الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا والإجماع منعقد على عدالة الصَّحابة، ولم يندّ عن ذلك إلّا من لا يُعَدُّ خلافه خلافًا، ولم يعترض إلَّا من ليس له قدم راسخة في العلم أو باع في الفهم، ولا نترك كلام الله تعالى وكلامَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في عدالة الصَّحابة لقول أحد، أيًّا كان هذا الأحد، وأين في النَّاس من يرتقي مرتقاهم، أو يبلغ ذراهم؟ !
أحاديث توهم أَنَّ مَنْ بكاه أهله أو نِيحَ عَلَيْه عُذِّبَ بَعْدَ مَوْتِهِ
فإن قال قائل: ولكنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، قال:"إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"(1)، وقال صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ"(2)، وقال صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"(3)، فكيف يرخِّص عمر رضي الله عنه بالبكاء؟ !
فالجواب: هَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ الله رضي الله عنهما، وهي ممّا استدركته عائشة رضي الله عنها على الصَّحابة، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
…
(164)} [الأنعام].
ذُكِرَ لَهَا رضي الله عنها أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، يَقُولُ: إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: "يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ، لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ عُمَرَ، لَا وَالله مَا حَدَّثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ
(1) البخاريّ "صحيح البخاريّ"(ج 2/ص 79/رقم 1286) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
(2)
المرجع السّابق.
(3)
المرجع السّابق.
المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ قَالَ: إِنَّ اللهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
…
(164)} [الأنعام]، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ {أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43)} [النّجم]، قَالَ
…
ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَوَالله مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ شَيْءٍ" (1).
وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، فَتَأَوَّلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُبْكَى وَيُنَاحَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وعُمِل بوصيّته، فَهَذَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ ونوح أَهْلِهِ عَلَيْهِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ سعيه، أَمَّا مَنْ بَكَاه أَهْلُهُ وَنَاحُوا عليه مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْهُ فَلَا يُعَذَّبُ لِقَوْلِه تَعَالَى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
…
(164)} [الأنعام].
ولعلَّ ما يؤكِّد ذلك، وأنَّه إنَّما يُعَذَّب إذا رضي منهم النّوح عليه، أنَّ البخاري قيده في ترجمته للباب بقوله:"إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ"(2).
قلت: وليس المراد مطلق البكاء، فقد جاء مقيّدًا، في قوله صلى الله عليه وسلم:"المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ"(3)، فيحمل المطلق على المقيّد. وليس مطلق النّوح يعذّب الميّت عليه، وإنّما يعذَّب إذا أوصى النَّاس بالبكاء والعويل عليه بعد موته، لأنَّ وصيَّته مخالفة لِلسُّنَّةِ، أو لم يوص بترك البكاء والإِعْوال وهو يعلم أنَّ أهله قد يقع منهم ذلك إذا هلك.
فإذا لم يأمر به ولم يرضه ولم يهمل الوصيَّة ولم يفرِّط بالوصيَّة بتركه، فلا
(1) مسلم "صحيح مسلم"(ج 2/ص 642) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.
(2)
البخاريّ "صحيح البخاريّ"(ج 2/ص 79) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.
(3)
البخاريّ "صحيح البخاريّ"(ج 2/ص 80/رقم 1292) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.
شيء عليه، فإنَّ الله تعالى يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
…
(18)} [فاطر].
ولعلَّ ما يؤكِّد أنَّه ليس كلّ ميِّت يُعَذَّب بالبكاء، وإنَّما ميِّت مخصوص، أنَّ كلمة (الميّت) دخلت عليها (أل) العهديَّة الَّتي تدخل على النكرة فتكسبها شيئًا من التَّعريف، فتجعل مدلولها فردًا معيّنًا بعد أن كان مبهمًا عامًّا.
وسمِّيت عهديَّة لأنَّها تدخل على كلِّ معهود بين المتكلم والمخاطب، فالمراد ميِّت معهود معيَّن. ومعلوم أنَّ ما عُرِّف بِـ (ألْ) العهديّةِ، فهو معرَّفٌ لفظًا لاقترانه بألْ، ومعنًى لدلالتِه على مُعَيّنٍ، فهو بحكم المقيَّد، فالمراد ميِّت بعينه، وليس مطلق ميِّت، أيّ ميِّت.
ولا يصحُّ أن يقال إنَّها (أل) الجنسيَّة؛ لأنَّ (أل) الجنسيَّة تدخل على اسم لا يراد به معيّن، بل كلّ فرد من أفراد الجنس، فهي تفيد الاستغراق والشّمول والإحاطة والعموم؛ فمصحوبها في حُكم النَّكرةِ من حيثُ معناهُ، فالمعرَّف بِـ (ألْ) الجنسيّةِ نكرةٌ معنًى، معرفةٌ لفظًا، فلا يجوز أن يقال كلمة (الميّت) نكرة معنى؛ لأنّ
النَّكرة تفيد العموم.
أو بعبارة أخرى ما تدخل عليه (أل) الجنسيّة يكون لفظه معرفة، لكنّ معناه معنى النَّكرة المسبوقة بكلمة: كلّ، فيشمل كلّ فرد من أفراد مدلولها، فأل الجنسيّة يصحّ أن يحلَّ محلّها لفظة (كلّ) فلو قلت: النّهر عذب، لكان المعنى: كلّ نهر عذب، ولو قلت: الميّت يعذّب، لكان المعنى: كلّ ميّت يعذّب، هكذا يخرج الكلام مطلقًا، وهذا لَيْسَ مُرَادًا من الحديث الشَّريف قَطْعًا، والمراد مَا بَيَّنَّاهُ جَزْمًا.
ومن الأخبار الَّتي توهم أَنَّ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ عُذِّبَ بَعْدَ مَوْتِهِ، ما رواه مسلم