الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يطريه، وإنما هو ممَّن بلغ في كمالاته الذروة العليا، لا يضاهيه عالم من معاصريه في علمه وتقواه، ومن شرح الله صدره بنوره وتجلّى على قلبه بالإِرشادات الغيبية.
وكما أنشد شيخنا إمام العصر مولانا الشيخ محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله في قصيدة طويلة في مناقبه ومفاخره:
إمامٌ قدوة عدل أمين
…
ونور مستبين كالنهارِ
فقيهٌ حافظ عَلَمٌ شهير
…
كصبح مستنير هدى سارِ
إليه المنتهى حفظًا وفقهًا
…
وأضحى في الرواية كالمدارِ
ففي التحديث رحلة كل راو
…
وفي الأخبار عمدة كل قاري
فقيه النفس مجتهد مطاع
…
وكوثر علمه بالخير جاري
وأحيا سنة كانت أُمِيتت
…
وإذ وضح النهار فلا تمارِ
وأصبح في الورى صدرًا وبدرًا
…
منيرًا دارئًا حلك التواري
وأصبح مفردًا علمًا رفيعًا
…
كرفع المفرد العلم المنارِ
وغرّة دهره علمًا ودينًا
…
طراز زمانه مثل النُّضارِ
وأمّا فضله ذوقًا وحالًا
…
ففرد فيه لا أحد يجاري
فُضَيل زمانه ورعًا وزهدًا
…
وحاتم عصره عند امتيارِ
كلمة في شرح سنن أبي داود
قد ظهر ممّا بثثنا خصائص "سنن أبي داود" ومكانته بين الأمّهات الست، واحتواءه على أحاديث الأحكام، وكونه أوفى كتاب في الموضوع، ولا ريب أنَّ الأُمَّهات الست القدر المشترك في الجميع شرح الأحاديث وشرح كلام النبوَّة، غير أنَّ كتابين منها يختصّان بمشكلات كتابية خاصة ليست هي في آخر، الأول:"صحيح البخاري"، والثاني:"سنن أبي داود".
ففي الأول: الأعنى والأهمّ شرح التراجم وبيان أغراض الإِمام في ما أودعه من العلوم في تراجم الأبواب، ووضع تراجم خاصة لم يتعرّض لمثلها المحدثون في كتبهم قاطبة، ولا تقلّ هذه المشكلات عن شرح الأحاديث، وربما يصرف أكثر جهود الشارحين والمدرسين في بيانها وتفهيمها، وقد تضاربت الأقوال والأبحاث مِن أقدم العصور إلى اليوم، ولا يزال كثير منها إلى اليوم روضًا أنفًا لم يرتع في حماه أحد، ولم تطمئن القلوب الصادية بالبيان الشافي، ولم تشف غلّة الباحث.
وهكذا الثاني: فيه من أغراض الإِمام المؤلف في تعليقاته وبيانها الشافي وتخريجها، فتراجم الإِمام في الأبواب وإن كانت واضحة غير أنَّ أغراضها في تعليقاته ربما تخفى وتحتاج إلى بحث وكشف، وأبواب الاستحاضة أشدّ إغلاقًا وأكثر إشكالًا من جهة غرض المؤلف، ولا يزال قدر كثير منها في خفاء وغموض ودقّة، قَل من ينتهض بأعبائها بما يشفي الغليل، فلا ريب أنَّ كمال كل شرح إنما يبدو في حل تلك المشكلات وبيان تلك المعضلات.
فأقدم شرح وأول شرح هو "معالم السنن" للإِمام الخطابي وبينه وبين أبي داود نحو ثمانين عامًا، فقد شرح الأحاديث شرحًا فقهيًّا لا حديثيًّا، وإن كان أبرع شرح من جهة المسائل الفقهية وأعلاها، فإنه لم يتعرَّض لحلّ التعليقات بما تحتاج إليه الأجيال المتأخرة، وكل شرح له خصائص لا تغني عن الآخر.
وشروح المتأخّرين من أهل الهند فيها فوائد، ولكن من جهة الحلّ الصائب المقنع لا تسمن ولا تغني من جوع.
وأحسن شرح في كثير من الجهات هو كتاب: "المنهل العذب المورود"، للشيخ محمود الخطّاب رحمه الله من أهل العصر، ولكن
سرعان ما تغيّرت خطّته في الجزء الثاني والثالث، فلم يكن على منوال واحد، ثم لم يتمّ، ومن قام لتكملته وهو ابنه لم يفر فريه.
