الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولذلك من مات وعليه دين، لزم ولي الأمر قضاء دينه إن كان قد جَدَّ في قضائه، فإن تطوَّع أهله أو من يتحرّون أمره وقضوا عنه دينه جاز.
متى تبرأ ذمّة الميّت بعد إحالة الدّين عنه
؟
يصِحّ إحالة دَيْنِ المَيِّتِ كما تقدّم، لكن لا بدّ من موافقة صاحب الدَّين على الإحالة، ويستحبّ لصاحب الدَّين أن يقبل الإحالة إن لم يكن هناك مانع، كمعرفته بأنَّ الضَّامن لِدَيْن الميّت عاجز عن السَّداد، أو لا يفي بدينه، أمّا إذا كان الضَّامن قادرًا على قضاء الدَّين وصادقًا، فإنّه يستحبّ ألّا يردّه، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:
…
"وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ"(1).
كما ويلزم مَنْ أحيل عليه الدَّين الوفاء بقضاء الدَّين عن الميّت، حتَّى تبرأ ذمَّة الميّت، فإنّما تبرأ ذمّة الميِّت بأداء دينه لا بمجرد ضمانه، لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي قَتَادَة بعد
أن قضى عن الميّت دينه: "الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ".
من الحقوق التي تعقب وفاة أحد الزوجين
من هذه الحقوق مِيرَاثُ الرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ وَالمَرْأَة مِنْ زَوْجِهَا، فالزَّوج يَسْتَحِقُّ النّصف من مال زوجته إذا توفّيت ولم يكن لها ولد منه أو من غيره، فإن كان لها ولد فله الرّبع، من بعد إخراج الوصيّة إن أوصت بثلث مالها أو بشيء من مالها، وسداد الدّين إن كان عليها دين، قال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ
…
(12)} [النّساء].
(1) البخاريّ "صحيح البخاري"(ج 3/ص 94/رقم 2288) كِتَاب الحَوَالاتِ.
وأمّا الزّوجة فلها ربع مال زوجها إن مات ولم يترك أولادًا منها أو من غيرها، ولها الثّمن إن ترك أولادًا، قال تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ
…
(12)} [النّساء].
هذا وإن كان له غير زوجة ولم يكن له ولد فلهنّ الرّبع يشتركْنَ فيه بالتّساوي، وإن كان له ولد فلهنّ الثّمن يشتركن فيه.
ومن الحقوق أن تمكث المرأة في بيت زوجها بعد وفاته أربعة أشهر وعشر ليال لا تتزوج ولا تخطب، ولا تتزيّن، ولا تمسّ طيبًا، ولا تخرج في غير حاجة حتّى تنقضي عدتها، قال تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (234)} [البقرة].
إلا أن تكون حاملًا فإن عدّتها تنقضي بوضع حملها؛ لقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (4)} [الطّلاق]، ولحديث سُبَيْعَة رضي الله عنها: "أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ - فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ، إِنَّكِ وَالله، مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ
وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِنْ بَدَا لِي" (1).
ومن الحقوق حفظ الجميل والعهد والودِّ حتَّى بعد الوفاة، وإكرام وصلة أصدقاء الزَّوج المتوفَّى وصدائق الزَّوجة المتوفّاة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:"مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ، فَيَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ"(2).
(1) مسلم "صحيح مسلم"(ج 2/ص 1122) كتاب الطّلاق. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ في آخر حديثه عند مسلم: «فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ» قال ابن حجر: وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ. "فتح الباري"(ج 9/ص 475).
(2)
البخاريّ "صحيح البخاري"(ج 5/ص 38/رقم 3818) كتاب مناقب الأنصار.