الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَبْشِير الْكَافِر باِلنَّار عِندَ الْمُرُورِ عَلَى قَبْرِهِ
قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "حَيْثُ مَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ"(1)، فطوبى لمن هدى الله تعالى به نفسًا وأَنْقَذَها من النَّار.
تسوية القبر
السُّنَّةُ أَنَّ الْقَبْرَ لَا يُرْفَعُ عَلَى الْأَرْضِ عاليًا، لحديث ثُمَامَةَ بْنِ شَفِيٍّ، قَالَ: كُنَّا
مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ، فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا، فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم:"يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا"(2).
وتعلية القبور بالبناء عليها خلاف السُّنَّة، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه لأَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ "أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ"(3).
وظاهر الحديث أنْ يسوَّى القبر بالأرض، بحيث لا يرفع أبدًا، وليس ذلك مقصودًا، بدليل أنَّ السُّنَّة أن يرفع قدر شبر، والظَّاهر أنَّ كلامه صلى الله عليه وسلم خرج على
وجه التّغليظ، فإنّ الوثنيين كانوا يتَّخذون من القبور والتّماثيل الماثلة ذكرى لأهل
(1) الطّبرانيّ "المعجم الكبير"(ج 1/ص 145/رقم 326). وقال الهيثمي في "مجمع الزّوائد"(ج 1/ص 118/رقم 461): رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.
…
وصحّحه الألباني في "الصّحيحة"(ج 1/ص 55/رقم 18)، و"صحيح الجامع"(ج 1/ص 604/رقم 3165).
(2)
مسلم "صحيح مسلم"(ج 2/ص 666) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.
(3)
المرجع السّابق.
الصّلاح من رجالهم، ويجعلونهم أولياء لهم ويدعونهم من دون الله تعالى، فجاء الأمر بطمسها وتسويتها بصيغة التَّغليظ قطعًا لِلذَّرَائِعِ الموصلة إلى الشِّرك.
وكم نشأ عن رفع سمك القبور من مفاسد في كلِّ مصر وعصر! فالجهلة في كلِّ زمان ومكان يعتقدون ما اعتقده الجاهليّون في أنَّ أصحاب القبور أولياء يملكون جلب النَّفع وكشف الضُّرِّ، فاتّخذوا على هذه القبور المساجد، وجعلوها قبلتهم، وشدُّوا الرِّحال إليها، واستغاثوا بها ودعوا أهلها من دون الله تعالى
…
والسُّنَّة أن يُرْفَعَ القبر نَحْوَ شِبْرٍ ليَتَمَيَّز مِنْ سَائِرِ الأرض، ويُعْلَم أنّه قبر فيزار ويصان ولا يهجر ويهان، فَعَنْ ثُمَامَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ، وَكَانَ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ عَلَى الدَّرْبِ، فَأُصِيبَ ابْنُ عَمٍّ لَنَا فَصَلَّى عَلَيْهِ فَضَالَةُ، وَقَامَ عَلَى حُفْرَتِهِ حَتَّى وَارَاهُ، فَلَمَّا سَوَّيْنَا عَلَيْهِ حُفْرَتَهُ قَالَ: أَخِفُّوا عَنْهُ فَإِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ "يَأْمُرُنَا بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ"(1).
فمن قول فضالة "أَخِفُّوا عَنْهُ" يفهم أنَّ المراد تخفيف التّراب عن قبره وكراهية رفعه، وليس إزالته بالكليَّة، ويؤيّده حديث جَابِر: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم "رُفِعَ قَبْرُهُ
مِنَ الْأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ" (2).
أمَّا مَنْ ذَهَبَ إلى أنَّ أمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ المراد منه أن تسوَّى القبور بالأرض بحيث تَدْرس ولا يبقى لها أَثَرٌ بعد عَيْنٍ، بدليل الحديث: "خَيْرُ
(1) احمد "المسند"(ج 39/ص 359/رقم 23934) حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.
(2)
ابن حبّان "صحيح ابن حبّان"(ج 14/ص 602/رقم 6635) إسناده صحيح على شرط مسلم.