و"غاية المقصود" من شروح الهند، ولم يؤلف منه إلَّا جزء واحد، ولو تم لكان شرحًا جيِّدًا لولا ما فيه من إساءة أدب بأئمّة الدّين.
و"عون المعبود" مع عدم إصابته في كثير من المشكلات نصب عينيه الردّ على الحنفيّة.
و"أنوار المحمود" يا ليت لو لم ينسبه إلى الاستفادة من الأكابر، ففيه من المغامز، وقد أساء بنسبه إلى إمام العصر الشيخ محمد أنور شاه رحمه الله.
ويقول الشيخ محمد زاهد الكوثري (1) شيخي بالإِجازة والإِفادة: ومن أحسن الشروح لـ "سنن أبي داود": شرح الشهاب ابن رسلان أحمد بن محمد المقدسي تلميذ المزّي. ويقول: هو محفوظ في مكتبة (لإله لي) في الآستانة في أربعة مجلَّدات تحت رقم (498 - 501). ويقول: وفي شروح المتأخّرين مجازفات توجب التحرّي البالغ والتحرُّز الشديد، انتهى.
وشرح ابن رسلان كان قد تيسَّرت نسخته لصاحب "بذل المجهود" بالمدينة بعد إنجازه الشرح، فاشتراه وأرسله إلى مكتبة "مظاهر العلوم""سهارنفور"، ولا أدري هل هو نسخة كاملة أو ناقصة (2)؟ وهل هو نسخة جيّدة أو غير جيّدة؟ ولست أُريد المقارنة ولا التنبيه على أقذائها، إنما أقول: كانت هناك فجوة لحلّ أبي داود وأغراضه وشرح كل حديث لفظًا لفظًا.
(1) انظر: "مقدمات الإِمام الكوثري"(ص 387).
(2)
قلت: وصلت إلى باب في الخرص.
فقام الإِمام الشيخ خليل أحمد الأنصاري نزيل المدينة المنوَّرة - زادها الله نورًا-، فسدَّ هذا الفراغ، وملأ هذه الفجوة، وجاء بشرح يحتاج إليه كلّ مَن حاول تدريس الكتاب من حل الأغراض، وشرح الألفاظ، واستنباط فقه الحديث من مواضعه، والكلام الملخّص المنقّح في الرجال، وشرح المتن بما تقرّ به العيون.
ومن أعظم خصائص هذا الشرح إيراد توجيهات صدرية انشرح لها صدر مثل الشيخ الكَنكَوهي، فإنَّ الله سبحانه قد خصَّه بنور في قلبه كانت تنقشع به ظلمات حَلَّتْ في البين من مقاصد المؤلف، أوكانت مشكلة من جهة أغراض اليسار في الحديث، ولولا مخافة طول البحث لجئت بغرر النقول في الأبحاث المشكلة من كل ناحية من شرح الأحاديث، أو غرض المؤلف، حتّى تنجلي مكانته العليا.
ويقول شيخنا إمام العصر مولانا محمد أنور شاه الكشميري، محدّث هذه العصور ونابغتها، في التقريظ على هذا الشرح ما لفظه:"وإنَّ كتاب "السنن" للإِمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجزي - رحمه الله تعالى - ثالث الكتب الستّة، ولا تخفى رتبته ودرجته في الحديث في القديم والحديث، لم يطبع إلى الآن تعليق عليه وافٍ، وبحلّه وحقّه كافٍ، وقد وجّه الله تعالى المولى العلَّامة العارف الفقيه المحدّث، شيخنا وشيخ الفقه والحديث، مسند الوقت مولانا خليل أحمد السهارنفوري، خليفة شيخنا وشيخ مشايخنا مولانا رشيد أحمد الكَنكَوهي - رحمه الله تعالى- لخدمته، فوفّى كلّ حقّ لها.
شَفَى وكفَى مَافِي الصُدُور فَلَمْ يَدَعْ
…
لِذِي إِرْبَةٍ في القَوْلِ جَدًّا وَلَا هَزَلًا
فشرح المتن وأقوال المصنف، وقد كانت مستورة فجلاّها، وصعبة فسهّلها وأَلَانها، كما أُلِين لأبي داود الحديث، وضبط التراجم، وميَّز بين المفترق والمتَّفق، وبين المؤتلف والمختلف، واستخرج الفقه ووجّه