الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقنع وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيهِ، وَلَا رِضَا الْمُحْتَالِ إِنْ كَانَ الْمُحَالُ
ــ
عليه إبِلٌ مِن الدِّيَةِ، وله على آخَرَ مِثْلُها في السِّنِّ، فقال القاضِي: تَصِحُّ؛ لأَنَّها تخْتَصُّ بأقَلِّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ في السِّنِّ والقِيمَةِ وسائرِ الصِّفاتِ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا تَصِحُّ، في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّها مَجْهُولَةٌ، ولأنَّ الإِبلَ ليست مِن المِثْلِيّاتِ التي تُضْمَنُ بمِثْلِها في الإِتْلافِ، فلا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ سَلَمًا في روايَةٍ. وإن كان عليه إبِلٌ مِن (1) ديَةٍ، وله على آخَرَ مِثْلُها قَرْضًا، فأحَاله عليه، فإن قُلْنا: يَرُدُّ في (2) القَرْضَ قِيمَتَها. لم تَصِحَّ الحَوالةُ؛ لِاخْتِلافِ الجِنْسِ. وإن قُلْنا: يَرُدُّ مِثْلَها. اقْتَضَى قولُ القاضِي صِحَّةَ الحَوالةِ؛ لأنَّه أمْكَنَ اسْتِيفاءُ الحَقِّ على صِفَتِه مِن المُحالِ. عليه، ولأنَّ الخِيَرَةَ في التَّسْلِيمِ إلى مَن عليه الدِّيَةُ، وقد رَضِيَ بتَسْلِيمِ ما له في ذِمَّةِ المُقْتَرِضِ. وإن كانت بالعَكْسِ، فَأحال (3) المُقْرِضَ بإِبِلِ الدِّيَةِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّنا إن قُلْنا: تَجِبُ القِيمَةُ في القَرْضِ. فقد اخْتَلَفَ الجِنْسُ. وإن قُلْنا: يَجِبُ المِثْلُ. فلِلْمُقْرِضِ مِثْلُ ما أقْرَضَ في صِفاتِه وقِيمَتِه، والذي عليه الدِّيَةُ لا يَلْزَمُه ذلك.
1857 - مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ رِضا المُحالِ عليه، ولا رِضا
(1) في م: «في» .
(2)
سقط من: م.
(3)
في م: «فاحتال» .
عَلَيهِ مَلِيئًا.
ــ
المُحْتالِ إن كان المُحالُ عليه مَلِيئًا) أمّا المُحالُ عليه فلا يُعْتَبَرُ رِضاه؛ لأنَّ للمُحِيلِ (1) أن يَسْتَوْفِيَ الحَقَّ بِنَفْسِه وبِوَكِيلِه، وقد أقامَ المُحْتال مُقامَ نَفْسِه في القَبْضِ، فلَزِمَ المُحال عليه الدَّفْعُ إليه، كالوَكِيلِ، وإنما تُعْتَبَرُ المَلاءَةُ في رِضا المُحْتالِ. [والمَلِئُ: القادِرُ على الوَفاءِ، غيرُ المُماطِلِ. جاءَ في الحَدِيثِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ اللهَ تعالى يَقُولُ:«مَنْ] (2) يُقْرِضُ الْمَلِئَ غَيرَ الْمُعْدِمِ» (3). وقال الشّاعِرُ (4):
تُطِيِلينَ لَيّانِي وأنْتِ مَليئَةٌ
…
وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوشاحِ التَّقاضِيَا
يَعْنِي قادِرَةٌ على وَفائِي. قال أحمدُ في تَفْسِيرِ المَلِئِ: أن يَكُونَ مَلِيئًا بمالِه وقَوْلِه وبَدَنِه. فمتى أُحِيلَ على مَن هذه صِفَتُه، لَزِم المُحْتال والمُحال
(1) في الأصل: «للمحتال» .
(2)
سقط من: م.
