الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثامن
الحزن والبكاء
الحزن في القرآن منهيّ عنه أو منفيّ
ما جاء الْحُزْنُ فِي كتاب الله تعالى إِلَّا مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَوْ مَنْفِيًّا، فمن المَنْهِيّ عَنْهُ قوله تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا
…
... (139)} [آل عمران]، وَقَوْله: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ
…
(176)} [آل عمران]، وَقَوْله:{فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)} [المائدة]، وَقَوْله:{فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)} [المائدة]، وَقَوْله: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
…
(40)} [التّوبة]، وَقَوْله:
…
{وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ
…
(65)} [يونس]، وَقَوْله:{وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)} [الحجر]، وَقَوْله:{وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)} [النّحل]، وَقَوْله: {وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ
…
(33)} [العنكبوت]، وَقَوْله: {وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ
…
(23)} [لقمان]، وَقَوْله: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ
…
(8)} [فاطر]، وَقَوْله:
…
{فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ
…
(76)} [يس].
ومن النَّهي أَيْضًا قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)} [الكهف]، وقوله:{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)} [الشّعراء]، فقد جاءت (لعَلَّ) مُضَمَّنَةً مَعْنَى النَّهي عن الحزن عليهم كما يدلّ السّياق.
وَمن المَنْفِيّ قوله تعالى: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)} [البقرة]، وَقَوْله: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
…
(153)} [آل عمران] وَقَوْله: {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)} [آل عمران]، وَقَوْله:{لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [يونس]، وَقَوْله:{لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)} [الزّمر].
والحزن لا يقع باختيار الإنسان، فالنَّهي عن الحزن على الحقيقة المراد به النّهي عمَّا يورث الحزن ويجدّده ويعظّم شأنه، أي النّهي عن طلبه والإغراق فيه لما يسبّبه من ضرر.
وأكثر ما يبعث الحزن التَّذكُّر والتَّأسّف، فهذا سيّدنا يعقوب عليه السلام ابيضَّت عيناه من تَجَدُّدِ الحزن ومعاودة الحنين، قال تعالى:{وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)}
…
[يوسف].
فالحزن ليس محظورًا؛ لأنّه أَمْرٌ ليس اختيارًا، وهناك مواقف حزن فيها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وبكى، فلمَّا مات ابنه إبراهيم عليه السلام، قال صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ"(1). وقد صبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على وفاة أبنائه، فقد ماتوا جميعًا في حياته عدا فاطمة عليها السلام، فإنّها توفيت بَعْدَه بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ كما ثبت في الصَّحيح.
(1) البخاريّ "صحيح البخاريّ"(ج 2/ص 83/رقم 1303) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
ولمّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام:"وَا كَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ"(1)، ولم ينكر عليها ذلك.
فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: "يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، مَأْوَاهْ يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام: يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم التُّرَابَ؟ ! "(2)،
وقَالَ أنس رضي الله عنه: "مَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا"(3).
فإظهار الحزن والأسى والأسف على المصيبة جائز إذا لم يخرج عن معنى الرِّضا ويدخل في معنى السَّخط، وهذا نبيّ كريم يعقوب عليه السلام، يقول: {يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ
…
(84)}
…
[يوسف].
والبكاء لا يضرُّ ما دام القلب راضيًا، بل إسبال الدَّمع يردُّ وطأة الأحزان، والدُّموع على الشّجو والأشجان أعوان، والدّموع الهوامع رحمة، لكن هناك صفة للبكاء يُعَذَّب عليها، وهي أن يقول العبد مَا لَا يُرْضِي الرَّبَّ، قال صلى الله عليه وسلم: " أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ الله لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا
…
ـ وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ ـ " (4).
(1) البخاريّ "صحيح البخاريّ"(ج 6/ص 15/رقم 4462) كِتَابُ المَغَازِي.
(2)
المرجع السّابق.
(3)
أحمد "المسند"(ج 21/ص 330/رقم 13830) إسناده قويّ على شرط مسلم.
(4)
البخاريّ "صحيح البخاريّ"(ج 2/ص 84/رقم 1304) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
والشّيطان همّه أن يوقع المؤمنين في الحزن والهمِّ، ليضعف تَعَلُّقَ هِمَم نفوسهم بِالْآخِرَةِ، قال الله تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا
…
(10)} [المجادلة].
والهمّ أخو الحزن فهما صنوان، ولعلَّ الفرق بينهما أنَّ الهمَّ يَرِدُ على القلب إذا كان هناك مكروه سيقع في المستقبل، والحزن يكون بسبب مكروه وقع.
والهمُّ والحزن من أمراض القلوب الَّتي توهن العزائم، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ:"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ"(1). وهذه الدَّار تَكْثُرُ فِيها الْهُمُومُ وَالأَحْزَانُ، ولذلك إذا دخل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
…
(34)} [فاطر]، فدلَّ عَلَى أَنَّ حُزْنَ الدُّنْيَا غَيْرُ مَحْمُودٍ.
ولم يأت الحزن في مقام المدح في موضع، ولم يأمر الله تعالى به قطّ، أمّا قوله
تعالى: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)} [التّوبة]، فلم يمدحوا على الحزن، وإنّما على دلالته، فهو يكشف عن صدق إيمانهم، وحسن نيّاتهم، فقد بكوا لمّا قال لهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: {
…
لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ
…
(92)} [التّوبة].
وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: "مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ"(2).
(1) البخاريّ "صحيح البخاريّ"(ج 8/ص 78/رقم 6363) كِتَابُ الدَّعَوَاتِ.
(2)
البخاري "صحيح البخاريّ"(ج 7/ص 114/رقم 5641) كِتَابُ المَرْضَى.