الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ الْحَجْر
وَهُوَ عَلَى ضَرْبَينِ؛ حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيرِ، نَذْكُرُ. مِنْهُ
ــ
كِتَابُ (1) الحَجْر
الحَجْرُ في اللُّغَةِ: المَنْعُ والتَّضْيِيقُ. ومنه سُمِّيَ الحَرامُ حِجْرًا، قال اللهُ تعالى:{وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا} (2). أي حَرامًا مُحَرَّمًا. ويُسَمَّى العَقْلُ حِجْرًا، قال اللهُ تعالى:{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} (3). أي عَقْلٍ، سُمِّيَ حِجْرًا؛ لأنَّه يَمْنَعُ صاحِبَه مِن ارْتكابِ ما يَقْبُحُ. وهو في الشَّرْعِ: مَنْعُ الإِنْسانِ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه.
1903 - مسألة: (وهو على ضَرْبَين)
حَجْرٌ على الإنْسَانِ لحَظِّ نَفْسِه، و (حَجْرٌ لحَقِّ غيرِه) كالحَجْرِ على المَرِيضِ في التبَّرُّعِ بما زاد على الثُّلُثِ لحَقِّ الوَرَثَةِ، وعلى العَبْدِ والمُكاتَبِ لحَقِّ السَّيِّدِ، والرَّاهِنُ يُحْجَرُ عليه في الرَّهْنِ لحَقِّ المُرْتَهِنِ. ولهؤلاءِ أبْوابٌ يُذْكَرُون فيها. ومِن
(1) في م:
«باب»
.
(2)
سورة الفرقان 22.
(3)
سورة الفجر 5.
هَهُنَا الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ.
ــ
ذلك (الحَجْرُ على المُفْلِسِ) لحَقِّ الغُرَماءِ، وهو المَذْكُورُ ههُنا. والمُفْلِسُ: هو الذي لا مال له، ولا ما يَدْفَعُ به حاجَتَه؛ ولهذا لَمّا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأصْحابِه:«أتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» . قالُوا: يا رسولَ اللهِ، المُفْلِسُ فينَا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ. قال:«لَيسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بحَسَناتٍ أمْثَالِ الجِبالِ، ويَأْتِي وَقَدْ ضَرَبَ هَذا، وَلَطَمَ هذَا، [وأكلَ مال هذا] (1)، وأخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا، فَيَأخُذُ هَذَا مِنْ حَسَناتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإنْ بَقِيَ عَلَيهِ شَيْءٌ أخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَرُدَّ عَلَيهِ، ثُمَّ صُكَّ لَهُ صَكٌّ إلى النَّارِ» . أخْرَجَه مسلمٌ بمعْناه (2). فقَوْلُهم
(1) زيادة من: م. وهي عند مسلم والإمام أحمد.
(2)
في: باب تحريم الظلم، من كتاب البر. صحيح مسلم 4/ 1997.
كما أخرجه الإمام أحمد، في: المسند 3/ 302، 334، 372.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك إخْبارٌ عن حَقِيقَةِ المُفْلِسِ، وقولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«لَيسَ ذَلِكَ (1) المُفْلِسَ» . تَجَوُّزٌ لم يُرِدْ به نَفْيَ الحَقِيقَةِ، بل أراد أن فَلَسَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأعْظَمُ؛ بحيث يَصِيرُ مُفْلِسُ الدُّنْيا بالنِّسْبَةِ إليه كالغَنيِّ. ونَحْوُ هذا قَوْلُه عليه الصلاة والسلام:«لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ ألْغَضَبِ» (2). وقَوْلُه: «لَيسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (3). ومنه قولُ الشّاعِرِ (4):
لَيسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ
…
إنَّمَا المَيتُ مَيِّتُ الأحْيَاء
قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ هذا مُفْلِسًا؛ لأنَّه لا مال له إلَّا الفُلُوسَ، وهي أَدْنَى أنْواعِ المالِ. والمُفْلِسُ في عُرْفِ الفُقَهاءِ: مَن دَينُه أكْثَرُ مِن مالِه. وسَمَّوْه مُفْلِسًا وإن كان ذا مالٍ؛ لأنَّ ماله مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ في جِهَةِ دَينِه، فكأنَّه مَعْدُومٌ. وقد دَلَّ عليه تَفْسِيرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مُفْلِسَ الآخِرَةِ، فإنَّه أخْبَرَ أنَّ له حَسَناتٍ أمثال الجِبالِ، لكنَّها لا تَفِي بما عليه، فقُسِمَتْ بينَ الغُرَماءِ،
(1) في الأصل، ر:«ذلكم» .
(2)
تقدم تخريجه في 7/ 211.
(3)
أخرجه البخاري، في: باب الغنى غنى النفس، من كتاب الرقاق. صحيح البخاري 8/ 118. ومسلم، في: باب ليس الغنى عن كثرة العرض، من كتاب الزكاة. صحيح مسلم 2/ 726. والترمذي، في: باب ما جاء أن الغنى غنى النفس، من أبواب الزهد. عارضة الأحوذي 9/ 221. وابن ماجه، في: باب القناعة، من كتاب الزهد. سنن ابن ماجه 2/ 1386. والإمام أحمد، في المسند: 2/ 243، 261، 315، 390، 438، 443، 539، 540.
(4)
نسب ابن منظور البيت، في اللسان (م وت)، إلى عدى بن الرعلاء الغساق، أحد بني عمرو بن مازن، والرعلاء أمه، وكذلك نسبه ابن يعيش في: شرح المفصل 10/ 69. ونسبه ياقوت، في محجم الأدباء 12/ 9 إلى صالح بن عبد القدوس.