(3)
أخرجه مسلم بمعناه، في: باب الترغيب في الدعاء والذكر. . . .، من كتاب صلاة المسافرين. صحيح مسلم 1/ 522.
(4)
البيت لذي الرمة، وهو في ديوانه 2/ 1306.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه القَبُولُ، ولم يُعْتَبَرْ رِضاهُما. وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ رِضاهُما؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ، فيُعْتَبَرُ الرِّضا مِن المُتَعاقِدَين. وقال مالِكٌ، والشافعيُّ: يُعْتَبَرُ رِضا المُحْتالِ؛ لأنّ حَقَّه في ذِمَّةِ المُحِيلِ، فلا يَجُوزُ نَقْلُه إلى غيرِها بغيرِ رِضاه، كما لا يَجُوزُ أن يُجْبِرَه على أن يَأْخُذَ بالدَّينِ عَرْضًا (1). فأمّا المُحالُ عليه، فقال مالِكٌ: لا يُعْتَبَرُ رِضاه، إلَّا أن يَكُونَ المُحْتالُ عَدُوَّه. وللشافعيِّ في اعْتِبارِ رِضاه قَوْلان؛ أحدُهما، يُعْتَبَرُ. وهو يُحْكَى عن الزُّهْرِيِّ؛ لأنَّه أحَدُ مَن تَتِمُّ به الحَوالةُ، فأشْبَهَ المُحِيلَ. والثّانِي، لا يُعْتَبَرُ؛ لأنَّه أقَامَه في القَبْضِ مُقامَ نَفْسِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى رِضا مَن عليه الحَقُّ، كالتَّوْكِيلِ. ولَنا، قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«إذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فَلْيَتْبَعْ» . [مُتَّفقٌ عليه](2). ولأنَّ للمُحِيلِ أن يُوَفِّيَ الحَقَّ الذي عليه بنَفْسِه وبوَكِيلِه، وقد أقامَ المُحال عليه مُقامَ نَفْسِه في التَّقْبِيضِ، فلَزِمَ المُحْتال (3) القَبُولُ، كما لو وَكَّلَ رجلًا في إيفائِه. وفارَقَ ما إذا أرادَ أن يُعْطِيَه عمَّا في ذِمَّتِه عَرْضًا؛ لأنَّه يُعْطِيه غيرَ ما وَجَب له، فلم يَلْزَمْه قَبُولُه.
(1) في م: «عوضا» .
(2)
سقط من: م. والحديث تقدم تخريجه في صفحة 89.
(3)
في ق: «المحال» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن لم يَكُنِ المُحالُ عليه مَلِيئًا، لم يَلْزَمْه أن يَحْتال؛ لمَفْهُومِ الحَدِيثِ، ولأنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك، فلم يَلْزَمْه، كما لو بَذَلَ له دُونَ حَقِّه في الصِّفَةِ.
فصل: فإن شَرَط المُحْتالُ مَلاءَةَ المُحالِ عليه، فبانَ مُعْسِرًا، رَجَع على المُحِيلِ. وبه قال بعضُ الشّافِعِيَّةِ. وقال بعضُهم: لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ الحَوالةَ لا تُرَدُّ بالإِعْسارِ، وإذا لم يَشْتَرِطِ المَلاءَةَ، فلا تُرَدُّ به، وإن شَرَط، كما لو شَرَط كَوْنَهُ مُسْلِمًا. ويُفارِقُ البَيعَ، فإنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ بالإِعْسارِ فيه مِن غيرِ شَرْطٍ، بخِلافِ الحَوالةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (1). ولأنَّه شَرَط ما فيه مَصْلَحَةُ العَقْدِ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فيَثْبُتُ الفَسْخُ بفَواتِه، كما لو شَرَط صِفَةً في المَبِيِعِ، وقد يَثْبُتُ بالشَّرْطِ ما لا يَثْبُتُ بإطْلاقِ العَقْدِ، بدَلِيلِ اشْتِراطِ صِفةٍ في المَبِيعِ.
(1) تقدم تخريجه في 10/ 149.