الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثالث عشر
القبر: ضمته فتنته نعيمه وعذابه
القبر أوَّل منازل الآخرة
كَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى، حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَذْكُرُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فَلا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ، فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ"(1).
البرزخ
مَا بَيْنَ المَوْتِ وَالْبَعْثِ فترة سمِّيت في القرآن الكريم بالبرزخ، قال تعالى:{وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)} [المؤمنون]، أي حاجز وحاجب بَين الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، فكلّ شَيْء يحجز بَين شَيْئَيْنِ يسمَّى برزخًا، وَمِنْه قوله تعالى:
…
{بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20)} [الرّحمن]، وقوله تعالى:{وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)} [الفرقان]. والبرزخ مقدّمة الآخرة، وفيه ضغطة، وفتنة، ونعيم أو عذاب، وهو عالم بين الدُّنيا والآخرة، وله تعلّق بهما.
ضغطة القبر
قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ"(2). وَسَعْدٌ رضي الله عنه ممَّن شهد بدرًا، والخندق ورمي ذلك اليوم بسهم فعاش بعد
(1) أحمد "المسند"(ج 1/ص 503/رقم 454) إسناده صحيح.
(2)
أحمد "المسند"(ج 41/ص 204/رقم 24663) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.
ذلك شهرًا، حتى حكم في بني قريظة، ومناقبه في الصِّحاح سائرة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ المَسْجِدِ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: "قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ، أَوْ سَيِّدِكُمْ. فَقَالَ:
…
يَا سَعْدُ إِنَّ هَؤُلاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ
…
" (1) الحديث، وفيه منقبة واضحة لسعد.
ومن مناقبه رضي الله عنه ما أخرجه مسلم وغيره عن البَرَاء رضي الله عنه، يَقُولُ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمِسُونَهَا وَيَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ:"أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ"(2).
ولمّا مات سعد رضي الله عنه اهتزَّ له العرش فرحًا، وما علمنا عرْشَ الرَّحمنِ اهتزَّ لموت أحد إلا لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ! عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ:"اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ"(3).
ولمَّا حُمِلَ سعد عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ ليقبر طعن المنافقون في جنازته لخفَّتها، وما علموا أنَّ الملائكة اشتركت في حملها، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ
…
- وَجِنَازَةُ سَعْدٍ مَوْضُوعَةٌ -: "اهْتَزَّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ" فَطَفِقَ المُنَافِقُونَ فِي جِنَازَتِهِ، وَقَالُوا: مَا أَخَفَّهَا! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"إِنَّمَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ المَلَائِكَةُ مَعَهُمْ"(4).
ومِن شمائله رضي الله عنه ما أخرجه ابنُ حبَّان عَن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنْ
(1) البخاري "صحيح البخاريّ"(ج 5/ص 35/رقم 3804) كتاب مَنَاقِبِ الأَنْصَارِ.
(2)
مسلم "صحيح مسلم"(ج 4/ص 1916) كتاب فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ? .
(3)
البخاري "صحيح البخاريّ"(ج 5/ص 35/رقم 3803) كتاب مَنَاقِبِ الأَنْصَارِ.
(4)
ابن حبّان "صحيح ابن حبّان"(ج 15/ص 505/رقم 7032) حديث صحيح.
رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ المَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً، ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ"(1).
وقد يَتَعَجَّبُ مُتَعَجِّبٌ، ويقول: لِمَ لَمْ يَنْجُ سعد من ضمَّة القبر، وهو مَنْ
…
هو؟ ! وهل له سَبْقُ ذَنْب استحقَّ عليه تلك الضَّمَّة؟ وكيف لم تشفع له سوابقه؟ !
والجواب أنَّ ضمَّة القبر لا ينجو منها أحد بعمل، ولا تستدعي سبق ذنب، ولا يُعْفَى منها أحد، ولا يفلت منها كبير ولا صغير، ولا مؤمن ولا كافر، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، عَنْ أَبِي أَيُّوب رضي الله عنه، أَنَّ صَبِيًّا دُفِنَ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:" لَوْ أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ لَأَفْلَتَ هَذَا الصَّبِيُّ"(2).
ولو انفلت منها أحدٌ لصلاحه لانفلت منها سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رضي الله عنه، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حِينَ دُفِنَ سعد:"سُبْحَانَ الله! لَوِ انْفَلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ لانْفَلَتَ منها سَعْدٌ"(3).
وعَنْ جَابِر رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ
(1) النّسائيّ "سنن النّسائيّ"(ص 328/رقم 2055) وصحّحه الألباني في "الصّحيحة"(ج 4/ص 268/رقم 1695)، و"صحيح الجامع"(ج 2/ص 1172/رقم 6987).
(2)
الطّبراني "المعجم الكبير"(ج 4/ص 121/رقم 3858)، وقال الهيثمي في "مجمع الزّوائد" (ج 3/ص 47/رقم 4259): روَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.
(3)
البزّار "مسند البزّار"(ج 12/ص 152/رقم 5747) رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادَيْنِ، وَرِجَالُ أَحَدِهِمَا رِجَالُ الصَّحِيحِ، كذا قال الهيثمي في "مجمع الزّوائد"(ج 9/ص 308/رقم 15691). وَجَوَّدَ إسناده الألبانيّ في "الصّحيحة"(ج 7/ص 1040/ رقم 3345).
حِينَ تُوُفِّيَ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرْنَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله، لِمَ سَبَّحْتَ؟ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ:"لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَهُ اللهُ عَنْهُ"(1).
لكن الّذي لا ريب فيه أنَّ المسيئين والمحسنين لا يَسْتَوُونَ محيًا ولا مماتًا، لا
في ضمَّة القبر ولا في غيرها، قال تعالى:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)} [الجاثية].
وَقد أنكر الله تَعَالَى على من نَسَبَ إِلَى حكمته التَّسْوِيَة بَيْنَ المسلمين والمجرمين، والمصلحين والمفسدين، والمتَّقين والفجَّار، فقال تعالى:{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)} [القلم]، وقال تعالى:{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)} [ص]، وقال تعالى:{أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)} [القصص].
ومعيَّة الله تعالى للمتَّقين والمحسنين، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)} [النّحل]، فمن يتق الله فإنَّ الله تعالى معه في يومه وغده، وأُولَاهُ وَأُخْرَاهُ.
بقي أن ننبّه إلى ما أخرجه ابن سعد مرسلًا من حديث سَعِيدٍ المقْبُرِيِّ بزيادة
(1) أحمد "المسند"(ج 23/ص 158/رقم 14873) إسناده حسن.