفلس في دينه، من كتاب التفليس. السنن الكبرى 6/ 50.
(4)
في م: «خالد بن مسلم الربحي» ، وفي الأصل، ر، ر 1، ق:«خالد بن مسلم الزنجي» . والمثبت على الصواب كما في الدارقطني. وانظر: تهذيب الكمال 27/ 508 - 514.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لوَفاءِ دَينِه، كإجارَةِ أُمِّ وَلَدِه. فإن قِيلَ: حديثُ سُرَّقٍ مَنْسُوخٌ، لأنَّ الحُرَّ لا يُباعُ، والبَيعُ وَقَع على رَقَبَتِه، بدَلِيلِ أنَّ في الحديثِ أنَّ الغُرَماءَ قالُوا لمُشْتَرِيه: ما تَصْنَعُ به؟ قال: أعْتِقُه. قالوا: لَسْنا بأزْهَدَ منك في إعْتاقِه. فأعْتَقُوه. قُلْنا: هذا إثْباتُ نَسْخٍ بالاحْتِمالِ، ولا يَجُوزُ، ولم يَثْبُتْ أنَّ بَيعَ الحُرِّ كانَ جائِزًا في شَرِيعَتِنا، وحَمْلُ بَيعِه على بيعِ مَنافِعِه أسْهَلُ مِن حَمْلِه على بَيعِ رَقَبَتِه المُحَرَّمِ، فإنَّ. حَذْفَ المُضافِ وإقامَةَ المُضافِ إليه كَثيرٌ في القُرْآنِ، وفي كَلام العَرَبِ، كقَوْلِه تعالى:{وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} (1). {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} (2). وغيرِ ذلك. وكذلك قَوْلُه: أعْتِقُه. أي من حَقِّي عليه. يَدُلُّ على ذلك قَوْلُه: فأعْتَقُوه. يَعْنِي الغُرَماءَ، وهم لا يَمْلِكُون إلَّا الدَّينَ الذي عليه. وأمّا قَوْلُه تعالى:{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ} . فيُمْكِنُ مَنْعُ دُخُولِه تحتَ عُمُومِها، لِما ذَكَرْنا مِن أنَّه في حُكْمِ الأغْنِياءِ (3) في حِرْمانِ الزكاةِ، وسُقُوطِ نَفَقَتِه عن قَرِيبِه، ووُجُوبِ نَفَقَةِ قَرِيبِه عليه. وحَدِيثُهم قَضِيَّةُ عَين لا يَثْبُتُ حُكْمُها إلَّا في مِثْلِها،
(1) سورة البقرة 93.
(2)
سورة يوسف 82.
(3)
في ق: «الإعسار» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم يَثْبُتْ أنَّ لذلك الغَرِيمِ كَسْبًا يَفْضُلُ عن قدْرِ نَفَقَتِه. أمّا قَبُولُ الهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ، فمَضَرَّةٌ تَأْباها قُلُوبُ ذَوى المُرُوءَاتِ؛ لِما فيهِا مِن المِنَّةِ. فعلى هذا، لا يُجْبَرُ على الكَسْبِ إلَّا مَن كَسْبُه يَفْضُلُ عن نفَقَتِه ونَفَقَةِ مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه؛ لِما تَقَدَّمَ.
فصل: ولا يُجْبَرُ على قَبُولِ صَدَقَةٍ، ولا هَدِيَّةٍ، ولا وَصِيَّةٍ، ولا قَرْضٍ، ولا المَرأةُ على التَّزْويجَ؛ ليَأْخُذَ مَهْرَها؛ لأنَّ في ذلك ضَرَرًا؛ للُحُوقِ (1) المِنَّةِ في الهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ والوَصِيَّةِ، والعِوَضِ في القَرْضِ، ومِلْكِ الزَّوْجِ للمرأةِ في النِّكاحِ، ووُجُوبِ حُقُوقِه عليها. ولو باع بشَرْطِ الخِيارِ، ثم أفْلَسَ، فالخِيارُ بحالِه، ولا يُجْبَرُ على ما فيه الحَظُّ مِن الرَّدِّ والإِمْضاءِ؛ لأنَّ الفَلَسَ يَمْنَعُه مِن إحْداثِ عَقْدٍ، أمّا مِن إمْضائِه وتَنْفِيذِ عُقُودِه فلا.
فصل: وإن جُنِىَ على المُفْلِسِ جِنَايَةٌ تُوجِبُ المال، ثَبَت، وتَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الغُرَماءِ به، ولا يَصِحُّ عَفْوُه، فإن كانت مُوجِبَةً للقِصاصِ، فهو مُخَيَّرٌ بينَ القِصاصِ والعَفْو، ولا يُجْبَرُ على العَفْو على مالٍ؛ لأنَّ ذلك يُفَوِّتُ القِصاصَ الذي يَجِبُ لمَصْلَحَةِ الزجرِ. فإنِ اقْتَصَّ، لم يَجِبْ للغُرَماءِ شيءٌ، وإن عَفا على مالٍ، ثَبَت، وتَعَلَّقَ به حُقُوقُ الغُرَماءِ. وإن عَفا مُطْلَقًا، انْبَنَى على الروايَتَين في مُوجَبِ العَمْدِ، إن قُلْنا: القِصاصُ
(1) في ر، ر 1، ق:«لخوف» .